.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الجمعة 19/يونيو/2026 - 11:55 ص 6/19/2026 11:55:39 AM
(ليس أمامنا سوى أن نصلي أن يعتزل حياتنا العامة).. صحيفة (معاريف) الإسرائيلية تقول، إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انقلب على صديقه بنيامين نتنياهو، داعية الأخير إلى التقاعد وترك الفرصة للإسرائيليين كي يرمموا الخراب الذي خلفه وراءه.. إذ كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يعقد اجتماعًا مع مجلس وزرائه الأمني، في ملجأ في وقت متأخر من ليلة الأحد الماضي، متأهبًا لاحتمال استخدام إيران للصواريخ الباليستية، ردًا على قصف الجيش الإسرائيلي للضاحية الجنوبية في بيروت، عندما رنّ الهاتف، وكان المتصل، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يُبلغه بنبأ توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران.. وكان هذا الاتصال الهاتفي هو الثاني بينهما في ذلك اليوم.. وفي الاتصال الأول، أخبر ترامب نتنياهو أنه (غاضب) من الضربة الإسرائيلية السابقة على العاصمة اللبنانية، بيروت، وأن نتنياهو (يفتقر تمامًا إلى الحكمة).. وفي الاتصال الثاني، أبلغه ترامب، أن الحرب التي شنّاها معًا في أواخر فبراير الماضي على إيران انتهت فعليًا.
قبل ذلك بخمسة أيام، كشف مصدر إسرائيلي لشبكة CNN، أن منشور الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي أشار فيه إلى اتفاق وشيك مع إيران، فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي كان يُجري نقاشًا أمنيًا حول إيران.. وأضاف المصدر، أن (إسرائيل لم تكن على علم بأي اتفاق وشيك مع إيران، أو بأي موافقة على اتفاق)، وهو ما يُناقض على ما يبدو إعلان ترامب على منصته.. وبعد ليلتين متتاليتين من الضربات الأمريكية على إيران، وتهديد ترامب بالمزيد، عقد نتنياهو اجتماعًا أمنيًا محدودًا، مساء الخميس الماضي، مع كبار المسئولين الأمنيين وبعض وزرائه.. ونشر ترامب منشورًا حول الاتفاق المُحتمل أثناء مشاركة نتنياهو في ذلك الاجتماع.. وكان ذلك مفاجأة صاعقة لنتنياهو، الذي سبق ورفض، علنًا وبقوة، توقيع الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، الاتفاق النووي مع إيران في 2015، وتحدث أمام الكونجرس، مدركًا أنه يحظى بدعم الجمهوريين، حيث انتقد الاتفاق والرئيس الذي سعى إليه.. إلا أنه هذه المرة، لم يُدلِ رئيس الوزراء الإسرائيلي بأي تصريح علني يُذكر، حول الرجل الذي أبرم الاتفاق الجديد.
ويمثل الاتفاق بين واشنطن وطهران، السيناريو الذي طالما خشيه المسئولون الإسرائيليون لأسابيع: فهو يُعيد فتح مضيق هرمز، ويؤدي إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، مع تأجيل المفاوضات حول القضايا التي كانت أهدافًا عسكرية معلنة لإسرائيل.. إذ تُؤجل مذكرة التفاهم، مناقشة المواضيع الشائكة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وترسانتها الصاروخية الباليستية إلى وقت لاحق، حتى وإن كانت تُوفر متنفسًا اقتصاديًا للنظام الذي كان نتنياهو يسعى لإسقاطه.
وعندما أدلى نتنياهو أخيرًا بتصريحات علنية، بعد إعلان ترامب عن مذكرة التفاهم، كان ذلك بعد ساعات من تصريحات سياسيين إسرائيليين آخرين، في مؤتمر صحفي مساء الاثنين، لم يُشر نتنياهو إلى الاتفاق إلا نادرًا في كلمته الافتتاحية التي استمرت ثمان دقائق.. وربما الأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو أنه لم يذكر ترامب إلا نادرًا في كلمته الافتتاحية، بدلًا من التباهي بعلاقتهما كما كان يفعل بانتظام لسنوات.. وعندما سُئل عن الاتفاق لاحقًا، قال، (هناك حالات لا نتفق فيها أنا والرئيس ترامب.. أنا مسئول عن مصالح إسرائيل الأمنية، ويجب أن يتم ذلك بحكمة).. خصوصًا وأن الاتفاق يتضمن أيضًا قيودًا جديدة على قدرة إسرائيل على قتال حزب الله اللبناني، إذ تطالب إيران بانسحاب عسكري إسرائيلي كامل من جنوب لبنان، وهو أمر رفضته إسرائيل.. وسبق أن قال مسئول أمريكي رفيع المستوى للصحفيين، بأن الانسحاب من جنوب لبنان (ليس شرطًا من شروط الاتفاق.. وإذا لم تتمكن إيران من السيطرة على حزب الله، وإذا هاجموا مواقع إسرائيلية أو مدنًا إسرائيلية، فسيكون لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها والرد).
تقول مصادر إن نتنياهو أبقى إحباطاته من الصفقة طي الكتمان، لكنه كان يعبّر عنها في محادثات خاصة.. وقال نتنياهو، إن الوضع الحالي يتطلب من الحكومة الإسرائيلية (أن تظل هادئة، وأن تتمسك بحزم بمصالحنا الأمنية، وفي الوقت نفسه أن تحافظ على العلاقة المهمة مع أصدقائنا الأمريكيين، الذين قاتلوا جنبًا إلى جنب معنا، ونحن ممتنون لهم للغاية على ذلك).. وفي الوقت نفسه، قال إن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها في جنوب لبنان (طالما أن احتياجات إسرائيل الأمنية تتطلب ذلك)، مع أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تنص على أن وقف إطلاق النار يشمل القتال بين إسرائيل وحزب الله، وسيتعين على إسرائيل الانسحاب من لبنان بموجب أي اتفاق نهائي.. لذلك، قال نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، في مؤتمر صحفي يوم الخميس، إن الولايات المتحدة تتوقع ألا يشن حزب الله هجمات ضد إسرائيل، لكنها تتوقع أيضًا ألا (يخرج الإسرائيليون عن السيطرة) في لبنان، (يتعين على الإسرائيليين احترام عملية السلام هذه.. ويتوقع الرئيس أن يعمل جميع أصدقائنا، الإسرائيليون والعرب في المنطقة، معًا وأن ينجزوا هذه الصفقة بالفعل).
وبينما تجنّب نتنياهو ـ حتى الآن ـ المواجهة العلنية المباشرة مع ترامب، كانت شخصيات من مختلف أطياف الطيف السياسي الإسرائيلي أقل تحفظًا.. وصف شريكا نتنياهو في الائتلاف اليميني المتشدد، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن جفير، الاتفاق بأنه (خطير)، وأعلنا أن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة به.. ووصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، المرشح لمنافسة نتنياهو، الوضع بأنه (منعطف خطير في أمن إسرائيل)، وذكر رئيس الأركان العامة السابق جادي آيزنكوت، وهو أيضًا من أبرز المرشحين لرئاسة الوزراء، النتيجة بأنها (كارثية ناتجة عن غياب الاستراتيجية والشجاعة).
هذا دفع جي دي فانس، إلى توجيه تحذير صريح لأعضاء الحكومة الإسرائيلية الذين هاجموا الاتفاق مع إيران: الرئيس ترامب هو الصديق الوحيد المتبقي لكم، وسيكون من غير الحكمة معارضته.. معبرًا بذلك علنًا عن القلق الذي انتاب الكثيرين في فريق ترامب تجاه حكومة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، خلال الأشهر الثلاثة الماضية.. كما وجّه تهديدًا مبطنًا، بأنه في حال قوضت إسرائيل الاتفاق، فقد يتأثر الدعم العسكري الأمريكي، (دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يُبدي تعاطفًا مع دولة إسرائيل في هذه اللحظة، وهو أيضًا رئيس دولة القوة العظمى في العالم.. لو كنتُ عضوًا في حكومة إسرائيل، لما هاجمتُ الحليف القوي الوحيد المتبقي لي في العالم أجمع).. وأضاف فانس، أن على إسرائيل أن تأخذ في الاعتبار أن (ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت وطنكم، قد تم بناؤها بأيدي أمريكية، وتم تمويلها من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين).
ويعكس تحفظ نتنياهو حساسية الوضع الراهن في السياسة الخارجية، كما يُظهر مدى مركزية ترامب في استراتيجيته الانتخابية.. وكان فريقه السياسي قبل أشهر، قد وضع خطة واضحة للانتخابات: انتصار سريع على إيران، وزيارة مُظفّرة للبيت الأبيض في سبتمبر القادم، وزيارة أخرى لترامب إلى إسرائيل في المرحلة الأخيرة، وحملة إعلامية ضخمة تُسلط الضوء على نتنياهو حتى موعد الانتخابات في أكتوبر القادم.. لكن بدلًا من ذلك، أدى اتفاق إنهاء الحرب على إيران، إلى توتر العلاقات بين ترامب ونتنياهو.. وكشفت سلسلة من الخلافات العلنية، عن ضغوط ترامب على إسرائيل لإنهاء الحرب، والحد من تدخلها في لبنان.
وبحسب مصادر، فإن دعوات ترامب الصريحة لإسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان، وتصريحاته حول المفاوضات النووية، بالإضافة إلى تعليقه الأخير لقناة ABC، الذي تساءل فيه عما إذا كان نتنياهو لا يزال يرغب في (الاستمرار) في العمل السياسي، رئيسًا لوزراء إسرائيل، كانت مفاجأة.. حتى أن المستشار السياسي نداف شتراوخلر، الذي سبق له العمل مع نتنياهو، وصف الوضع الراهن، بأنه (نقطة اختبار، وليست نقطة انهيار).. قال، (لا أريد أن أبالغ في مدح العلاقة بهذه السرعة)، مضيفًا أنه مع اقتراب انتخابات أكتوبر بعد نحو أربعة أشهر، يمكن للعلاقة أن تتعافى)، متوقعًا أن يظل ترامب (ركيزة أساسية في الحملة الانتخابية لنتنياهو).. ثم أوضح شتراوخلر، أنه (سبق أن غضب ترامب ـ من نتنياهو، ومن قادة آخرين ـ وعادةً ما تعود الأمور إلى نصابها.. حتى الأسبوعين الماضيين، لم يكن هناك أي توتر يُذكر بينهما، وحتى الآن، لا يزال ترامب يحترمه ولم يغلق الباب. لا يزال أمامنا ستين يومًا.. هناك طرق للتأثير على الاتفاق النووي النهائي).
ويمكن تتبع هذا التحول في المزاج العام الإسرائيلي بوضوح، عبر القناة التلفزيونية الرابعة عشر العبرية الموالية لنتنياهو؛ إذ بات المذيعون ـ الذين وصفوا ترامب يومًا بأنه (أعظم هدية للشعب اليهودي) ـ ينددون به الآن باعتباره (خاسرًا)، أضعف كلًا من إسرائيل وأمريكا.. وفي أحاديث خاصة، شبّهه مصدر في حزب الليكود، بإمبراطور اليابان إبان الهزيمة في الحرب العالمية الثانية.. وقال آخرون، (في الوقت الراهن، لا يحظى ترامب بشعبية كبيرة داخل القاعدة الجماهيرية لنتنياهو)، وفي الوقت ذاته فإن هذا التحول قد يظل مؤقتًا مع اقتراب انتخابات أكتوبر في إسرائيل.
وتؤكد الأرقام هذا الواقع؛ حيث أظهر استطلاع حديث أجراه (المعهد الإسرائيلي للديمقراطية)، ونُشر الأسبوع الماضي، انخفاضًا حادًا في نسبة الإسرائيليين اليهود الذين يعتبرون أمن إسرائيل أولوية قصوى لدى ترامب؛ إذ تراجعت النسبة من 64% في مارس إلى 44% هذا الشهر، وهو أدنى مستوى يُسجَّل منذ أواخر عام 2024.. وكتب المحلل السياسي اليميني، ماتي توشفيلد، في صحيفة (معاريف) الأسبوع الماضي، (أسهم ترامب في تراجع؛ ليس انهيارًا أو سقوطًا مدويًا، لكن الاتجاه العام هبوطي).. وقال إن فريق حملة نتنياهو يبحث الآن عن رسائل جديدة، لأن حملة (أقوياء معًا) ـ التي تبرز الزعيمين معًا ـ (لم تعد تحقق التأثير الذي كان متوقعًا منها في البداية).
ويراقب قادة المعارضة في إسرائيل هذا التحول عن كثب؛ إذ ذكر مصدر مطلع على خططهم، (أن خصوم نتنياهو يخططون لاستغلال أي تأييد محتمل من ترامب ضده، وتصويره كدليل على أنه تحول إلى مجرد تابع ذليل، وتخلى عن المصالح الأمنية لإسرائيل).. وأضاف المصدر، أن شخصيات معارضة بدأت في إيصال رسائل إلى جهات اتصال مقربة من ترامب، تحثه على عدم تأييد نتنياهو أو المشاركة بفاعلية في حملته الانتخابية.. ومع ذلك، لا يزال معسكر نتنياهو يعتقد أن هذه العقبة مؤقتة.. وخلف الكواليس، كشف مصدر إسرائيلي أن نتنياهو يسعى بهدوء لعقد لقاء ثنائي مع الرئيس الأمريكي، وهو أمر نفاه مكتبه.. إلا أنه من شأن لقاء كهذا، أن يتيح لنتنياهو طرح مخاوفه بشأن الاتفاق النووي الإيراني المرتقب أمام ترامب، كما سيمنحه (الرصيد السياسي) الذي كان يطمح لاستثماره: صورة تظهر مدى قربه من ترامب.
*
إلا أن صحيفة (وول ستريت جورنال)، كشفت في تقاريرها الصحفية، أن الرئيس دونالد ترامب وكبار مسئولي إدارته، يشعرون بإحباط شديد من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو.. أشار تقرير إلى أن المحادثات المتكررة بين الطرفين فقدت وديتها المعتادة، حيث يسعى ترامب لإنهاء المواجهة مع إيران نهائيًا، في حين يوجه انتقادات لاذعة لنتنياهو الذي يصر على مواصلة التصعيد العسكري.. ووصف ترامب، نتنياهو بأنه شخص رائع، لكنه يندفع أحيانًا أكثر من اللازم، ويصعب التعامل معه.
لقد ازداد استياء ترامب من نتنياهو في الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع مساعيه لإنهاء الحرب التي أثرت سلبًا على الاقتصاد الأمريكي وأبقت أسعار البنزين فوق أربع دولارات للجالون، حيث أبدى قلقه من أن يربطه الركود الاقتصادي العالمي بالكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.. ووفقًا لمصادر مطلعة، انتقد ترامب نتنياهو بحدة في اتصال هاتفي بشأن لبنان، متسائلًا: (لماذا تفجرون المباني في لبنان؟.. توقفوا عن تفجير المباني).. كما نقلت تقارير، أنه وصفه في مكالمة أخرى بـ (المجنون)، ملوحًا برفع الدعم عنه ومواجهته للسجن.. وأعرب ترامب عن غضبه الشديد من الضربة الإسرائيلية الأخيرة على بيروت، واصفًا توقيتها بغير المواتي، كونها نُفِذت قبيل توقيع الاتفاق مع إيران، وكادت أن تشوش على مسار الدبلوماسية.. وأفاد مسئولون، بأن أكثر ما أثار استياء البيت الأبيض، هو مواصلة إسرائيل قصف لبنان، رغم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، مما دفع ترامب لجمع مسئولين لبنانيين وإسرائيليين في المكتب البيضاوي، للتوسط بنفسه إثر مشاهدته صورًا لمسيحيين يتعرضون للقصف هناك.
عندما أعلن ترامب رسميًا عن توقيع مذكرة تفاهم مع إيران، خلال مأدبة عشاء استضافها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في قصر فرساي، أبدى المسئولون الإسرائيليون دهشتهم من إعلان وقف إطلاق النار، حيث كانوا على أهبة الاستعداد لشن ضربات لإيران، مرجحين ميل ترامب للحل العسكري.. وخلال اتصال هاتفي، سأل نتنياهو ترامب مستنكرًا بنود التحقق من الأسلحة النووية، قائلًا، (دونالد، كيف ستتحقق من ذلك؟)، لكن ترامب أكد لمستشاريه أن الاتفاق سيكون مُحكمًا، مشيرًا إلى أن لنتنياهو أهدافًا مختلفة تفرضها طبيعة القرب الجغرافي لإسرائيل من إيران.. وأوضح مسئول بارز في الإدارة الأميركية، أن ترامب سئم من مكالمات نتنياهو المتكررة لأنها باتت متشابهة، حيث يتصل لتبرير عمل عسكري إضافي مستعرضًا قدرات استخباراته، ومحددًا الأهداف المراد تفجيرها، بينما يكتفي ترامب بالاستماع.
وبينما شدد ترامب على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز، حثه نتنياهو على إلحاق المزيد من الضرر بالإيرانيين.. وتسببت هذه الطبيعة المتقلبة في خلافات داخلية، إذ يتعمد نتنياهو ضرب الأهداف أولًا ثم طلب الموافقة اللاحقة.. وصرح ترامب، بأن للعلاقة حدودًا واضحة، وأن نتنياهو بات يطلب الإذن، قائلًا، (إنه يسمينا الكبار، وهو الصغير).. وكشف مسئولون، أن ترامب بات يسأل مستشاريه عقب كل مكالمة مع نتنياهو، عما إذا كانت معلومات الأخير دقيقة، وهو سلوك لم يعهده في السابق.
تُفسر الأوساط السياسية في تل أبيب تصريحات ترامب الحادة وهجماته الشخصية، بأنها إشارة مقصودة لضغوط أمريكية مكثفة تُمارس في الخفاء، لإجبار إسرائيل على إبداء مرونة في الساحة الشمالية لحماية الاتفاق مع طهران.. وتشمل المطالب الأمريكية انسحابًا إسرائيليًا من النقاط الخمس في جنوب لبنان ومن جبل الشيخ السوري، وخفض النشاط العسكري.. وحذر مسئولون إسرائيليون، من أن الخلافات قد تنتقل قريبًا من مرحلة المحادثات الصعبة إلى خطوات عملية تشمل تأخير شحنات الأسلحة، وفرض قيود أمنية، أو اتخاذ إجراءات شبيهة بحظر توريد السلاح إذا استمرت إسرائيل في عنادها.. وفي هذا السياق، علق ناثان ساكس، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، أن (بيبي يخشى بشدة أن ينقلب عليه ترامب، لكنه يرى فيه رجلًا يمكن إقناعه بأي شيء، بما في ذلك مهاجمة إيران).
وتزايدت شكوك مسئولي البيت الأبيض حول دوافع نتنياهو، وتساءل بعضهم، عما إذا كان يعتمد إطالة أمد الحرب لتعزيز موقفه السياسي الشخصي، خصوصًا وأنه يواجه انتخابات صعبة في الخريف القادم، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى فشله في تأمين أغلبية حاكمة بها.. وكان ترامب قد دعمه سابقًا ودعا للعفو عنه في محاكمات الفساد المستمرة لتعزيز حملته، وصرح الرئيس الأمريكي لشبكة CBC News، (أتساءل عما إذا كان بيبي يريد الاستمرار)، ما دفع نتنياهو لإعلان تمسكه بالترشح.. في المقابل، انقلب مسئولون إسرائيليون على بعض مستشاري ترامب، لاتهامهم بتزويده بتقارير سلبية ومغلوطة عن إسرائيل.. بينما صرح مسئول في البيت الأبيض، بأن ترامب يتمتع بشراكة ممتازة مع إسرائيل ونتنياهو، لكن، (لا توجد دولة أو زعيم يمكنه الضغط على الرئيس ترامب للقيام بأي شيء).
لقد شهد عام 2025 تنسيقًا عسكريًا واسعًا بين واشنطن وتل أبيب، حيث جلس جنرالات إسرائيليون في غرف العمليات الأمريكية، ووُضعت عشرات طائرات التزود بالوقود الأمريكية في المطارات الإسرائيلية، لتدريب الطيارين الإسرائيليين على التزود بالوقود جوًا.. ورغم إبداء ترامب استعدادًا لشن حملة جوية مكثفة لإجبار النظام الإيراني على تفكيك برنامجه النووي، إلا أنه رفض بشكل قاطع خطة نتنياهو التفصيلية لغزو كردي بري لإسقاط النظام، مُبديًا تشككه في دقة المزاعم الإسرائيلية مع تطور المعارك.. وخلال الزيارات واللقاءات السبعة التي جمعت الرجلين، سعى الفريق المحيط بنتنياهو لإبراز متانة العلاقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الاستعانة بشركة تأثير يديرها براد بارسكيل، مدير حملة ترامب السابق، ونشر صور ومقاطع معدلة بالذكاء الاصطناعي تجمع الزعيمين حصرًا.. وأهدى نتنياهو لترامب في البيت الأبيض، جهاز نداء ذهبي اللون مثبت على قاعدة خشبية، كنسخة محاكية للأجهزة المستخدمة لتفجير عناصر حزب الله، وهو ما أثار إعجاب ترامب ومنحه احترامًا جديدًا للقدرات الإسرائيلية، حسبما قال السيناتور ليندسي جراهام.
شجع نتنياهو ترامب بانتظام على ضرب البنية التحتية للطاقة الإيرانية وقصف جزيرة خرج النفطية، وشارك واشنطن قوائم أهداف ومعلومات استخباراتية خلال عملية (هاري بوتر)، وهو ما عارضه مستشارو ترامب، لاعتباره خرقًا للقانون الدولي الإنساني بناءً على طريقة التنفيذ.. ورغم محاولات ترامب اللاحقة لتخفيف حدة الخلاف، ووصفه لنتنياهو بأنه رجل طيب ينفعل قليلًا، وأن تباين الرؤى بشأن لبنان يعد خلافًا صغيرًا، إلا أن التوقيع الفعلي على مذكرة التفاهم الدبلوماسية مع طهران ـ والتي عارضتها تل أبيب علنًا ـ أكد تفضيل ترامب النهائي للمسار السياسي المُحكم بدلًا من القوة العسكرية المطلقة.
*
لا تعود حالة الهلع الإسرائيلي من الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني. إلى تفاصيل الاتفاق وحده، كما يقول الكاتب نظيم نصَّار.. سببه الحقيقي هو ما يكشفه هذا الاتفاق.. فمنذ سنوات، حاول نتنياهو وحكومات إسرائيل المتعاقبة أن تبيع واشنطن الوهم القديم نفسه: اتركوا لنا أيدينا حرّة، وارفعوا القيود، ونحن نُنهي إيران.. تكرّرت اللغة ذاتها بثقة تتخطى الغرور.. ادّعت إسرائيل أنها تفهم الشرق الأوسط أكثر من ترامب، وأكثر من المؤسسات الأمريكية، وأكثر من أوروبا، وأكثر من كل من حذّر بأن إيران ليست غزة، وليست لبنان، وليست سوريا، وليست العراق.. ثم جاءت الحقيقة.. لم تنتهِ الحرب ولم تنزل إيران على ركبتيها.. انتهت الحرب وأمريكا تبحث عن مخرج يساعدها على حفظ ماء الوجه، بينما يُقدّم ترامب، بعنجهيته المعهودة، هذا المخرج على أنه انتصار.. أما إسرائيل، فاكتشفت أن الرئيس الأمريكي ترك (الحليف الاستراتيجي الوحيد) في الشرق الأوسط وحده، يتخبّط في حسابات اليوم التالي، رافضًا، أو بالأحرى مُجبَرًا، ألا يحرق الاقتصاد العالمي من أجل إرضاء الهوس الاستراتيجي لنتنياهو.. ولهذا، فإن ردّ الفعل الإسرائيلي مهم.
الهلع غالبًا أكثر مصداقية من الدعاية.. عندما تكون الدولة منتصرة فعلًا، لن تضطر إلى الصراخ بأن الاتفاق كارثة.. لن تضطر إلى تفسير لماذا (خانها) الحليف.. ولن تضطر، بالتأكيد، إلى التحذير من أن الدبلوماسية أنقذت العدو.. القلق الإسرائيلي يقول لنا، إن شيئًا أعمق قد حدث: الحرب فشلت في إنتاج النتيجة السياسية التي وعدت بها إسرائيل مواطنيها، ودفعت الولايات المتحدة إلى حرج عسكري واقتصادي، الذي لطالما تاقت إليه الصين وروسيا.. مشروع نتنياهو لم يكن يهدف فقط إلى إضعاف إيران.. كان يصبو إلى جرّ أمريكا إلى مواجهة أوسع لا تستطيع إسرائيل تحمّلها وحدها.. أرادت إسرائيل أن تحوّل خوفها إلى سياسة أمريكية، وتصعيدها إلى ضرورة غربية، وطموحها الإقليمي إلى حالة طوارئ أمنية عالمية.. لكن ترامب، مهما قيل عن عدم إدراكه للمخاطر الاستراتيجية المدمّرة، يبقى واعيًا بأن للدولة العميقة حساباتها، وأن الكُلفة تُقرأ بلغة جلية، حتّى حين يتظاهر نتنياهو بأنه لا يفهمها.
أسعار النفط، مضيق هرمز، الأسواق، الانتخابات، الإرهاق العسكري، وتعب الرأي العام، ليست مفاهيم لاهوتية.. إنها حدود سياسية، وقد تكون كارثية لمن يتجاهلها.. وإيران فهمت تلك الحدود.. هنا تصبح المقارنة مع (صلح الحديبية) في عهد الرسول الكريم ﷺ، مثيرة للاهتمام، لا كشعار ديني بسيط، بل كاستعارة سياسية.. صلح الحديبية لم يُحتفى به من الجميع لحظة توقيعه.. لكثيرين، بدا تراجعًا، تنازلًا، وربما إهانة للمسلمين، إذ قضى الاتفاق بأن يعود المسلمون، القادمون من المدينة المنورة لأداء العمرة، دون دخول مكة في ذلك العام، على أن يعودوا في العام التالي لأداء العمرة.. كما تضمّن الاتفاق هدنة لعشر سنوات بين المسلمين وقريش، وفتح الباب لتحالف القبائل مع الطرف الذي تختاره.. لكن ما بدا في لحظته تنازلًا، تحوّل تاريخيًا إلى هدنة استراتيجية غيّرت ميزان القوى.. فعبقرية الحديبية لم تكن في الانتصار الفوري، بل في إجبار الخصم على الاعتراف بواقع سياسي حاول طويلًا إنكاره.
الاستشهاد بصلح الحديبية هنا، ليس من باب التشابه، لا سمح الله، بل من باب تقريب الفهم.. وهذا هو معنى الاتفاق الأمريكي ـ الإيراني.. لم تكن إيران بحاجة إلى أن تعرض دباباتها في تل أبيب كي تثبت بقاءها الاستراتيجي.. كانت بحاجة إلى أن تجبر أمريكا على التفاوض بعد حرب كان الهدف منها عزلها، إنهاكها، وربما كسرها.. كانت بحاجة إلى أن تُثبت أن مضيق هرمز ليس خطًا زخرفيًا على خريطة طبعت في مطبعة غربية.. وكانت بحاجة إلى أن تُبيّن أن التفوق العسكري لا يصنع بالضرورة نصرًا سياسيًا.. ولهذا، يُباع الاتفاق بلغة مختلفة عند كل طرف.. ترامب يسمّيه نصرًا، لأنه تجنّب حريقًا إقليميًا طويلًا وفشلًا عسكريًا مدوّيًا.. إيران تقدّمه دليلًا على أن الضغط لم يكسرها.. أما المجموعة الحاكمة المتشددة في إسرائيل فتراه كارثة، خصوصًا أنه يتوّج فشلًا صارخًا لسياسة نتنياهو، وينهي مشروع أربعة عقود ورثه عن أبيه، ولطالما حلم أن يُتوّج به ملكًا على (بني إسرائيل الجدد).. أما الوسط الصهيوني، أو ما يسمّونه (التيار الليبرالي)، المتأرجح بين بغض الفلسطينيين وانكارهم من جهة، والخوف من صعود الفاشية الصهيونية التي باتت تهدده هو نفسه من جهة أخرى، فقد يرى في الاتفاق إنذارًا قاسيًا: أمريكا قد تظل داعمة عسكريًا، لكنها لن تتبنّى دائمًا هذه السياسة استراتيجيًا.. وهذا بحد ذاته نذير شؤم.
هذا التناقض ليس خللًا في الاتفاق؛ إنه جوهر الاتفاق نفسه.. ومن هنا، قد يكون نتنياهو وترامب قدّما لإيران أعظم هدية ممكنة.. ليس لأنهما قوّيا إيران أخلاقيًا، وليس لأن إيران بلا أزمات داخلية، بل لأنهما منحوها فرصة أن تظهر كدولة صمدت أمام العاصفة، وامتصّت الضغط، ونجت من الآلة الإسرائيلية ـ الأمريكية التي لم يجد صخبها الشرق أوسطي صدى، إلا لدى بعض الطبقات العربية.. ثم عادت إلى طاولة التفاوض من دون أن تتخلى عن روايتها الأساسية.. الخطأ الإسرائيلي كان في الاعتقاد أن التدمير هو الانتصار.. وهذا غير صحيح.. يمكنك أن تقصف، وتغتال، وتُخرّب، وتُهدّد، ثم تخسر النهاية السياسية.. يمكنك أن تسيطر على السماء، ثم تعجز عن السيطرة على النتائج.. يمكنك أن تُرعب المنطقة، ثم تكتشف أن للخوف حدودًا.. لذلك، ليس الاتفاق مجرد وقف إطلاق نار أو ورقة دبلوماسية.. إنه مرآة!، ينظر ترامب إليها فيرى صفقة، وإلى حدّ ما، إنقاذًا لهيبة أمريكا، التي أدرك في اللحظة الأخيرة أنه يُسرّع نحو نفوقها.. إيران تنظر إليها فترى صمودًا وبداية صعود استراتيجي نحو دفة القيادة الإقليمية، وتعميق التحالف مع الصين وروسيا.. أما إسرائيل، فتنظر إليها فترى كابوسًا: احتمال أن تكون إيران، بعد كل الضجيج، وكل الضغط، وكل الدم، لم تُهزم، بل أُعيد تقديمها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
*
كانت الحسابات الإسرائيلية ـ الأمريكية بعد حرب إيران جميلة في بساطتها؛ وهذا عادةً أول مؤشر على أن الكارثة جرى تغليفها باحتراف.. اضرب إيران، أرعب حلفاءها، أدّب الخليج، أبهر الصين، اعزل روسيا، وأعد نتنياهو إلى المسرح بوصفه مهندس الشرق الأوسط الجديد العظيم.. خطة أنيقة جدًا، بشرط واحد فقط: أن يوافق العالم على هذا التصرف، لكنه لم يفعل.. كانت من المفترض أن تنتزع زيارة ترامب إلى الصين شيئًا مهمًا في الملف الإيراني، كما يرى الكاتب نظيم نصَّار.. بدلًا من ذلك، قدّمت بكين طقوسها المعتادة: مصافحات، كاميرات، ابتسامات دبلوماسية، وفنًا صينيًا عريقًا في قول القليل جدًا مع تغيير لا شيء تقريبًا.. الصين لم تتصرف كمدير مساعد للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.. استمعت، أومأت، ثم واصلت كونها الصين: استراتيجية، صبورة، ومصابة بحساسية مزمنة من التجنيد.. ثم جاء الاستقبال الأكثر دفئًا للروس.. وفجأة، بدت موسكو (المعزولة) أقل عزلة بكثير مما وعدتنا به الكتابات.. دخل بوتين إلى بكين، لا كيتيم دبلوماسي، بل كشريك في حوار عالمي أوسع.. لم تكن الرسالة بحاجة إلى صراخ؛ فالقوى الجادة نادرًا ما تحتاج إلى الصراخ.
كانت الرسالة في المشهد نفسه: تستطيع أمريكا أن تزور الصين، أما روسيا فتبدو كأنها تنتمي إلى ذات المكان.. وبالنسبة إلى نتنياهو، كانت هذه أول تصدعات الصخرة التي يعتليها.. فقد بيعت حرب إيران بوصفها لحظة تحويلية: ضربة تُضعف إيران، وتُرعب حزب الله، وتطمئن الخليج، وتثبت أن القوة الإسرائيلية ما زالت قادرة على إعادة كتابة المنطقة.. لكن النص واجه مشكلة صغيرة: الممثلون رفضوا قراءة أدوارهم من البداية.. ثم ظهر الكارت الذي ربما لم تكن إيران نفسها تعرف وزنه الكامل، قبل أن يرفعه نتنياهو عاليًا أمام العالم.. لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري في نشرات الأخبار، بل ظهر كزرّ الطوارئ للاقتصاد العالمي.. فجأة، اكتشفت واشنطن أن إغلاق هذا المضيق، أو حتى التلويح الجدي بإغلاقه، لا يعني (مشكلة إيرانية) ولا (قلقًا إسرائيليًا) فقط؛ بل يعني أزمة طاقة عالمية: نفط، غاز، شحن، تضخم، أسواق، انتخابات، وكل الجهاز العصبي للاقتصاد الدولي يبدأ بالارتجاف.
هنا تصبح السخرية أكثر فخامة.. الولايات المتحدة، التي كثيرًا ما تعاملت مع الأمم المتحدة كقطعة ديكور عندما لا تناسبها، وجدت نفسها فجأة تبحث عن شرعية دولية.. وعندما لم تعد الأمم المتحدة كافية، اتجهت إلى الصين؛ الخصم الذي تريد احتواءه، فإذا بها تحتاجه كـ (بالغ عاقل) في غرفة مليئة بالجنرالات والمغامرين.. يا لها من عبقرية استراتيجية: يذهب نتنياهو إلى الحرب لإضعاف إيران، فيقدم لها على طبق من فضة أقوى ورقة تفاوضية تمتلكها أمام العالم.. ثم دخل حزب الله إلى المشهد بسلاح، لا بد أنه جارح جدًا للغرور العسكري: طائرات مسيّرة رخيصة، موجّهة بتقنية الألياف الضوئية، يصعب التشويش عليها، يصعب اعتراضها، ومصممة تمامًا لإحراج الأنظمة الباهظة الثمن.. لقد قضت إسرائيل عقودًا وهي تعرض نفسها كمختبر للعبقرية العسكرية: سايبر، مراقبة، ذكاء اصطناعي، قبة حديدية، شعاع ليزري، حرب دقيقة، ومتحف كامل من التفوق التكنولوجي.. ثم يأتي حزب الله بطائرات يقودها خيط رفيع، ويحوّل ساحة المعركة إلى محاضرة ساخرة في الهندسة.
هذا ليس مجرد إزعاج تكتيكي.. قد يكون أحد الانتصارات الإيرانية الهادئة.. يبدو أن الأمريكيين والإسرائيليين تخيلوا إيران كلوحة مفاتيح مركزية: اقصف ما يكفي من البنية التحتية، فتنطفئ الأضواء في كل المنطقة.. لكن نفوذ إيران ليس لوحة مفاتيح.. إنه دائرة موزعة.. تقطع سلكًا، فيظهر تيار آخر في لبنان، أو اليمن، أو العراق، أو سوريا، أو البحر الأحمر.. ذهبت واشنطن إلى الحرب ضد خريطة.. أما إيران وحلفاؤها فكانوا يعملون كشبكة.. فما الذي هُزم تحديدًا؟.. مستودع صواريخ؟.. منصة إطلاق؟.. منشأة عسكرية؟، ربما.. لكن ليس الفكرة.. ليس المنهج.. وليس المنطق التكيّفي للحرب غير المتكافئة.. على العكس، يوحي ما بعد الحرب بأن شبكة إيران استوعبت الدرس بسرعة: عندما تُقصف الأنظمة الكبيرة، تصبح الأنظمة الصغيرة أذكى.. وعندما تهيمن الحرب الإلكترونية، تعود القيادة الفيزيائية عبر كابل ألياف ضوئية أنحف من الغرور الذي يهزمه.
ثم أضاف الإحراج الخليجي طبقة أخرى إلى الفشل.. فمحاولة نتنياهو، المعلنة أو المسرّبة، إظهار أو تضخيم العلاقة الخفية بين إسرائيل وبعض العواصم الخليجية لم تقوّ اتفاقات أبراهام؛ بل أحرجت الدول نفسها التي تريدها إسرائيل شركاء صامتين.. حكام الخليج يفهمون الجغرافيا أكثر مما يفهم نتنياهو المسرح.. يعرفون أن أمريكا تستطيع أن تطير عائدة إلى بيتها، وأن إسرائيل تستطيع أن تختبئ خلف دفاعاتها الجوية، لكن الخليج سيبقى يعيش بجوار إيران.. نتنياهو أراد تصفيقًا.. الخليج أراد قابلية للإنكار.. فقدم لهم عدوى علاقات عامة.. ثم جاء بن جفير ليكمل اللوحة.. تعامله مع ناشطي أسطول غزة لم يخلق مشكلة صورة فقط؛ بل كشف الصورة التي كانت تحت الصورة.. تطلب إسرائيل من العالم أن يراها ديمقراطية متطورة تحت التهديد.. أما بن جفير، فيظهر كأنه رجل أرسلته الذاكرة التاريخية لتخريب الكتيّب الدعائي لإسرائيل.. حوّل حادثة الأسطول القوة الإسرائيلية إلى مسرح للإذلال، ومشكلة المسرح أن الناس يشاهدون.. هذه هي الآن الصورة الإسرائيلية المُركبة أمام العالم: نتنياهو يُحرج الخليج؛ بن غفير يُحرج إسرائيل؛ حزب الله يُحرج التكنولوجيا الإسرائيلية؛ الصين ترفض لعبة ترامب؛ روسيا تدخل بكين كضيف يملك دعوة دائمة؛ وإيران، التي قيل إنها أُضعفت إلى حد الانهيار، تكتشف أن مضيقًا بحريًا واحدًا، قد يساوي في السياسة أكثر من ألف خطاب عن التفوق العسكري.
السؤال الأعمق لم يعد: هل تستطيع إسرائيل تدمير أهداف؟.. بالطبع تستطيع.. السؤال هو: هل ما زال التدمير ينتج استراتيجية؟.. وهنا تصبح الإجابة مُحرجة أكثر فأكثر.. لقد ربحت إسرائيل وأمريكا الانفجار، لكنهما خسرتا المعادلة.. ظنتا أن القوة النارية هي هندسة سياسية، وأن صمت الخليج موافقة، وأن مجاملة الصين امتثال، وأن إلحاق الضرر بإيران يعني هزيمتها، وأن قلق نتنياهو يمكن أن يتحول إلى استراتيجية إقليمية.. لذلك يكشف ما بعد حرب إيران عن كوميديا إمبراطورية مذهلة: دخل أكثر اللاعبين تسليحًا إلى المسرح مقتنعين بأنهم يُخرجون التاريخ، ليكتشفوا أن التاريخ لم يقرأ نصهم أصلًا.. كان يُعاد كتابته في مكان آخر: في بكين، وفي قصور الخليج، وفي مضيق هرمز، وفي سماء جنوب لبنان، وعبر كابل ألياف ضوئية رفيع يقود طائرة رخيصة، نحو الوهم الباهظ للمناعة المطلقة.
*
■■ وبعد..
وكما يقولون، فإن البدايات الخاطئة، تقود حتمًا إلى نهايات فادحة.. لذلك، وفي خطوة نادرة واستثنائية، وللمرة الثانية، يحتشد مجلس تحرير صحيفة (نيويورك تايمز) بأكمله، لكتابة مقال يُعد الأخطر منذ بدء الأزمة في إيران، ليفكك بالدليل القاطع كيف دمرت إدارة ترامب هيبة ومكانة الولايات المتحدة عالميًا، عبر أربع خطايا استراتيجية وعسكرية، ارتكبتها في حربها المتهورة ضد إيران.. الخطيئة الأولى والأكثر إيلامًا، تمثلت في تحويل مضيق هرمز من شريان حياة للاقتصاد العالمي إلى سلاح دمار شامل بيد طهران.. اندفع ترامب للحرب معتمدًا على وهم زرعه نتنياهو، بأن الشعب الإيراني سيثور، متجاهلًا تقارير المخابرات المركزية التي حذرت من العكس.. النتيجة الكارثية كانت، أن إيران أغلقت المضيق (الذي يمر منه 20% من نفط العالم)، بتكلفة شبه معدومة تعتمد على التهديد بمسيرات رخيصة، بينما تحتاج واشنطن لفتحه إلى عملية عسكرية هائلة وغزو بري لا تملك القدرة عليه ولا الحلفاء لدعمه.. هذا العمى الاستراتيجي جعل العالم رهينة للقيود والرسوم الإيرانية.
الانتكاسة الثانية، تجلت في تعرية (الهشاشة العسكرية) الأمريكية.. واشنطن استنزفت أكثر من ربع مخزونها الاستراتيجي من صواريخ (توماهوك) وبطاريات (باتريوت) باهظة الثمن في أسابيع معدودة، لدرجة أجبرت البنتاجون على سحب أنظمة دفاعية حساسة من كوريا الجنوبية.. والمفارقة المبكية أن الترسانة المليارية الأمريكية، استُنزفت لإسقاط مسيرات إيرانية لا تكلف سوى بضع دولارات!.. لقد شاهد العالم كيف استطاعت دولة ميزانيتها العسكرية ضئيلة أن تستنزف القوة الأعظم، وتتفوق عليها في حرب البقاء والصمود.
الضربة الثالثة كانت انهيار التحالفات التاريخية وتخلي العالم عن واشنطن.. عندما دعا ترامب حلفاءه في الغرب وآسيا للمشاركة في فتح مضيق هرمز، قوبل بصفعة التجاهل من اليابان، وكوريا الجنوبية، وكندا، وأوروبا الغربية، الذين باتوا يعتبرون أمريكا شريكًا متهورًا ولا يُعتمد عليه.. أما في الشرق الأوسط، فقد تُركت دول الخليج تشعر بالخيانة المريرة والخسائر الاقتصادية الطاحنة، بعدما أوقف ترامب إطلاق النار فجأة، تاركًا إياها في مواجهة العاصفة، لتتشكك هذه العواصم، لأول مرة، في مدى فهم البيت الأبيض لمصالحها الحيوية.
أما المسمار الأخير في نعش القيادة الأمريكية، فكان (الانهيار الأخلاقي).. أمريكا التي طالما صدرت للعالم صورة المُدافع عن القيم والديمقراطية والكرامة الإنسانية، ظهرت بوجه مشوه وبشع.. الصحيفة انتقدت بشدة التهديدات البغيضة لترامب بـ (محو الحضارة الإيرانية)، وتصريحات وزير دفاعه بيت هيجسيث المتعطشة للدماء، والتي توعدت بـ (عدم إبقاء أي أسرى ولا رحمة)، واصفة هذا النهج الوحشي بأنه يرتقي لجرائم حرب صريحة، تنسف كل مبررات واشنطن الأخلاقية لقيادة عالم حر ومنفتح!.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين


















0 تعليق