ترامب وفرض الخضوع بالقوة.. إيران ومحاولة تثبيت معادلة الرد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

في السياق المتوتر للعلاقات الأمريكية الإيرانية، شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا جديدًا تمثل في ضربات عسكرية أمريكية على أهداف إيرانية، خاصة في محيط مضيق هرمز ومواقع دفاعية واتصالات. جاءت هذه الضربات كرد فعل مباشر على حادث إسقاط مروحية أمريكية من طراز أباتشي، اتهم الرئيس دونالد ترامب إيران بالمسؤولية عنه، رغم نفي طهران لذلك. أعلن الجيش الأمريكي عبر القيادة المركزية (سنتكوم) أن الضربات استهدفت مواقع رادار ودفاع جوي ومراكز تحكم، ووصفها بأنها "دفاعية" و"متناسبة"، لكنها أثارت مخاوف من انهيار هدنة هشة قائمة منذ أشهر.

يبدو أن استراتيجية ترامب في هذه المرحلة تعكس رغبة واضحة في فرض الخضوع والاستسلام على الجمهورية الإسلامية من خلال القوة العسكرية. منذ عودته إلى البيت الأبيض، أكد ترامب مرارًا على سياسة "الضغط الأقصى"، التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، بهدف منع إيران من امتلاك قدرات نووية وتقليص نفوذها الإقليمي. في تصريحاته الأخيرة، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستضرب إيران "بقوة كبيرة" إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام يلبي شروط واشنطن، بما في ذلك السيطرة على برنامجها الصاروخي والنووي، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة دون قيود إيرانية.
هذا النهج يعبر عن فلسفة ترامب في استخدام القوة كأداة للردع والإجبار، مستفيدًا من الضعف النسبي الذي تعاني منه إيران بعد جولات سابقة من الضربات في 2025 و2026، التي أدت إلى تدمير بعض المنشآت النووية الرئيسية مثل نطنز وفوردو وأصفهان.

تأتي هذه الضربات في سياق حرب أوسع اندلعت في فبراير 2026 بعملية "الغضب الملحمي" الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي استهدفت مواقع عسكرية وحكومية إيرانية، وأسفرت عن مقتل مسؤولين كبار، بمن فيهم المرشد. سعت الإدارة الأمريكية من خلالها إلى إضعاف قدرات إيران العسكرية ودفعها نحو طاولة المفاوضات من موقع ضعف.

ومع ذلك، يبدو أن التصعيد الأخير يعكس صعوبة تحقيق "الاستسلام" السريع، إذ تواصل إيران رفض التنازلات الجوهرية، مطالبة بانسحاب أمريكي من المنطقة ورفع العقوبات وتعويضات عن الأضرار.

في المقابل، أظهر الرد الإيراني إصرارًا على إثبات معادلة الردع، رغم الخسائر حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني عن شن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة على قواعد أمريكية في الأردن والكويت والبحرين، مستهدفًا مواقع عسكرية أمريكية في الخليج. وصف المسؤولون الإيرانيون هذه الهجمات بأنها "دفاع عن النفس" و"رد مناسب" على "العدوان الأمريكي"، كما أشارت تقارير إلى إصابات في منشآت مدنية إيرانية، مثل خزانات مياه في محافظة هرمزجان أدت إلى انقطاع المياه عن آلاف السكان، مما دفع طهران إلى اتهام واشنطن بانتهاك القانون الدولي وارتكاب جرائم حرب.

يحمل الرد الإيراني رسالة استراتيجية واضحة، وهى أن أي ضربة أمريكية ستقابل برد يمتد إلى المنطقة بأكملها، مما يهدد الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية. يعتمد الردع الإيراني على قدرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، إلى جانب القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي. رغم الضربات الأمريكية التي أضعفت بعض هذه القدرات، يبدو أن طهران نجحت في الحفاظ على قدرة رد محدودة تكفي لرفع تكلفة أي تصعيد أمريكي. هذا النهج يعكس عقيدة إيرانية طويلة الأمد ترى في المقاومة والصمود وسيلة لإجبار الخصوم على التراجع، خاصة مع استمرار الدعم من حلفاء في "محور المقاومة"، رغم الضعف الذي أصاب بعضهم.

يمثل هذا التصعيد العسكري الأخير نقطة تحول حاسمة في مسار المفاوضات غير المباشرة التي كانت تجري برعاية باكستانية قطرية. فعلى الرغم من أن إدارة ترامب تُبرر الضربات بأنها تعزز موقفها التفاوضي وتدفع طهران نحو تقديم تنازلات جوهرية حول برنامجها النووي والصاروخي، إلا أن النتيجة بدت معاكسة،. فقد أعلن مسؤولون إيرانيون أن «المقاومة هي الطريق الوحيد لفرض احترام الحقوق»، مما يعني رفض تقديم تنازلات تحت وطأة القصف. الضغط العسكري قد يدفع إيران في النهاية إلى العودة إلى الطاولة من موقع أضعف، خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية وارتفاع أسعار النفط الذي يضر بحلفائها أيضًا. غير أن المخاطر تبقى كبيرة، إذ قد يؤدي استمرار التصعيد إلى انهيار القنوات الدبلوماسية تمامًا وفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة النطاق.

من الناحية الاقتصادية، أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط، مما يثقل كاهل الاقتصاد العالمي ويضغط على حلفاء أمريكا في الخليج. كما أثار مخاوف من اتساع نطاق الصراع، خاصة مع استمرار المفاوضات الهشة

ترامب يسعى من خلال هذه الضربات إلى تحسين موقفه التفاوضي، لكنه يواجه تحديًا في كيفية تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي دائم. فإيران، رغم الخسائر، ترفض الاستسلام الكامل، معتبرة أن أي تنازل جذري سيؤدي إلى انهيار النظام داخليًا.

في الختام، يمثل هذا التصعيد الأخير صفحة جديدة في صراع طويل بين قوتين، إحداهما تعتمد على التفوق التكنولوجي والعسكري لفرض إرادتها، والأخرى تعول على الصمود والردع غير المتكافئ للحفاظ على سيادتها ونفوذها. يبقى السؤال معلقًا: هل ستؤدي الضربات إلى صفقة شاملة كما يأمل ترامب، أم إلى دوامة عنف جديدة تهدد المنطقة برمتها؟ الإجابة تعتمد على قدرة الطرفين على التوازن بين القوة والدبلوماسية في الأيام المقبلة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق