الآثار النفسية للعنف التوليدي.. جرح لا يلتئم بسهولة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

رغم أن تجربة الولادة تُقدَّم دائمًا بوصفها لحظة إنسانية فارقة تحمل معها بداية حياة جديدة، فإن الواقع داخل بعض غرف الولادة قد يروي قصصًا مختلفة تمامًا، تتجاوز الألم الجسدي الطبيعي إلى ما يُعرف طبيًا ونفسيًا بـ«العنف التوليدي»،  هذا النوع من العنف لا يقتصر على الاعتداء الجسدي فقط، بل يشمل الإهانة اللفظية، والتجاهل، وانتهاك الخصوصية، وإجراء تدخلات طبية دون شرح أو موافقة، أو التعامل مع المرأة بشكل يُفقدها إحساسها بالكرامة في واحدة من أكثر لحظات حياتها حساسية.

وتكمن خطورة هذا النوع من العنف في أنه لا ينتهي بخروج المرأة من غرفة الولادة، بل قد يمتد أثره لسنوات طويلة، مؤثرًا على صحتها النفسية، وعلاقتها بطفلها، واستقرارها الأسري والاجتماعي،  ومن هنا تبرز أهمية دراسة الأبعاد النفسية لهذه الظاهرة خلال السطور التالية .

التأثيرات النفسية للعنف التوليدي: ما بعد الألم

يؤكد متخصصون في الطب النفسي أن العنف التوليدي قد يترك آثارًا نفسية عميقة وممتدة، تتفاوت في شدتها من امرأة لأخرى، لكنها في كثير من الحالات تتجاوز حدود التجربة المؤقتة لتتحول إلى اضطرابات مزمنة.

اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

من أبرز النتائج النفسية للعنف التوليدي هو اضطراب ما بعد الصدمة: 

استرجاع متكرر ومؤلم لمشاهد الولادة

نوبات هلع وخوف شديد

تسارع ضربات القلب وضيق التنفس عند تذكر التجربة

كوابيس واضطرابات نوم مزمنة

تجنب المستشفيات أو أي محفزات مرتبطة بالتجربة

وتشير الدكتورة سلمى محمد، الأخصائية النفسية، إلى أن بعض النساء قد يعشن حالة «إعادة معايشة الحدث» وكأن التجربة تتكرر نفسيًا بشكل مستمر، مما يجعل التعافي النفسي أكثر تعقيدًا.

الاكتئاب بعد الولادة المرتبط بالصدمة

الاكتئاب بعد الولادة ليس دائمًا نتيجة تغيرات هرمونية فقط، بل قد يتفاقم بشكل كبير إذا كانت تجربة الولادة نفسها مؤلمة نفسيًا،  وتشمل الأعراض:

فقدان الشغف وعدم القدرة على الاستمتاع بالأمومة

شعور بالذنب أو جلد الذات

اضطراب في العلاقة مع الطفل

انسحاب اجتماعي وعاطفي

وتشير بعض الدراسات إلى أن الصدمة أثناء الولادة قد تؤثر على العلاقة الأولية بين الأم وطفلها، حيث قد يصبح التفاعل العاطفي أقل استقرارًا بسبب الضغط النفسي المستمر.

فقدان الإحساس بالسيطرة وصورة الجسد

من الآثار المهمة أيضًا شعور المرأة بأنها فقدت السيطرة على جسدها أثناء الولادة، خاصة إذا تعرضت لتدخلات دون موافقة أو معاملة مهينة، هذا الشعور قد يؤدي إلى:

صورة سلبية عن الجسد

شعور بالدونية أو الضعف

فقدان الثقة بالنفس

أسئلة داخلية مؤلمة مثل: «لماذا لم أستطع الدفاع عن نفسي؟»

وهذه المشاعر قد تستمر لفترات طويلة وتؤثر على تقدير الذات والعلاقات الشخصية

اضطرابات العلاقة الحميمة

في بعض الحالات، تمتد آثار العنف التوليدي إلى الحياة الزوجية، حيث قد تظهر:

نفور من اللمس الجسدي

خوف من العلاقة الحميمية

شعور بالانزعاج أو الاشمئزاز

صعوبة في استعادة الإحساس بالأمان الجسدي

الانفصال عن الواقع (Dissociation)

في الحالات الشديدة، قد تلجأ بعض النساء نفسيًا إلى ما يُعرف بـ«الانفصال عن الواقع» كآلية دفاعية، حيث تشعر المرأة وكأنها:

تراقب جسدها من الخارج

غير متصلة بتجربتها الجسدية

في حالة تنميل أو انفصال نفسي أثناء أو بعد الحدث

وهذه الحالة تعكس درجة عالية من الصدمة النفسية التي تعرضت لها المرأة

فقدان الثقة في المنظومة الصحية

من النتائج طويلة الأمد أيضًا فقدان الثقة في المستشفيات أو الأطباء، مما قد يؤدي إلى:

تجنب المتابعة الطبية

رفض الحمل أو الولادة مرة أخرى

تأخير العلاج أو الفحوصات

الخوف المزمن من أي تدخل طبي

رؤية طبية: الجرح النفسي الذي لا يُرى

 

الدكتور محمد فوزي لـ "الدستور": الكرامة الإنسانية أثناء الولادة جزء أساسي من العلاج وليس رفاهية

يقول الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ المخ والأعصاب والطب النفسي، إن العنف التوليدي لا يمكن اختزاله في الألم الجسدي فقط، بل هو تجربة نفسية معقدة قد تترك أثرًا طويل المدى.

ويضيف أن أخطر ما في هذه التجربة أن المرأة قد تنسى تفاصيل الألم الجسدي، لكنها لا تنسى طريقة التعامل معها، مؤكدًا أن الكرامة الإنسانية أثناء الولادة جزء أساسي من العلاج وليس رفاهية.

كما يشير إلى أن كثيرًا من النساء قد يخرجن من غرفة الولادة وهن يحملن أطفالهن، لكنهن في الوقت نفسه يحملن «ذكرى ثقيلة» تؤثر على صحتهن النفسية لاحقًا، وهو ما قد يظهر في صورة قلق أو اكتئاب أو اضطرابات ما بعد الصدمة.

لماذا تحدث هذه الآثار؟

يرى أن هذه النتائج النفسية لا تنفصل عن عدة عوامل، منها:

الضغط النفسي على الكوادر الطبية

غياب التدريب الكافي على التواصل الإنساني

التطبيع المجتمعي مع ألم المرأة أثناء الولادة

ضعف آليات المساءلة داخل بعض المؤسسات الصحية

ويؤكد  أن المشكلة لا تكمن فقط في الأفعال الفردية، بل في البيئة التي تسمح بتكرارها أو عدم الإبلاغ عنها.

حلول عملية للحد من العنف التوليدي

قال الدكتور علي عبد الراضي، استشاري العلاج والتأهيل النفسي إن ما يُعرف بـ“العنف التوليدي” يمثل أحد الأشكال الصامتة من العنف الذي قد تتعرض له المرأة أثناء الحمل أو الولادة، مشيرًا إلى أن خطورته لا تكمن فقط في أثره الجسدي، وإنما في امتداده العميق إلى الصحة النفسية للمرأة.

وأوضح أن بعض النساء قد يمررن بتجربة ولادة تبدو ناجحة طبيًا، لكنهن يخرجن منها محملات بآثار نفسية سلبية نتيجة التعرض للإهمال أو الإهانة أو غياب الدعم النفسي والإنساني داخل غرفة الولادة، مؤكدًا أن “الإنسان لا ينسى الألم فقط، بل لا ينسى الطريقة التي عومل بها أثناء الألم”.

وشدد على أن التعامل القاسي أو غير الإنساني داخل بيئة الرعاية الصحية قد يترك آثارًا طويلة الأمد، تشمل القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، فضلًا عن تأثيره على علاقة الأم بطفلها وعلى إحساسها العام بالأمان.

وأشار إلى أن بعض ممارسات العنف التوليدي قد تنتج عن ضغوط العمل وكثافة الحالات داخل المؤسسات الصحية، إلا أن ذلك لا يبرر بأي حال فقدان البعد الإنساني في التعامل مع المريضات، لافتًا إلى أن “تحول الألم إلى روتين يومي قد يؤدي إلى تبلد انفعالي لدى بعض مقدمي الخدمة، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الرعاية”.

وأضاف أن بعض الموروثات الاجتماعية ساهمت في تطبيع فكرة أن ألم الولادة أمر طبيعي لا يستوجب التعاطف، رغم أن “الألم يظل تجربة إنسانية كاملة لا تفقد قيمتها بتكرارها”.

وشدد “عبد الراضي” على أن جودة الرعاية الصحية لا تُقاس فقط بالكفاءة الطبية أو الإمكانيات التقنية، وإنما بمدى احترام كرامة الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا، مؤكدًا أن الرحمة والاحترام والتواصل الإنساني ليست عناصر إضافية بل جزء أساسي من الرعاية الصحية.

ووفقا لدراسة تم نشرها عبر موقع الأمم المتحدة 

 وأجرتها المنظمة الأممية المعنية بالصحة، في غانا وغينيا وميانمار ونيجيريا

 أن مواجهة العنف التوليدي تتطلب إصلاحات شاملة، وليس إجراءات فردية فقط، وأهمها:

1- تعزيز المساءلة داخل النظام الصحي

ضرورة وجود آليات رقابة واضحة داخل المستشفيات لمتابعة جودة التعامل مع المرضى.

2- تدريب الكوادر الطبية

التركيز على مهارات التواصل الإنساني، واحترام المريضة، وإدارة الألم النفسي وليس الجسدي فقط.

3- تطوير آليات الشكاوى

توفير قنوات آمنة وسهلة للإبلاغ عن الانتهاكات دون خوف أو وصم.

4- الموافقة المستنيرة

توضيح كل الإجراءات الطبية للمريضة والحصول على موافقتها بشكل واعٍ ومفهوم.

5- توفير مرافق أثناء الولادة

إتاحة وجود شخص داعم مع المرأة أثناء المخاض لتعزيز الشعور بالأمان.

6- إعادة تصميم بيئة الولادة

تحسين الخصوصية داخل أقسام الولادة وتقليل الممارسات التي قد تُشعر المرأة بانتهاك كرامتها.

البعد الحقوقي والإنساني

تؤكد منظمات دولية أن تجربة الولادة يجب أن تكون آمنة ومحترمة، وأن جودة الرعاية لا تُقاس فقط بالنتائج الطبية، بل أيضًا بمدى احترام كرامة الإنسان.

وفي هذا السياق، تشير توصيات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إلى ضرورة:

ضمان الخصوصية

تعزيز الموافقة المستنيرة

تمكين المرأة من اتخاذ القرار

تدريب الفرق الطبية على الرعاية الرحيمة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق