.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تتشابه الخيوط، لكن طريقة النسج هى التى تحدد قيمة النسيج.. فيرفع تنوع وتشابك السرد بتعدد الرواة، وتداخل الأزمنة، وتنوع الشخوص حالة تشوه «وحمة تشغل النصف الأيمن وجهها، وتنتشر على مساحات من جسدها»، تصيب فتاة من مجرد حالة فردية إلى قضية فلسفية وجودية تكشف عن تناقضات وزيف الوعى الجمعى المحيط بهذه الفتاة، كما فى رواية «روح الله الفضل حبش»، الصادرة عن دار العين، للكاتب مجدى نصار.
وعبر تقنية السرد الحلزونى أو اللولبى، حيث يختار الكاتب فكرة مركزية أو حدثًا ينطلق السرد منها ثم يعود إليها مرات عديدة، عبر تكرارات، ولكن فى كل مرة يضيف تفاصيل جديدة أو يطرح منظورًا مختلفًا، عبر تكشّف أحداث واسترجاعات زمنية «فلاش باك» ومخاوف مستقبلية، ليعود إلى نفس نقطة البداية، ولكن من مستوى أعمق.
ومع كل لفة فى السرد نتعرف بشكل أعمق على الشخصيات، وتتكشف لنا الأسرار التى تحكم شبكة العلاقات الاجتماعية لشخوص الرواية، وأيضًا تتطور الحالة النفسية للشخصيات وتتداخل الذاكرة مع الواقع وتنمحى الحدود بين الواقع والأسطورة.
ومن خلال العيون المتربصة، الفاحصة، المحدقة دومًا للخارج، للآخر، العيون الثمانى التى تعنون فصول الرواية عيون سوداء، عيون بيضاء، عيون حمراء، عيون وردية، عيون زرقاء، عيون سماوية... إلخ، نرى كيف تؤثر احتياجات الإنسان على تنوعها على سلوكه وعلاقاته.. تتنوع احتياجات شخوص الرواية، لكنها جميعًا تندرج تحت حاجة أساسية وهى الحاجة لمرآة، الحاجة لعين غير العيون التى لا ترى ما بداخل روح الإنسان، وتكتفى بالتعرف على القشرة أو السطح الخارجى لجلد الإنسان وملابسه وسيارته وتظاهره الدينى.
تبتعد الرواية عن الخط الزمنى المستقيم لصالح الدوران حول «العقدة»، وهى الوحمة البنية أو «المركز» الذى تدور حوله كل أحداث حياتها وعلاقاتها بالعالم، يبدأ الإحساس بالعار والخوف من فضح هذا السر منذ لحظة الميلاد، حيث تشدد الجدة على الداية «سرنا معك». تنتقل ذبذبات الخوف والخزى إلى الرضيعة، وتكون شبكة كهرومغاطيسية تشوه حياتها ورؤيتها لنفسها، وتجعل من الفتاة دائمًا فى وضع مقارنة مع زميلاتها فى المدرسة والعمل، تفسد هذه الوحمة البنية حياتها وتغطى على أى جمال روحى وجسدى، ومع كل فصل تتجمع ندف الذكريات وتتفاعل مع كآبة الواقع؛ لتخلق حالة من الإحباط من بيئة العمل إلى فقدان الأمل فى الحب والزواج، ورغم أن السرد يخبرنا عبر مشاهد متناثرة عن كرامات وقدرات غيبية تمتلكها الفتاة، فإنها لا ترى كل هذا ولا تشعر بهذا الكمال بسبب النقص الذى يذكرها به كل من يراها.
ورغم أن «روح» تلتقى بمن يحب روحها أكثر من شكلها، ولأنها لا تستكين، ولا تفرح، يظل القلق هو المخيم على سمائها، وعندما يقتل خطيبها، تتأكد أنه لا مرآة ترى نفسها على حقيقتها ولا عين تنظر لها بحب وليس ازدراء أو شفقة، لحظتها تكتمل الدائرة وتفرد روح جناحيها وتطير بعيدًا وتختفى عن هذا العالم الذى لا يستحقها.
تتميز الرواية بتعدد الرواة: ضمير الأنا مع روح، الراوى العليم فى حكايات القرية التاريخية وسيرة بقية الشخصيات، وشهادات الشمس والقمر، حيث يرويان عن روح ويشرحان مشاعرها ويكشفان عن أحاسيسها على المستوى النفسى، كما يسردان ما لم تره أو تعيشه روح من علاقات بين والدها ووالدتها، بين صباح ويوسف، وهنا تستخدم الشمس كرمز للمراقبة والشهادة ويستخدم القمر كرمز للملجأ والاعتراف.
يتكشف لنا أن كل شخصيات الرواية: صباح، سمير، يوسف، سعد، فضل، راجية، وأميرة.. كلها شخصيات تبحت عن مرآة ترى ذاتها من خلالها.
وقد تكون أكثر الشخصيات حيوية فى الرواية، العمة صباح، التى يكشف جسدها الأنثوى وغريزتها الجنسية المندفعة عن النفاق المجتمعى، حيث يريدها الجميع الرجال الذين تمر بهم كموضع شهوة وليست كحبيبة، وعندما تكتشف صباح اكتمال الحب والرغبة مع يوسف، يفضح المجتمع علاقتهما، ويؤكد عماه عن رؤية البراءة وبلغة شاعرية، سريعة، لاهثة، موجزة تجعل الرواية أقرب لقصيدة نثر طويلة وبقدرة مشهدية عالية، وبوعى كامل بتقنيات الكتابة، والمزج بين التداعى الحر، والحوار، والمشهدية، والتشظّى. نجح الكاتب مجدى نصار فى تقديم حكاية قديمة «حكاية العجز والتشوّه» بأساليب متنوعة دمجها بإبداعه ورؤيته الخاصة، فى رواية تحتاج لقارئ يبذل نفسه ووقته من أجل فك طبقات السرد الغنى الكثيف، كى يكافئ ما بذله الكاتب من جهد واعٍ فى كتابة رواية تستحق الكثير من الإشادة.








0 تعليق