.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
في زمن تتسع فيه المسافة بين التاريخ الرسمي وحكايات الناس العاديين، تنشغل الكاتبة والباحثة شذى يحيى بالتنقيب في المناطق المنسية من الذاكرة الجمعية للثقافة المصرية، تنشغل على استعادة صوت المهمشين الذين أسهموا في صناعة تاريخنا، دون أن يجدوا مكانهم في السرديات الكبرى.
تقدم عبر مشروعها البحثي تلك التقاطعات ما بين الثقافي والسياسي، ومنه تطرح أسئلة متعلقة بالهوية والسلطة والتمثيل، وتعيد قراءة وقائع مألوفة من زوايا لم يتم طرقها من قبل.
في هذا الحوار، تتحدث شذى يحيى عن بدايات علاقتها بالبحث والكتابة.
كيف تشكلت علاقتك الأولى بالكتابة والبحث؟ وأيهما سبق الآخر في تكوين مشروعك الفكري؟ وما هي أبرز المحطات الفكرية أو الإنسانية التي أسهمت في تشكيل رؤيتك للثقافة والمعرفة؟
علاقتي بالبحث بدأت بفضولية الطفولة وحب الاستكشاف المبكر الموجود لدى أي صغير، لكي تبدع في أي مجال معرفي لا بد أن تحتفظ بأكبر قدر من طفولتك؛ هذه الرغبة الكبيرة في المعرفة والاستكشاف بأكبر قدر من الحب والشغف بما تتعرف عليه هو نوع من البهجة أو الشغف الذي لا ينقطع، عندما تصل لمحطة من البحث يتملكك شغف أكبر للوصول لمحطات أخرى كأنك تتعرف على أناس جدد أو أصدقاء طفولة افتراضيين، بعدها يتملكك ولع أكبر بتقديم أصدقائك هؤلاء للعالم لتعرف العالم كم كانوا عظماء ومهمين ومؤثرين وظلمهم التاريخ.
هنا أتى دور الكتابة والسعي الحثيث لتقديم هؤلاء الناس للعالم.
في الطفولة كما قلت كانت أهم المحطات تباين البيئات التي عشت فيها، وأثر الوالد كان الدافع الأكبر؛ أنا ولدت وعشت طفولتي المبكرة قرب البحر في مجتمع متعدد الثقافات والأعراق، وأغلب الإجازات كانت عودة إلى الريف المصري.
تباين ألوان وأشكال البيئتين: البحر والصحراء والأصداف وأصوات المراكب والسفن الضخمة العابرة في الخليج والثقافة البترولية متعددة الجنسيات المنفتحة على كل اتجاه، مع انغلاق الريف المصري في الثمانينات وداعته بلونه الأخضر وسواقيه والإيقاع الرتيب لمكن طحين القمح وجرارات الحقول كان مختلفًا جدًا، فالمجتمع الأكثر تحفظًا وعراقة وتلوينًا كان مثيرًا معرفيًا قويًا جدًا بالنسبة لي.
ومع رحلات لمدن مثل القاهرة والإسكندرية والتي كانت هي أيضًا تحمل اختلافًا جذريًا وألوانًا مختلفة عن الحالتين الرئيسيتين، إلى جانب ذلك كان والدي لا يكتفي بهذا التنوع، كان عاشقًا للسفر البري، معه شهدت طفولتي رحلات لبغداد وعمان ومكة والمدينة والطائف سواحل البحر الأحمر.
رأيت بعيني طابا بعد التحرير مباشرة وشواطئ نويبع وقرى الإسماعيلية حتى طنطا ودمنهور وخيام عرب الخيش الملونة مع القرى الطينية، ذلك قبل أن تتحول لمستعمرات من الإسمنت والطوب الأحمر، وزرت عشرات المتاحف والأماكن الأثرية ما أثار دائمًا خيالاتي عمن مر من هذه الأماكن كيف عاشوا وماتوا وماذا أعطوا للبشرية؟ طفولتي كانت ملونة زاخرة بالأماكن والبشر والأدوات والخيال.
يبدو أن مشروعك البحثي ينشغل باستعادة ما هو منسي ومهمش ومسكوت عنه في التاريخ الاجتماعي والثقافي، هل يمكن القول إن ثمة دافعًا شخصيًا أو معرفيًا يقف وراء هذا الانحياز إلى الهوامش بدلاً من السرديات الرسمية؟
في دراسات التابع والهامش وجدت نفسي وما أريد قوله دائمًا، كما أخبرتك أنا شغوفة بالبشر وما فعلوه؛ التاريخ ليس محكومًا عليه بأن يكتب من قبل الأقوياء، هناك رواية أخرى لأناس مثلي ومثلك ليسوا قادة ولا سفاحين ولا أبطالاً، هم صناع التاريخ الحقيقيين: وقود المعارك، ومحركو حركة الاقتصاد، وبناة الحضارة.
إنجازاتهم البسيطة مجتمعة هي ما صنع تاريخ الأمم، هؤلاء فضلاً عن أنهم يستحقون مكانًا تحت الشمس، سلوكهم وتاريخهم يقول لنا من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون وما هي مكانتنا في التاريخ، ماذا صنع العالم بنا وماذا فعلنا للعالم؟
ما القضايا أو الأسئلة التي تفرض نفسها باستمرار على مشروعك الفكري، وتجدين نفسك تعودين إليها من عمل إلى آخر؟
نفس السؤال والهاجس الذي يطرح نفسه هو هو: ما هو دور الهامش أيًا كان نوعه في تشكيل الوعي الثقافي والحضاري لأمة؟ وكيف نحافظ على التراكم الثقافي والمعرفي المحكي وأيضًا المتعالى عليه؟ وأحاول توثيقه بعيون مصرية وليست غربية لأنه يخصنا نحن، ولو اندثر أو ضاع ستحدث فجوة معرفية لا يمكن تعويضها في بنائنا الثقافي والمعرفي، أو سنستقي معارفنا بسياقنا الحضاري من دراسات وتوثيقات قام بها أجانب ينظرون للأحداث من زوايا قد تلائمهم أو من وجهة نظرهم، وقد نفهمها نحن من منظورنا الثقافي بشكل آخر.
أنت تجمعين بين الكتابة والبحث التاريخي والثقافي، كيف تنظرين إلى العلاقة بين الباحث والكاتب؟ وهل ما زالت الحدود بينهما قائمة، أم أن الكتابة المعاصرة تجاوزت هذه التقسيمات؟
كما قلت أنا أكتب بروح الهاوي أكثر من صرامة المحترف؛ أتبع القواعد المنهجية في الكتابة والتسلسل المنطقي للبحث لكن بدون إرهاق القارئ بجمود المصطلحات وضغط البناءات التقليدية، أحاول إيجاد لغة خطاب أكثر بساطة وإنسانية دون الإخلال بجدية الموضوع.
عندما تحاول توسيع القاعدة الجماهيرية للقراءة يجب أن تستخدم أسلوبًا ممتعًا يدفع القارئ لتقبل المعلومة بسلاسة مع الحفاظ على رصانة الموضوع لأنه مهم وليس مجالاً للفكاهة، على الأخص عندما تتحدث عن مواضيع مثل الرقص أو الموضة والحلي وغيرها من الموضوعات.














0 تعليق