.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في السياسة لا توجد مصادفات بريئة، ولا تأتي الرسائل الكبرى في مظاريف مغلقة، أحيانا تكفي دقائق قليلة على شاشة هاتف، أو مقطع فيديو يبث من إسطنبول، حتى تتكشف خيوط مشهد كامل ظل مختبئا خلف العناوين الكبيرة والشعارات البراقة، هذا بالضبط ما حدث في أزمة تكريم صلاح عبد المقصود وزير الإعلام الإخواني الأسبق خلال احتفالية يوم الصحفي أمس الأول الثلاثاء في مقر نقابة الصحفيين.
فبينما كان خالد البلشي ومجلسه يحاولان احتواء موجة الغضب التي اجتاحت قطاعات واسعة من الجمعية العمومية بسبب إدراج اسم وزير الإعلام الأسبق في عهد محمد مرسي ضمن قائمة المكرمين، في بيان رسمي صادر عن مجلس البلشي باعتبار عبد المقصود كان عضوا في مجلس 1995 الذي ناهض قانون اغتيال الصحافة رقم 93 لسنة 1995، خرج عصام تليمة من إسطنبول ليقدم ما بدا للكثيرين شهادة دعم سياسية صريحة لموقف البلشي، وليفتح بابا جديدا من الأسئلة التي لم تجد إجابة حتى الآن.
لم يكن توقيت ظهور تليمة لم يكن عاديا، فبعد يومين فقط تحل الذكرى الرابعة عشرة لما عرف سياسيا بـ«وعد فيرمونت»، نسبة إلى الفندق الذي شهد الاتفاق الذي جمع في يونيو عام 2012 أطرافا سياسية متناقضة تحت راية واحدة لدعم محمد مرسي في مواجهة أحمد شفيق، كان تحالفا استثنائيا بين قوى رفعت يوما شعارات الدولة المدنية وفي القلب منها تيارات وأحزاب يسارية وقوى أخرى كانت تسعى إلى السيطرة على مفاصل الدولة باسم الدين.
وبعد أيام قليلة أيضا، ستحل الذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، التي خرج فيها ملايين المصريين لإنهاء حكم جماعة الإخوان الإرهابية بعد عام واحد من وصولها إلى السلطة.
وبين الذكرى الرابعة عشرة لـ«وعد فيرمونت» المشؤوم، والذكرى الثالثة عشرة لثورة 30 يونيو، اختار عصام تليمة أن يخرج من إسطنبول ليمنح خالد البلشي دعما سياسيا صريحا في أزمة تكريم صلاح عبد المقصود، فلم يعد المشهد منذ تلك اللحظة مجرد خلاف نقابي حول اسم أُدرج في قائمة تكريم، ولم تعد الأزمة تدور حول إجراءات بروتوكولية داخل احتفالية مهنية، فقد أضاف ظهور أحد أبرز الوجوه المحسوبة على جماعة الإخوان في الخارج بعدا سياسيا جديدا للأزمة، وحولها من نقاش نقابي إلى مشهد يستدعي ذاكرة مرحلة كاملة لا تزال آثارها السلبية حاضرة في الوعي العام.
فصلاح عبد المقصود بالنسبة لقطاع واسع من الصحفيين ليس مجرد عضو سابق بمجلس نقابة الصحفيين عام 1995، وإنما أحد أبرز وجوه السلطة الإخوانية خلال العام الذي حكمت فيه الجماعة البلاد، وهو اسم ارتبط سياسيا وإعلاميا بمرحلة كانت من أكثر المراحل إثارة للانقسام والصدام في تاريخ مصر الحديث، لذلك لم يكن مستغربا أن يثير إدراج اسمه ضمن قائمة المكرمين موجة واسعة من الاعتراضات داخل الجمعية العمومية، كما لم يكن غريبا أن ينظر كثيرون إلى دفاع تليمة عنه باعتباره دفاعا عن رمزية سياسية تتجاوز شخص الوزير الأسبق نفسه.
وجاءت شهادة الدعم القادمة من إسطنبول لتمنح خصوم البلشي مادة جديدة للهجوم، بعدما بدت وكأنها تكشف حجم الارتياح الذي أثاره موقف النقيب داخل دوائر لا تخفي انتماءها أو تعاطفها مع جماعة الإخوان، لتتحول أزمة التكريم من خلاف محدود داخل النقابة إلى واقعة سياسية بامتياز، أعادت إلى السطح أسماء وتحالفات وصراعات اعتقد كثيرون أنها أصبحت جزءا من الماضي، فإذا بها تعود مجددا إلى قلب المشهد.
ولم يكن دعم عصام تليمة لموقف خالد البلشي مكسبا سياسيا أو نقابيا كما قد ظن تياره، بل تحول إلى عبء جديد أُلقي على أكتاف البلشي في لحظة كانت الأزمة تبحث فيها عن مخرج لا عن وقود إضافي يشعلها، فالمعارك النقابية تحسم داخل أروقة الجمعية العمومية وبين أصحاب الحق في النقاش والاعتراض والتأييد، وليس عبر شهادات تأييد قادمة من إسطنبول على لسان أحد أبرز الوجوه المحسوبة على جماعة الإخوان الإرهابية في الخارج.
قدم تليمة عبر الفيديو شهادة سياسية أكثر منه موقفا داعما للبلشي، فحينما يأتي الدفاع عن قرار التكريم من شخصية ارتبط اسمها لسنوات بخطاب الجماعة ومنصاتها الإعلامية، فإن الرسالة تتجاوز حدود الواقعة نفسها لتلامس دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها، ولذا وجد البلشي نفسه أمام أزمة جديدة تتجاوز أصل الخلاف حول التكريم، وتضيف إلى الجدل النقابي جدلا سياسيا أكثر اتساعا وأشد حساسية.
وتزداد المفارقة دلالة لأن كل ذلك يحدث بينما تقترب مصر من استعادة ذكرى محطتين شكلتا وجه الحياة السياسية خلال العقد الأخير، الأولى هي «وعد فيرمونت» الذي وفر الغطاء السياسي اللازم لوصول جماعة الإخوان الإرهابية إلى السلطة، والثانية هي ثورة 30 يونيو التي أنهت ذلك الحكم بعد عام واحد فقط، وبين هاتين المحطتين عاد اسم صلاح عبد المقصود إلى الواجهة، وعادت معه ظلال مرحلة كاملة ظن كثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي. لكن الوقائع أثبتت أن بعض الملفات لا تموت، وأن بعض الأسماء لا تغادر الذاكرة العامة بسهولة، خاصة عندما ترتبط بمرحلة صنعت انقساما سياسيا ومجتمعيا لا تزال آثاره ممتدة حتى اليوم.
ولذلك لم تعد أزمة تكريم صلاح عبد المقصود مجرد خلاف نقابي حول اسم ورد في قائمة مكرمين، بل تحولت إلى اختبار سياسي ونقابي كشف حجم الانقسام داخل الجماعة الصحفية، وأعاد فتح ملفات قديمة تتعلق بالعلاقة الشائكة بين العمل النقابي والانحيازات السياسية، كما كشفت الأزمة أن بعض القرارات التي تبدو بروتوكولية في ظاهرها قد تحمل من الأعباء السياسية ما يفوق بكثير أي قيمة رمزية أو احتفالية يراد تحقيقها من خلالها.
وفي قلب هذا المشهد وجد خالد البلشي نفسه يواجه تداعيات قرار لم يعد يُقرأ بوصفه تكريما لمجلس نقابي سابق، وإنما باعتباره استدعاء لرموز ووقائع وصراعات وأحداث وجرائم إرهابية لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية المصرية، ولهذا استمرت الأزمة في التمدد، واستمر الجدل في الاتساع، لأن القضية منذ بدايتها لم تكن مجرد أسماء على منصة تكريم، بل كانت صداما بين ذاكرة لم تنس، وواقع يحاول أن يتجاوز ما جرى دون أن ينجح في ذلك.
ولعل أكثر ما أثار الانتباه في مداخلة عصام تليمة أنه لم يأت إلى ساحة الجدل النقابي بصفته مراقبا محايدا أو معلقا عابرا، فالرجل الذي شغل في وقت سابق منصب مدير مكتب يوسف القرضاوي، واعتاد الظهور عبر المنصات الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان مقدما رؤى وفتاوى سياسية ودينية، قرر أن يضع ثقله كاملا في معركة الدفاع عن صلاح عبد المقصود، ودعم قرار اليلشي بتكريمه.
لم ير تليمة في الأزمة سوى مظلومية جديدة تستحق الدفاع عنها كعادة جماعته الإرهابية، ولذلك أعاد إحياء واحدة من أكثر الوقائع التي أثارت جدلا خلال فترة حكم الإخوان، وهي الواقعة المرتبطة بالصحفية ندى، بموقع حقوق دةت كوم، عندما رد صلاح عبد المقصود على سؤالها بشأن حرية الصحافة خلال حفل توزيع جوائز مصطفى وعلي أمين في أبريل 2013 بقوله: «ابقي تعالي وأنا أقولك فين»، يومها تحولت العبارة إلى قضية رأي عام داخل الوسط الصحفي والإعلامي، وواجه الوزير الأسبق موجة واسعة من الاتهامات بالتحرش اللفظي.
لكن تليمة اختار أن يقدم رواية مغايرة، معتبرا أن الواقعة أُسيء فهمها، ومدعيا أن الصحفية لم تنزعج مما حدث وأنها كانت تعلم حسن نية عبد المقصود، غير أن هذه السردية تجاهلت حقيقة أن الواقعة لم تتوقف عند حدود الجدل الإعلامي، وأن الصحفية نفسها أعلنت آنذاك اتخاذ إجراءات قانونية ضد الوزير الأسبق، وهو ما اعتبره كثيرون دليلا على أن المسألة لم تكن مجرد سوء فهم كما حاول تليمة تصويرها.
واللافت أن تليمة، وهو يخوض معركة الدفاع عن عبد المقصود، لم يتوقف أمام الأسباب التي دفعت عددا من الصحفيين إلى الاعتراض على إدراج اسمه ضمن قائمة المكرمين، فلم يتحدث عن الانتقادات التي وجهت إلى مواقف سابقة للوزير الأسبق، ولم يتطرق إلى الجدل الذي صاحب تصريحاته بشأن استشهاد الصحفي الحسيني أبو ضيف، وادعائه كذبا وقوفه في صفوف الإخوان وقت اغتياله في مجزرة الاتحادية في 6 ديسمبر 2012، وهي التصريحات التي أثارت غضبا واسعا داخل قطاعات من الجماعة الصحفية وقتها الذين اتهموا عبد المقصود بمحاولة تبرئة جماعته من قتل أبو ضيف عبر تلك الادعاءات الكاذبة.
كما لم يشر تليمة إلى الأحكام القضائية الصادرة بحق عبد المقصود في قضية سرقة وحرق سيارات ماسبيرو في اعتصام رابعة وصدور حكم مشدد ضده وصل إلى عشر سنوات، وهي وقائع يستند إليها معارضو التكريم في تفسير رفضهم إدراج اسمه ضمن قائمة المحتفى بهم.
ولم يتوقف تليمة كذلك أمام الجدل النقابي الذي أثير على مدار سنوات بشأن تجربة مجلة «الزهور» وما قيل حول استخدامها في قيد عدد من المقربين وأقاربه ومنها نجلته، وبعض المنتمين إلى جماعة الإخوان في جداول النقابة، وهي قضية ظلت محل نقاش وانتقاد داخل أوساط صحفية مختلفة.
كل هذه الملفات غابت عن رواية تليمة. وكل ما حضر كان دفاعا كاملا عن صلاح عبد المقصود، ودعما واضحا لموقف خالد البلشي في الأزمة الحالية، ومن هنا رأى منتقدو البلشي أن تدخل تليمة لم يكن مجرد رأي شخصي، بل رسالة سياسية كشفت عن حجم التقاطعات القديمة التي لا تزال تربط بعض التيارات السياسية ببعضها البعض، وأعادت إلى الواجهة الحديث عن التحالفات والتفاهمات التي جمعت في مراحل سابقة بين أطراف من اليسار السياسي وجماعة الإخوان، وهي التحالفات التي يعتبرها خصومها أحد الأسباب التي مهدت الطريق لوصول الجماعة إلى السلطة قبل أن تنتهي تلك التجربة بسقوطها بعد احتجاجات 30 يونيو.














0 تعليق