.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
فى صيف عام ٢٠١٣ كانت مصر تقف على مفترق طرق تاريخى؛ ملايين المصريين احتشدوا فى الميادين والشوارع والقرى والمدن، يحملون الأعلام ويرددون الهتافات ويعبّرون عن رؤيتهم لمستقبل الدولة المصرية.
وبين تلك الملايين لم يكن الحضور مقتصرًا على الرجال والنساء أو الشباب والكبار، بل كان هناك جيل كامل من الأطفال والمراهقين الذين خرجوا مع أسرهم، بعضهم مدفوعًا بالحماس، وبعضهم بدافع الفضول، وآخرون لأن آباءهم وأمهاتهم أرادوا أن يشهدوا بأعينهم لحظة اعتبروها فارقة فى تاريخ الوطن.
وكان محمد عبدالمنعم، وحسن إبراهيم، وأمنية عبدالتواب، وعلى الخيال من بين هؤلاء، ووقتها كانت أعمارهم تتراوح بين ١٣ و١٥ عامًا.
لم يكن أى منهم يتخيل أن السنوات ستمر سريعًا، وأن الطفل الذى رفع العلم المصرى وسط الحشود سيصبح بعد ثلاثة عشر عامًا شابًا فى السادسة والعشرين أو الثامنة والعشرين من عمره، يحمل ذكريات الثورة ويقرأ أحداثها بعين مختلفة تمامًا.
اليوم، وبعد مرور ١٣ عامًا على ثورة ٣٠ يونيو، يسترجع الأربعة، خلال حديثهم لـ«الدستور»، ذكرياتهم مع تلك الأيام، لا ليتحدثوا فقط عما رأوه فى الميادين، بل عما فهموه لاحقًا عندما كبروا، وكيف تشكل وعيهم السياسى والوطنى، وكيف ينظرون الآن إلى ما يعتبرونها واحدة من أهم اللحظات فى تاريخ مصر الحديث.
محمد عبدالمنعم: «الإخوان» خطر على فكرة الدولة المصرية.. وخروج الملايين إلى الشوارع أنقذ الوطن
كان محمد عبدالمنعم فى الثالثة عشرة من عمره عندما أمسك والده بيده واصطحبه إلى إحدى الفعاليات المؤيدة لثورة ٣٠ يونيو. يتذكر حتى اليوم حرارة الجو، وأصوات الهتافات، واللافتات التى كانت تملأ المكان، لكنه يعترف بأنه لم يكن يفهم وقتها كل ما يجرى.
يقول «محمد»: «كنت طفلًا فى المرحلة الإعدادية، ولم تكن السياسة تشغلنى كثيرًا. كنت أسمع والدى وأقاربى يتحدثون باستمرار عن مصر، وعن جماعة الإخوان، وعن مخاوفهم من المستقبل، لكننى لم أكن أستوعب الصورة كاملة».
ويضيف أن أكثر ما كان يلفت انتباهه هو حالة القلق التى كانت تظهر على الكبار، موضحًا: «كنت أرى أبى يتابع الأخبار طوال الوقت، وأسمعه يتحدث عن أن مصر تواجه خطرًا حقيقيًا. وقتها لم أفهم لماذا يشعر بكل هذا القلق، لكننى كنت أثق أنه ينزل إلى الشارع لأنه مقتنع بأنه يدافع عن بلده».
يتذكر «محمد» أن مشاركته الأولى فى التظاهرات منحته إحساسًا مختلفًا بالانتماء؛ فقد رأى آلاف المواطنين من مختلف الأعمار والخلفيات الاجتماعية يقفون معًا ويرفعون علمًا واحدًا، ويهتفون بصوت واحد «يسقط يسقط حكم المرشد»، ويقول إن هذا المشهد ظل راسخًا فى ذاكرته حتى اليوم.
ومع مرور السنوات، بدأ «محمد» يعيد قراءة تلك المرحلة بعين أكثر نضجًا. وخلال دراسته الجامعية عاد إلى متابعة أحداث ٢٠١٣ وقراءة ما كُتب عنها، وعندها شعر بأن كثيرًا من المخاوف التى كان يسمعها من أسرته أصبحت أكثر وضوحًا بالنسبة إليه.
ويؤكد أنه بات مقتنعًا بأن جماعة الإخوان كانت تمثل خطرًا على فكرة الدولة الوطنية المصرية. فيقول: «من وجهة نظرى، أثبتت الأحداث أن الجماعة كانت تنظر إلى الأمور من زاوية التنظيم أكثر من زاوية الوطن، وعندما أقرأ اليوم ما حدث فى تلك الفترة أفهم لماذا خرج ملايين المصريين إلى الشوارع رفضًا لهذا المسار».
ويضيف: «أعتقد أن المصريين أنقذوا دولتهم فى ٣٠ يونيو، لكن النجاح لم يكن ليتحقق لولا موقف القوات المسلحة المصرية التى انحازت لإرادة الشعب وحمت البلاد من الانزلاق إلى الفوضى، كما أرى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى تحمّل مسئولية تاريخية فى لحظة كانت شديدة الخطورة، ونجح مع مؤسسات الدولة فى عبور مرحلة من أصعب المراحل التى مرت بها مصر».
ويختتم شهادته قائلًا: «عندما أتذكر نفسى طفلًا وسط تلك الحشود أشعر بالفخر. ربما لم أكن أفهم كل شىء وقتها، لكننى اليوم أدرك أننى كنت شاهدًا على لحظة غيرت تاريخ بلدى».
حسن إبراهيم: الرئيس السيسى تحمّل مسئولية ضخمة وقاد البلاد خلال مرحلة مليئة بالتحديات
كان موقف حسن إبراهيم وقت ثورة ٣٠ يونيو يختلف قليلًا عن أقرانه، ففى عام ٢٠١٣ كان يبلغ الخامسة عشرة من عمره، وكان مهتمًا بمتابعة السياسة والأحداث الجارية بشكل يفوق معظم أصدقائه. يقول «حسن» إنه كان يقضى ساعات طويلة أمام شاشات التليفزيون، ويتابع النقاشات التى تدور داخل أسرته حول ما يحدث، لذا لم يكن نزوله فى ٣٠ يونيو مجرد مرافقة لوالديه، بل كان يشعر بأنه يشارك فى حدث يفهم جزءًا من أبعاده.
ويضيف: «كنت أرى أن البلد يمر بمرحلة خطيرة، لم أكن خبيرًا سياسيًا بالطبع، لكننى كنت أدرك أن هناك انقسامًا كبيرًا فى المجتمع وأن ملايين المصريين يشعرون بالقلق تجاه مستقبل الدولة». ويشير إلى أن أكثر ما أدهشه فى تلك الأيام هو حجم المشاركة الشعبية، قائلًا: «عندما رأيت الحشود على الطبيعة أدركت أن ما يحدث أكبر بكثير مما كنت أتصور، وشعرت بأن المصريين يرسلون رسالة واضحة بأنهم يريدون حماية دولتهم والحفاظ على هويتها».
وبمرور السنوات، يقول «حسن» إنه أصبح أكثر اقتناعًا بصحة موقفه آنذاك، وإن الأحداث اللاحقة أكدت له أن مخاوف المصريين لم تكن مجرد أوهام أو مبالغات. ويوضح: «أرى أن جماعة الإخوان ارتكبت أخطاء كبيرة، وفشلت فى استيعاب طبيعة الدولة المصرية وتاريخها. ومن وجهة نظرى، كانت هناك محاولة لفرض مشروع لا يحظى بقبول قطاع واسع من الشعب، وهو ما أدى فى النهاية إلى انفجار الغضب الشعبى فى ٣٠ يونيو».
ويتابع: «الجيش المصرى لعب دورًا وطنيًا حاسمًا عندما وقف إلى جانب إرادة المصريين وحافظ على مؤسسات الدولة، كما أن الرئيس السيسى تحمّل مسئولية ضخمة فى ظروف كانت شديدة التعقيد، وتمكن من قيادة البلاد خلال مرحلة مليئة بالتحديات الأمنية والاقتصادية».
ويعتبر «حسن» أن أبناء جيله يتمتعون بخصوصية نادرة، لأنهم عاشوا مرحلة الاضطراب ثم شهدوا مرحلة استعادة الاستقرار وبناء المشروعات الكبرى، قائلًا: «نحن جيل رأى بعينيه كيف يمكن أن تتعرض الدول للخطر، وكيف يمكن أن تتجاوز أزماتها عندما تتوحد إرادة شعبها».
أمنية عبدالتواب: كنت أسمع عن «خطر» الجماعة الإرهابية ولا أفهم المقصود وحاليًا أحمد الله على ثورة والدتى وملايين المصريين
تقول أمنية عبدالتواب، التى كانت فى الرابعة عشرة من عمرها وقت ثورة ٣٠ يونيو، إن والدتها كانت حريصة على اصطحابها معها ومشاركتها جميع التفاصيل.
تتذكر «أمنية» مشاهد ذلك اليوم جيدًا، لكنها تعترف بأن وعيها آنذاك لم يكن مكتملًا، موضحة: «كنت أرى الأعلام كثيرة، وأسمع الهتافات، وأشعر بأن هناك شيئًا كبيرًا يحدث، لكنى لم أكن أفهم كل الخلفيات السياسية أو تفاصيل الصراع». وتلفت إلى أن ما رسخ فى ذاكرتها هو ما كان يشعر به الكبار من حولها، وتقول: «كنت أرى القلق فى عيون والدتى، والحماس فى كلام الناس، وكأن الجميع متفق على أن هناك لحظة فاصلة تمر بها مصر».
وتشير إلى أن كثيرًا مما كانت تسمعه فى ذلك الوقت كان يدور حول المخاوف من جماعة الإخوان، لكنها لم تكن تملك الوعى الكافى لفهم الصورة الكاملة. وتضيف: «كنت أسمع كلمة (خطر) كثيرًا، لكنى لم أكن أعرف كيف أقيّمها أو أضعها فى سياق سياسى واضح».
وتؤكد «أمنية» أن الصورة بدأت فى التغير بمرور السنوات، خاصة عندما وصلت إلى الدراسة الجامعية، وتوسعت قراءتها للتاريخ السياسى الحديث، وأصبحت أكثر قدرة على فهم ما جرى فى تلك المرحلة، وما دفع ملايين المصريين إلى النزول للميادين.
وتوضح: «عندما كبرت فهمت أن ما حدث لم يكن مجرد خلاف سياسى، بل كان صراعًا على شكل الدولة وهويتها، وأعتقد أن المصريين عندما خرجوا فى ٣٠ يونيو كانوا يعبّرون عن رغبة فى حماية الدولة من التفكك».
وترى «أمنية» أن المؤسسة العسكرية لعبت دورًا محوريًا فى حماية الدولة المصرية من الانزلاق إلى الفوضى، معتبرة أن تدخل الجيش فى تلك اللحظة كان استجابة مباشرة لإرادة شعبية واسعة.
وتكمل: «أرى أن القوات المسلحة المصرية كانت دائمًا جزءًا من معادلة الاستقرار فى البلاد، وفى تلك اللحظة تحديدًا كانت هناك حاجة حقيقية لوجود قوة قادرة على منع انهيار الدولة، والرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى كان وقتها وزيرًا للدفاع، تحمّل مسئولية كبيرة فى واحدة من أكثر الفترات حساسية فى تاريخ مصر الحديث، وما حدث بعد ذلك يعكس حجم التحديات التى كانت موجودة، وكيف تم التعامل معها فى إطار محاولة لإعادة بناء الدولة واستعادة استقرارها». وتختتم حديثها بالتأكيد على أن مشاركتها فى تلك اللحظة، رغم صغر سنها، جعلتها أكثر وعيًا بالشأن العام، قائلة: «ربما لم أكن أفهم كل شىء وقتها، لكننى اليوم أدرك أننى كنت جزءًا من لحظة تاريخية شكلت وعيى الوطنى لاحقًا».
على الخيال: القوات المسلحة حافظت على تماسك الدولة ومنعت انزلاقها إلى الفوضى.. وأدركت معنى «مصر كبيرة عليهم»
أما على الخيال فقال إن لديه صورة ما زالت محفورة فى ذاكرته حتى اليوم، التقطت له خلال أيام ٣٠ يونيو وهو يقف وسط الحشود، يحمل علم مصر، وإلى جواره أسرته التى اصطحبته إلى الميدان.
وأضاف: «كانت سنى آنذاك ١٣ عامًا فقط، ولم أكن أدرك تمامًا طبيعة اللحظة السياسية، لكننى كنت أشعر بأننى جزء من مشهد أكبر منى.. كنت أرى الناس من حولى يتحدثون عن مصر وكأنها فى خطر، وكنت أصدقهم لأننى كنت أثق فى أهلى».
وأكمل: «ما كنت أراه فى الشارع من حشود ضخمة جعل المشهد بالنسبة لى أقرب إلى حالة وطنية عامة، لا مجرد خلاف سياسى. كنت أرى آلاف الأشخاص فى مكان واحد، كلهم يرفعون نفس العلم، ويهتفون بنفس الكلمات، وهذا وحده كان كافيًا ليشعرنى بأن هناك شيئًا مهمًا يحدث».
وواصل: «مع تقدمى فى العمر بدأت أعيد قراءة تلك المرحلة من منظور مختلف. خلال سنوات الجامعة وما بعدها، أصبحت أكثر اهتمامًا بمتابعة التحليل السياسى وفهم خلفيات ما جرى فى ٢٠١٣».
وتابع: «عندما كبرت أدركت أن ما حدث لم يكن مجرد لحظة غضب، بل كان تعبيرًا عن رفض شعبى واسع لمسار سياسى لم يحظَ بالقبول لدى قطاع كبير من المصريين».
ورأى أن جماعة الإخوان الإرهابية أخطأت فى تقدير طبيعة الدولة وتعقيداتها الاجتماعية والسياسية، قائلًا: «أعتقد أن الجماعة تعاملت مع الحكم بمنطق التنظيم، وليس بمنطق الدولة، وهذا ما أدى إلى اتساع الفجوة بينها وبين الشارع المصرى».
وأكد أن الجيش المصرى لعب دورًا محوريًا فى تلك المرحلة، من خلال الحفاظ على تماسك الدولة ومنع انزلاقها إلى حالة من الفوضى، موضحًا: «أرى أن القوات المسلحة كانت الضامن الأساسى لاستمرار الدولة، وأنها استجابت لحالة شعبية واسعة عبّرت عن نفسها فى الشوارع».
وأشار إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى قاد مرحلة شديدة الصعوبة فى تاريخ مصر الحديث؛ إذ واجهت الدولة تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متزامنة، لكنها تمكنت فى النهاية من استعادة قدر من الاستقرار.
وقال: «ربما كنت طفلًا فى ذلك الوقت، لكننى اليوم أرى أن تلك التجربة شكلت وعيى، وجعلتنى أكثر إدراكًا لقيمة الدولة والاستقرار، وأهمية أن تبقى المؤسسات الوطنية قوية وقادرة على حماية المجتمع».















0 تعليق