ملتقى “طرق الحبر” الدولي: شهادات علمية عالمية توثق البصمة الجزائرية في صياغة الفكر الإنساني

النهار أون لاين 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تستمر اليوم فعاليات الملتقى الدولي للمخطوط تحت شعار “طرق الحبر في الجزائر حضارة وتراث” برعاية سامية لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وإشراف وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة ، ويشكل هذا الملتقى تظاهرة علمية وثقافية بارزة تجمع نخبة من كبار العلماء والخبراء الدوليين والمحليين في المركز الدَّولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال.

ويهدف هذا الملتقى الرفيع إلى تسليط الضوء على الكنوز المعرفية الدفينة في خزائن المخطوطات، ومناقشة آليات حمايتها وفهرستها، وتوظيف التقنيات التكنولوجية الحديثة كالرقمنة والذكاء الاصطناعي لإتاحة هذا الإرث الحضاري للبحث العلمي المعاصر، مبرزاً الحركية العلمية التاريخية التي جعلت من الحواضر الجزائرية مراكز إشعاع علمي ربطت المغرب العربي بالمشرق والأندلس وإفريقيا ومختلف دول العالم عبر الزمن.

‎وقد تميزت الجلسات العلمية للملتقى بسلاسة الطرح وعمق النقاش، حيث استهلت الأوراق البحثية بالوقوف عند واقع الجهود المحلية؛ وفي هذا السياق، قدم الدكتور عبد الكريم عوفي من جامعة باتنة ورقة بحثية رصينة تناولت جهود الجزائر في رقمنة المخطوطات بين المؤسسات العامة والخاصة، مستعرضاً الثراء الحضاري للجزائر باعتبارها من أغنى الدول بالتراث المخطوط. وناقش الباحث التحديات التاريخية التي واجهت المخطوطات جراء عوامل الزمن والإهمال، مبرزاً الدور المحوري والريادي للتقنيات الحديثة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي، في فتح آفاق جديدة لحفظ هذا التراث عبر تحويل النسخ الورقية إلى نسخ رقمية قابلة للحفظ والقراءة، والتعرف على خطوط المؤلفين باستعمال تقنيات متطورة، مثنياً على جهود الفهرسة والرقمنة في المؤسسات العامة كالمكتبة الوطنية والمركز الوطني للمخطوطات، والجامعات والزوايا.

‎وفي سياق تتبع الامتداد الفكري للعلماء، استعرض الدكتور إبراهيم باجس عبد المجيد عمليات جرد وفهرسة المخطوطات في مكتبة الحرمين الشريفين، متناولاً الإشعاع العلمي للمؤلفين والعلماء الجزائريين داخل العالم الإسلامي، والذين وصلت مؤلفاتهم إلى كبرى خزائن المخطوطات في مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس، حيث ساهموا في التدريس ونشر العلوم وتخرّج على أيديهم أعداد كبيرة من الطلبة. وأشار الباحث إلى أن فهارس مكتبة الحرم المكي الشريف تعج بمؤلفاتهم في الشريعة، واللغة، والأدب، والتاريخ، داعياً إلى مواصلة البحث والتقصي لإعادة دراسة هذا التراث وتحقيقه.

ومن زاوية الروابط الجغرافية للحواضر العلمية، قدم الدكتور محمد الأمين بن أبد دراسة حول جرد وفهرسة المخطوطات بالخزائن والمكتبات الموريتانية، مؤكداً على القيمة التاريخية والعلمية والجمالية المتزايدة للمخطوطات، ودور الفهرسة الحديثة في توحيد وتحسين العمليات المكتبية لتسهيل وصول الباحثين إليها. وأوضح الباحث أن حضور المخطوطات في الخزائن الموريتانية يقف شاهداً حياً على عمق الروابط العلمية والثقافية التي أسهمت في صياغتها الرحلة الحجازية وحركة القوافل العابرة للصحراء الكبرى في نقل هذا التراث وتداوله بين الحواضر العلمية في المغرب الإسلامي.

كما شهد الملتقى نقاشاً منهجياً عميقاً قاده الأستاذ عبد المجيد بغدادي عبر ورقة تمحورت حول جرد وفهرسة المخطوطات بخزائن ومكتبات بلاد السند، متخذاً من مكتبة “كنز بخش” نموذجاً تطبيقياً. وانطلق الباحث من أهمية التراث المخطوط بوصفه وعاءً للذاكرة العلمية والحضارية، معتمداً على المنهج الوصفي التحليلي لحصر المخطوطات وتحليل بياناتها البيبليوغرافية، والتي أظهرت تنوعاً موضوعياً كبيراً يغطي مجالات الفقه المالكي، والتصوف، وعلوم الشريعة، واللغة، والأدب، مما يعكس الثراء الفكري وعمق الروابط التاريخية عبر رحلات العلماء وشبكات التجارة والتصوف.

وفي ذات السياق المنهجي العابر للحواضر الإسلامية، قدم الدكتور محمد أنس رضوان بحثاً حول جرد وفهرسة المخطوطات في باكستان، مبرزاً حركة انتقال الكتب والمعارف عبر العالم الإسلامي، حيث اعتمد في دراسته على المنهج الوصفي التحليلي ومعاينة المخطوطات وجمع بياناتها. وأظهرت نتائج هذا الجرد وجود مجموعات معتبرة تغطي مجالات الفقه المالكي، وأصول الفقه، والتفسير، والحديث، والتصوف، واللغة العربية، وهي ذخائر تتميز بغناها بتملكات وإجازات وهوامش ذات قيمة تاريخية عالية، مما يستدعي وفق رؤيته تعزيز التعاون البحثي بين الجزائر وباكستان لرقمنتها وفهرستها وفق المعايير الحديثة وإتاحتها للباحثين.

وأكد المحاضرون على أن حماية المخطوطات وصيانتها فوق أرضها لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة استراتيجية لحفظ الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية. وتوجهت توصيات الخبراء نحو ضرورة توحيد الجهود بين المؤسسات الأكاديمية والمكتبات الوطنية لإنشاء منصات رقمية موحدة، وتأهيل جيل جديد من الباحثين والمحققين الشباب القادرين على فك رموز هذا التراث باستخدام تكنولوجيا العصر المتقدمة، بما يضمن استمرارية “طرق الحبر” كشرايين نابضة بالمعرفة بين الأجيال.

 إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور

إضغط على الصورة لتحميل تطبيق النهار للإطلاع على كل الآخبار على البلاي ستور

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق