.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
فإنه على الرغم من كتاباتنا المتعددة عن الهجرة المباركة، إلا أن القلب معلق على الدوام بهذه الرحلة الإيمانية المباركة التي هي بمثابة نقلة من دار الشرك إلى ديار الإيمان.
نقلة قيمية، أخلاقية، حضارية.
أسست دين جديد يخرج الإنسان من عبادة الحجر والشجر والبشر، إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى وطرح ما دونه أرضا والاتجاه بالكلية إلى توحيده جل وعلا.
اشتد إيذاء هؤلاء المآرقة الكفرة الفجرة لصحابة رسول الله صلى الله عليه، أولئك المستضعفين فى الأرض الذين لا حيلة لهم ولا حول لهم ولا قوة إلا أن ن زادهم التقوى وقوتهم استمدوها من الإيمان بالله العلي العظيم.
فأذن الله تعالى لنبيه بالهجرة إلى يثرب، طيبة، المدينة المنورة التي ازدادت نورا بمقدمه صلى الله عليه وسلم.
لكن هل رسولنا الكريم يتخذ قرار الهجرة منفردا، لا ورب محمد، لكنه أعمل مبدأ الشورى، (وشاورهم فى الأمر)، وهذا أول درس لابد أن نستفيده من الهجرة، فإذا كنا مقدمين على أمر ما فضرورة ملحة مشاورة أهل الرأي والحل والعقد، وهذا توجيه نبوى لنا، عدم الانفراد بالرأي، فالانفراد بالرأي قد يورد القوم موارد التهلكة.
فذهب سرا رسولنا إلى أبي بكر، المستشار صاحب الرأي السديد الرشيد ليعرض عليه الأمر، فتهلل وجه الصديق قائلا قولته الشهيرة الصحبة الصحبة يا رسول الله، فتهلل وجه النبي قائلا الصحبة يا صاحبي.
وخرج الصاحبان ومعهما دليلهما، وقلبيهما معلقان بأم القرى مكة المكرمة، وأغرورقت عيناهما بالدموع، وقال نبينا الكريم ورب محمد إنك أحب بقاع الدنيا إلى قلبي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت.
وهذا درس آخر علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم، فى المواطنة وحب الوطن، فهو لم يحدثنا عن قومية ولا شعوبية ولا طبقية ولا طائفية، وإنما حدثنا عن حب الوطن الذي هو من الإيمان.
وهذه رسالة مهمة إلى من يعيشون في أوطانهم يأكلون ويتمتعون ويأخذون حقوقهم غير منقوصة، ومجرد أن يحدث أي شئ يلملموا أغراضهم ويهربوا أموالهم ويفروا هاربين، فحب الأوطان ليست شعارات أو هتافات، أو أقوال ترددها أصوات حنجورية وإنما أفعال تطبق على أرض الواقع.
وينطلق الركب المبارك، الصاحبان والدليل، وها هو الصديق الصدوق الناصح الأمين الذي لا يخاف على نفسه وإنما يخاف على صاحبه، يمارس خطة حربية تدرس فى الكليات العسكرية، الخداع الاستراتيجي، فتارة يسير من على ميمنة الرسول، وتارة أخرى من على ميسرته وتارة من أمامه، وتارة رابعة من خلفه، ليس هذا وحسب، بل ويطلب من الدليل أن يغير مسالكهم ويقوم بمحو آثارهم جميعا.
فيتبسم المعصوم قائلا ما الذي يحملك على فعل ذلك يا أبا بكر، فيرد قائلا بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والذي نفسي بيده لا الموت أخشى وإنما خشية عليك أن يصيبك أذى، فإذا أصابني أذى فما أنا إلا فرد لا يهم، أما إذا أصابك أذى فستصاب الدعوة في مقتل وسينتهي هذا الأمر.
وهذا مضرب الأمثال فى الإيثار دونما الأثرة، آثر الصديق مصلحة الأمة ممثلة في خوفه على الدعوة على مصلحته الشخصية، فما أحوجنا إلى إعلاء هذه القيمة الأخلاقية، طرح الأنانية جانبا وتغليب مصلحة الوطن.
طرح المنفعة والمصلحة وترك كلمة نفسي نفسي وتغليب مصلحة الوطن.
ويحل الليل البهيم وتغم الرؤيا، فلا يستطيع الركب المبارك إكمال المسير بعدما انهكهم الإرهاق الشديد والتعب فما هؤلاء إلا بشر فيجدوا غارا فيدخلوا فيه ليستريحوا قليلا وليقضوا ليلتهم، ويقول الصاحب والصديق بتفقد الغار جانبا جانبا ويسد ثغراته خشية الثعابين والعقارب، وتظل فتحة موجودة لا يجد ما يسدها به، فيسدها بقدمه، أي حب هذا، وأي صداقة هذه، يلدغه الثعبان في قدمه ولا يريد أن يقلق نوم رسولنا الكريم الذي كان ينام على قدمه، فيستيقظ الرسول من دموع الصديق التي سقطت على خده الشريف فيسمح بيده الشريفة على قدم الصديق فتبرأ بإذن الله.
ثم يصل كفار قريش إلى الغار ويرى الصديق أقدامهم ويسمع صليل سيوفهم، فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه فسيرانا، فيرد الواثق بالله ردا قاطعا ضاربا أروع الأمثلة فى التوكل على الله تعالى، وهذا درس فى التوكل على الله، فالرحلة المباركة أخذت بالأسباب، راحلة ودليل وصاحب وزاد وزواد وتأمين للطريق، ثم توكلوا على رب الأسباب، فإذا انقطعت الأسباب وتعطلت بعد أن نسعى إليها، فضرورة أن يتدخل رب الأسباب، رب الأرض والسماء.
فيرد النبي قائلا، يا أبا بكر ما ظنك بإثنين الله ثالثهما.( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معه)، النتيجة التي فارقت العقول (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هى العليا والله عزيز حكيم)، وانصرف الكفار عنهم وعن الغار، وخرجا ليواصلا الرحلة المباركة إلى أن وصلا المدينة المنورة واستقبل الصحب الكريم بالترحاب والاحتفال وراح حبيبنا يؤسس لدولة المدينة، فبدأ التأسيس بمعقل الدعوة المباركة مسجد رسول الله، ثم قام رسولنا الكريم بالاخاء بين المهاجرين والأنصار.
وهذا درس مهم فى الإخاء بين شركاء الوطن، فلا دعوة للدين بالإكراه، الجميع يعبد الله كيفما يشاء، لكن بعد أن يعرض عليه الإسلام فإن قبله فهو خير له وإن لم يقبله فله حق الإخوة فى الإنسانية وله حق المواطنة فالجميع متساوون فى المواطنة، والجميع عليهم واجبات لابد أن يؤدونها إلى أوطانهم، ولهم حقوق يأخذونها غير منقوصة.
نعم كل عام نكتب عن الهجرة المباركة ولن نقول هي ذكرى، لأن الذكرى قد يأتي عليها زمن وتندثر ويمحى رسمها، لكن هجرة النبي نحيا بها ومعها ولها كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة.
ونستمد منها مقومات وجودنا وحبنا لأوطاننا.
وأختتم مقالتي بجزء من حديث النبي صلى الله عليه وسلم (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله).
أستاذ الفلسفة الإسلامية ورئيس قسم الفلسفة السابق بآداب العاصمة.











0 تعليق