.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الثلاثاء 09/يونيو/2026 - 04:24 م 6/9/2026 4:24:37 PM
حين تضيق دروب الحياة على السائرين، وتتكاثر الظلمات على القلوب حتى يلتبس الحق بالباطل، ويختلط الصواب بالهوى، ويصبح الإنسان غريبًا عن نفسه قبل أن يكون غريبًا عن غيره، يبعث الله في تاريخ الإنسانية أنوارًا لا تخبو، ومشاعل لا تنطفئ، وكلمات لا يطويها الزمن مهما تعاقبت الليالي والأيام، لأنها خرجت من أرواح عرفت الله حق معرفته، وارتوت من ينابيع الوحي، وتربت في مدرسة النبوة، ومن أعظم تلك الأنوار وأبقاها أثرًا رسالة الحقوق التي تركها الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام للأمة، لا لتكون أثرًا تاريخيًا يُقرأ ثم يُنسى، بل لتكون دستورًا للحياة، ومنهجًا للإنسان، وميزانًا للحق، ومشكاةً تهدي الحائرين إلى سواء السبيل.
وإذا كانت الأمم قد تفاخرَت بما وضعت من مواثيق وما سنّت من قوانين وما أعلنت من شرائع، فإن رسالة الحقوق تمتاز عن ذلك كله بأنها لم تنظر إلى الإنسان بوصفه طالبَ حقٍّ فحسب، بل نظرت إليه بوصفه مؤديًا للحق أيضًا، ولم تجعل الحقوق أبوابًا للمطالبة فقط، بل جعلتها جسورًا للمسؤولية، وربطتها برقابة الضمير قبل رقابة السلطان، وبخشية الله قبل رهبة القانون، لأنها تنطلق من يقين راسخ بأن إصلاح العالم يبدأ من إصلاح الإنسان، وأن صلاح الظاهر ثمرة لصلاح الباطن، وأن العمران لا يزهر إلا إذا عمرت القلوب بالإيمان.
ولذلك لم يبدأ الإمام رسالته بحق الإنسان على أخيه، ولا بحق الرعية على راعيها، ولا بحق القريب على قريبه، بل بدأها بأصل الأصول ومنبع الحقوق جميعًا، فقال: «فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ الْأَكْبَرُ عَلَيْكَ فَأَنْ تَعْبُدَهُ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِإِخْلَاصٍ جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». وهنا تتجلى عظمة المنهج؛ إذ جعل الإمام التوحيد جذر الشجرة كلها، فإذا صحّ الجذر أينعت الأغصان، وإذا استقام الأصل استقامت الفروع، لأن القلب إذا امتلأ بالله فرغ مما سواه، وإذا امتلأ بالحق ضاق عن الباطل، وإذا عرف خالقه عرف نفسه، وإذا عرف نفسه عرف قدرها فلم يبعها في سوق الشهوات، ولم يسلم زمامها إلى أهواء عابرة أو لذات زائلة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
ثم يأخذ الإمام بيد الإنسان إلى أقرب الممالك إليه، وأشدها التصاقًا به، وأعظمها أثرًا في مصيره، وهي مملكة النفس، فيقول: «وَأَمَّا حَقُّ نَفْسِكَ عَلَيْكَ فَأَنْ تَسْتَوْفِيَهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ». وكأنما يريد أن يخبر الإنسان أن نفسه ليست ملكًا مطلقًا له يفعل بها ما يشاء، بل أمانة مودعة بين يديه، وأنه مسؤول عن صيانتها من الضياع كما يُسأل الراعي عن رعيته، فالنفوس إذا أُطلقت أعنتها للهوى جمحَت، وإذا تُركت لشهواتها طغت، وإذا غُذّيت بالتقوى سمت وارتقت، ولهذا جاء القرآن مقررًا هذه الحقيقة الخالدة بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.
ثم تتسع دائرة الحقوق لتشمل الجوارح التي تبدو صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها، فيقف الإمام عند اللسان وقفة الحكيم الخبير بأدواء النفوس وآفات المجتمعات، فيقول: «وَأَمَّا حَقُّ اللِّسَانِ فَإِكْرَامُهُ عَنِ الْخَنَا، وَتَعْوِيدُهُ الْخَيْرَ، وَتَرْكُ الْفُضُولِ الَّتِي لَا فَائِدَةَ لَهَا». وما أبلغها من كلمات جعلت للسان كرامة يجب أن تُصان، فاللسان قد يكون سلمًا إلى الجنان أو جسرًا إلى النيران، وقد يكون باعث ألفة أو مثير فتنة، وكم من حرب أشعلتها كلمة، وكم من خصومة أذكتها عبارة، وكم من قلب أحيته موعظة، وكم من روح رفعتها بشارة، ولذلك قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.
ثم ينتقل الإمام إلى السمع الذي جعله الله باب القلب، فيقول: «وَأَمَّا حَقُّ السَّمْعِ فَتَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ تَجْعَلَهُ طَرِيقًا إِلَى قَلْبِكَ». لأن القلب أرض، والكلمات بذور، فما يُلقى فيه ينبت يومًا ما، فإن كان خيرًا أثمر خيرًا، وإن كان شرًا أثمر شرًا، ولذلك كان السمع بريد الحكمة إذا أُصغي إلى الحق، وبريد الفتنة إذا فُتح للباطل.
وأما البصر فيقول فيه الإمام: «وَأَمَّا حَقُّ بَصَرِكَ فَغَضُّهُ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ، وَتَرْكُ ابْتِذَالِهِ إِلَّا لِمَوْضِعِ عِبْرَةٍ». فكأن العين في فلسفة الرسالة ليست أداة نظر فحسب، بل وسيلة اعتبار، وليست نافذة للشهوة بل مصباح للبصيرة، وصدق الله تعالى إذ قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
ثم إذا فرغ الإمام من بناء الإنسان في داخله انتقل إلى بناء عالمه الأسري، فبدأ بالأم، لأن الرحمة بدأت من قلبها، والعطاء ابتدأ من يديها، فقال: «وَأَمَّا حَقُّ أُمِّكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لَا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَأَعْطَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لَا يُعْطِي أَحَدٌ أَحَدًا». وما من عبارة في وصف الأم أبلغ من هذه العبارة، فهي تحمل ولدها قبل أن تراه، وتحبه قبل أن يعرفها، وتسهر ليهدأ، وتجوع ليشبع، وتضعف ليقوى، حتى تصبح حياتها كلها وقفًا عليه، ولذلك قرن الله شكره بشكر الوالدين فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾.
ثم يلتفت إلى الأب فيقول: «وَأَمَّا حَقُّ أَبِيكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ أَصلُكَ وَأَنَّكَ فَرعُهُ». وفي هذه الكلمات القليلة بحر من المعاني، لأن الأب أصل الشجرة، وسند المسيرة، وجذر الامتداد، ومن عرف فضل الأصل حفظ حرمة الفرع، ومن جحد الجذور جفّت أغصانه وإن اخضر ظاهرها.
ثم يعرج الإمام على حق الولد فيقول: «وَأَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إِلَيْكَ». فلا يرى الأبناء أملاكًا، بل أمانات، ولا يراهم تبعًا، بل مسؤولية، فالتربية عنده صناعة أرواح لا مجرد رعاية أجساد، وغرس قيم لا مجرد توفير حاجات.
ثم تتسع الرسالة كما يتسع النور إذا أشرق، فتخرج من البيت إلى المجتمع، فإذا الجار له حق، والصديق له حق، والمعلم له حق، والمتعلم له حق، والحاكم له حق، والمحكوم له حق، وكأن الإمام يريد أن يحول المجتمع كله إلى نسيج من الرحمة والعدل والتكافل.
وفي حق الجار يقول: «وَأَمَّا حَقُّ جَارِكَ فَحِفْظُهُ غَائِبًا، وَإِكْرَامُهُ شَاهِدًا، وَنُصْرَتُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا». فلا يعود الجوار مجرد تقارب جدران، بل تقارب قلوب وأرواح، ولا يعود السكن مجرد مشاركة مكان، بل مشاركة إنسانية ومصير.
ثم يرتفع الإمام بمقام العلم وأهله حين يقول في حق المعلم: «وَأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ فَالتَّعْظِيمُ لَهُ وَالتَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ وَحُسْنُ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ». لأن العلم عنده نور، والعالم حامل ذلك النور، ومن أهان النور عاش في الظلمة، ومن احترم العلم سار في طريق الحضارة والرقي.
وهكذا تمضي رسالة الحقوق من حق الله إلى حق النفس، ومن حق الجوارح إلى حق الوالدين، ومن حق الأسرة إلى حق المجتمع، في نسق بديع يشبه انسياب النهر من منبعه حتى مصبه، فلا ترى فيها انفصالًا بين العبادة والأخلاق، ولا بين الإيمان والعمل، ولا بين الفرد والمجتمع، بل ترى بناءً متكاملًا تتعانق فيه السماء مع الأرض، والروح مع الجسد، والحق مع الواجب، والعدل مع الرحمة.
ولعل السر في خلود هذه الرسالة أنها لم تُخاطب زمنًا بعينه، بل خاطبت الإنسان حيثما كان، وكيفما كان، لأنها لم تعالج حادثة عابرة بل عالجت جوهر الإنسان، ولم تُرمم جانبًا من حياته بل بنت حياته كلها على أساس من التقوى والكرامة والعدل والإحسان. ولذلك بقيت كلمات الإمام زين العابدين عليه السلام حيّة في الضمائر، مشرقة في العقول، نابضة في القلوب، تذكّر الناس بأن الحقوق ليست ألفاظًا تُتلى، ولا شعارات تُرفع، وإنما أمانات تُؤدى، وأن الإنسان لا يبلغ كماله حتى يعرف حق ربه، ثم حق نفسه، ثم حق من حوله، فإذا فعل ذلك استقام ميزان حياته، وأشرقت روحه بنور الهداية، وكان كما أراد الله له خليفةً في الأرض وشاهدًا على الحق وساعيًا إلى الخير، والحمد لله رب العالمين.















0 تعليق