.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
منذ أن خرج برومو فيلم «العابد» للنور – منذ عامين تقريبًا – وأنا أبحث عبر المنصات عن هذه المقاطع البسيطة، والعظات التي يسرد فيها الوعاظ والقساوسة والمعاصرون السيرة الذاتية للقمص بولس المقاري، أو "العابد" كما لقبه محبوه.
لا تفعل مثلي.. فأنا أعترف أنني حينما استلمت دعوتي لحضور «العرض الخاص» من بحر الكلام الشاعر «رمزي بشارة»، استلمتها بيد المواطن القبطي الملهوف لمشاهدة العمل. لم يكن في قرارة نفسي أي نية صحفية مبيتة تجاه الحدث، فكنت في حاجة ماسة أن أتلامس مع الله روحيًا، وكانت خطواتي تجاه مسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية على هذه النية فقط.
إلا الـ180 دقيقة اللواتي قضيتهن هناك، أجبرتني على ارتداء سُترتي الصحفية؛ لأنقل للآخرين ما رأيته بشكل أمين - قدر الاستطاعة - مع مراعاة أن الفن في رؤيتي لا يُقيم، فلكل فن جمهوره الذي يحبه ويقدره، ومن جهتي أنحني لكافة الرؤى المختلفة مع المؤيدة.
أربطوا الأحزمة.. سننطلق في رحلة مُكونة من 6 محطات.. هيا بنا

الورق «السيناريو والحوار»
اعتراف آخر، عشت فترة طويلة من صباي في حالة تساؤل: "هل أنا ممكن أكون زي القديس ده في يوم من الأيام؟ طب 10% من حياته؟"، إذ كان القديس في الفيلم يضيء منذ نعومة أظافره، يصنع المعجزات ويردد المزامير فقط، لا حياة إنسانية كالتي أعيشها، لا خوف، لا غضب، لا شعور بشري كهذا الذي يراودني بين الحين والآخر.. وهو ما أصابني بقلق على مصيري بالسماء.
إلا أن العابد طمأنني، فقد كان إنسانًا حقيقيًا، يضحك ويبكي، يترك منزله بعد حادث في الرحمانية، ويخشى أن يُثقل على مضيفيه في العسيرات، يُعقر من كلب في صباه، ويروض ضبعًا في رهبنته، يؤمر من قبل العذراء بترميم كنيستها ويصيبه الخوف من المجاهرة بالأمر. إنسانًا صار بالجهاد والنعمة قديسًا، وهو ما همس في أذني: "جاهد.. لتصل بنعمة الله".
قبل أن نقرأه سويًا اسمح لي أن أحيطك علمًا بأن الورق في السير الذاتية مرحلتين: المرحلة الأولى هي القصة التي سيُخرج من رحمها المرحلة الثانية، وهي مرحلة السيناريو والحوار، فكلما كانت «الحدوتة» فيها تفاصيل معروفة، والشخصية مُعاصرة، وحضرها الأفراد، كان الكاتب مُبختًا، بزخم تاريخي يمنحه طوفان من التفاصيل الشخصية التي يبحث عنها المشاهد.
إلا أننا هنا أمام أمر محير، فالقمص العابد الذي تنيح – وهي لفظة سريانية تعني استراح وتستخدم في الوسط الكنسي للتعبير عن الوفاة – عام 1965 لم تؤرخ الكثير من الأحداث عن طفولته وصباه. إلا أن الدكتور فريد النقراشي، كاتب السيناريو والحوار، نجح أن يُحيي التفاصيل البسيطة الواردة عنه في مشاهد تتبرع في ذاكرة المشاهد، مثل: مشاهد تناول الفطور بالحقل، والهروب من المنزل إلى الدير، والعقر من الكلب الضاري.

أعجبني غمس اللقمة الروحية الدسمة في طعم كوميدي لطيف في رمي الإفيه: "عمدوك وأنت صغير ولا نسوك"، وهو ما ينفرد به النقراشي في الأفلام المسيحية تقريبًا، وعودنا عليه منذ أن أبلغ "عم حنين - الفنان لطفي لبيب" بنفوق الـ20 معزة، في فيلم "السائح – القمص عبد المسيح المناهري"، وأيضًا طريقته الكوميدية في التعبير عن الفرح الروح وقت شكر الله: «شاااكرينه».
كما أعجبني تقديم الورق للعابد بصفته رجلًا صعيديًا "بيفهم في الأصول"، جاء ذلك في طريقة مواجهة "أبو شنودة" الذي نعت الرهبان بـ"العوالة"، كلمة عيب تجاوزت أذن الفنان فتوح أحمد واستقرت في أذن آخرين، ولن أختم هذه الفقرة دون أن أعرب عن تأثري الشديد بدور تناغو، فهو البطل الثاني في رؤيتي بعد العابد، قديس آخر كتب دوره بعناية فاقت الوصف كرسالة وعظية فوق منبر.. موسى أسود جديد بالحق.

أمر محير، فالورق أشبه بوجبة لا تُهضم في مشاهدة واحدة، فقد كان العرض الخاص يحتاج أن يكون للصباح، نُشاهد فيه العمل مرات ومرات لتشهد عمل الله في دراما الكنيسة 2026، فبالحق يعتبر النقراشي هبة من هبات الله لمنبر الدراما، إلا أنني لدي نقطة واحدة وأثق أنني لم أفهمها لجهلي بالسينما، ولا أدري إن كنت أحتاج أن أوجهها للكاتب أم للمخرج، وهذه النقطة تخص النهاية، ما سر ربط إحياء الطفل من الموت بنياحة القديس، ولماذا قال إن روحه مربوّطة بسلاسل، فهل يتعلق ذلك بالموروث الشعبي وهل له وجه روحي أو كنسي؟ تلك نقاط استوقفتني كوني رجلًا غير متخصص في السينما، وأثق أنني حينما سأشاهده مجددًا سيفتح الرب فهمي على الأمر.
الأشعار
بما أننا بدأنا بالورق، فهناك ورق آخر في قمة الأهمية، وهو الأشعار، لاسيما وأن "العابد" امتلأ بالأشعار الملحنة والمسجلة، والتي كانت أشبه بالختم فوق كل مرحلة من مراحل العمل.
حينما رأيت اسم رمزي بشارة في خانة الأشعار، قلت في قرارة نفسي: كيف ستفاجئنا في هذا العمل؟ إذ اعتدت منه على انتقاء أفكار وموضوعات وزوايا قلما يدخلنا منها شاعر آخر، فلم نر تتر عمل فني يخاطبنا فيه القديس بنفس "اللازمة" المصاحبة لحديثه العادي: "بقولك إيه يا خويا أنت لا أنا إعجاز ولا فلتة ولا كامل ولا حاجة تراب أنا واسمي فلتاؤوس".

إلا أن هذه المرة لم يفاجئنا بحر الكلام في انتقاء الموضوعات فحسب، بل في طريقة الكتابة نفسها، فلأول مرة أرى استخدام المربعات في كتابة أشعار فيلم ديني، والمربعات يا عزيزي لون أصيل من ألوان الشعر الشعبي ازدهر في صعيد مصر، وهو ما يبرر استخدام رمزي بشارة لهذا اللون، إذ إن "العابد" كان رجلًا صعيديًا، وهو ما أثر أيضًا في الموسيقى التصويرية كما سنتناول فيما بعد.
بالعودة للمربعات، فنجد أنه لون "صعب"، وفكرة أن يلجأ شاعر لكتابته في أشعار فيلم فهو يختار الباب الضيق، لأن المربعة تتكون من أربعة أشطار تقوم على نظام دقيق في الوزن والقافية؛ إذ تتحد قافية شطور مع آخرى، بما يمنحها جرسًا موسيقيًا خاصًا يجعلها قريبة من الغناء والحكي الشعبي في آن واحد.
بكل أسف لم أتمكن من تدوين الكلمات التي تغنى بها مينا حليم ومايكل رضا ونازريت بولس، إلا أنني لازلت أذكر أن المفردات المستخدمة كانت "بالسلوفانة بتاعتها"، مفردات جديدة كملابس العيد تنساب من السماعات لتستقر في القلوب لا الآذان، كأنه: «كلام جديد لم ننطقه قبلًا.. اتعمل مخصوص علشان فيلم العابد»، والسؤال هنا: هل تعتبر أشعار العابد تحديًا لرمزي بشارة نفسه، إذ إنه مطالب بدرجات أقوى في الإبداع في العمل الجديد؟!
الإخراج
اعتاد جوزيف نبيل أن يفاجئنا في كل فيلم بخروجه من منطقة اعتاد على تقديمها بعض مخرجي الأفلام المسيحية قديمًا، وهي: "بِكَآبَةِ الْوَجْهِ يُصْلَحُ الْقَلْبُ" (جا 7: 3)، إلى منقطة عظيمة وهي: "اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ" (في 4: 4)، وأيضًا إلى: "فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ وَلَا يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو 16: 22).
فلم يعد البطل باكيًا طيلة الفيلم، فحتى في أشد حالات العابد تأثرًا، كلحظة وفاة تناغو أو مقتل مرزوق أو ترك بيت الرحمانية، قدم جوزيف المعادلة الصعبة للرجل الصعيدي القوي المتأثر بالحزن لكنه مسنود بالنعمة ولم ينهار، متأثرًا وتترقرق الدموع في عينيه إلا أنه قوي وله القدرة على أن يعود للحياة مجددًا.

الفلاش باك، والربط بين المواقف الزمنية القديمة والحديثة، مدرسة جوزيف نبيل التي أعتقد أنه بدأها منذ الراهب الصامت، وأخذ ينمو فيها حتى تخطت حد المفاجأة في العابد، فعودنا الرجل على أن يأخذنا في نزهة بين السنوات، يقدم في الحاضر وأخرى في الماضي دون أن تشعر بغضاضة في الأمر، أحب هذه المدرسة كمشاهد، وأعترف بأنني أحببتها بشدة في العابد.
كان المخرج في العابد مدير "شاطر" للأداء التمثيلي، وتجلت هذه الإدارة في وجود "وحوش" الإبداع، فالبطل مدرس للتمثيل وهو د. فريد النقراشي، مع وجود ملحمة تكونت من د. أحمد حلاوة "رحمه الله"، ومحمد رضوان وفتوح أحمد وحنان سليمان ولطفي لبيب "رحمه الله"، ويوسف حافظ وسامح فكري ومجدي شكري وإحسان ترك "رحمه الله"، وعاصم سامي وطاهر الحكيم وناجي سعد ومجدي فوزي، إلا أنني اختُطفت من الفنان الذي أبدع في تقديم دور رياض، عذرًا لجهلي باسمه لكني متأكد من أنني سأذكره كثيرًا في المستقبل ليعطه الرب فرصة للإبداع، وليُشكر المخرج الذي قدمه لنا.

حرص المخرج على إبراز الجمل التي لن تخرج من أذهان المشاهدين بسهولة، مثل: “فوتهالهم يا مرشدي فوتهالهم.. يا حبيبي يا ولدي"، هذه الجمل التي قد تبدو عادية أدار المخرج نبرات صوت الممثلين لتصبح ختمًا أو توقيعًا لصق في طبلات الأذن منذ طرح البرومو كطابع البريد، ولن اتحدث عن الكادرات وزوايا التصوير فيجب عليك عزيزي أن تراهم بنفسك، لأن الكلمات لن تفي غرضي من التعبير، ورُغم ذلك إلا أنني لا زلت أتوجه بنفس الملاحظة التي كتبتها في ختام حديثي عن الورق عن نهاية الفيلم، ولا أعرف بحكم جهلي هل هي من يد المخرج أم المؤلف، ولا زلت أعشم أن يفتح الله ذهني بعد مشاهدة الفيلم مجددًا على الأمر.

الموسيقى
مما لا شك فيه أن وتريات عمانوئيل سعد، كبصمة الإصبع، يُشكلها كـ"الصلصال" في كل عمل، إلا أن العابد يعد خروجًا عن المألوف الذي كان بالفطرة طيبًا على القلوب، ففي هذه المرة اقتحم المزمار الأجواء مشعلًا الروح الصعيدية منذ تتر البداية مما أهب المشاهد لنغمات ونوت موسيقية تنطق كالممثلين.
كما اختار جوزيف نبيل كوكبته في التمثيل، لم تكن كوكبة عمانوئيل سعد أقل قوة، بل على العكس كانت خير مترجم لفكر عمانوئيل وجوزيف، فاستعان في وضع الموسيقى التصويرية بالدكتورة هناء طانيوس على الفلوت، والدكتور راجي كمال على القانون، والدكتور أمير عزت على الإيقاع، واستعان باثنين من خير المتكلمين بلغة الوتريات وهما جان بشرى عملاق التشيللو وماجد عريان فنان الكمان، كما كان للحظات الشجن بصمة خاصة من فم عازف الناي توماس القمص لوكاس وعازف الكولة مراد صبري، إضافة إلى كوكبة أخرى يعجز ذهني عن تذكر كافة الأسماء.

يثبت عمانوئيل أن الموسيقى منبر، لا يعتليه من يجيدها فقط، بل من يجيد مزجها بقيادة روح الله، فعمانوئيل في الأصل خادم قبطي يقود الكورالات ويكرز بها، ويصرخ بموسيقاه قائلًا: سبحوا الله في جميع قديسيه في جلد قوته على مقدرته ككثرة عظمته بصوت البوق والقيثار والمزمار.
السمة الروحية والكنسية في موسيقى عمانوئيل سعد لم تختفِ في أي من أعماله، بل كانت كمصباح لا يمكن أن يوقد ويوضع تحت المكيال، ففي الشجن لم تقوده المقامات الحزينة إلى المنطقة التي تُكئب المشاهد، بل يقوده روح الله إلى منطقة التعزيات، وفي لحظات الفرح لا يشعل المشاهد بموسيقى تخاطب الجسد، بل موسيقى تخاطب الروح وتعطي فرحًا في الرب.
الترانيم

جاءت الترانيم لثلاثي من ألطف الأصوات الكنسية، فجاء تتر البداية بصوت مايكل رضا، صوت كنسي بحق يفسح الطريق لما هو آتٍ بعده، كقوة صوت المعمدان الذي أفسح الطريق لعمل الله. بينما جاء النهاية لهذا الصوت السوداني العذب والملائكي نازريت بولس، الذي جاء ليصبح "ختامها مسك"، فالمقدمة والخاتمة يضعونك في قالب موسيقى يُحاصرك، أعتقد أن صوت مايكل ونازريت نموذج للصوت التسبيح الملائكي الذي سنسمعه في السماء.

أما مربعات وترانيم الفيلم فجاءت بصوت مينا حليم، وصوت مينا حليم رغم عدم معرفتي الشخصية به، إلا أنه صوتي المفضل، هرعت للقاءه في فقرة الاستراحة ولم اتمالك نفسي قائلا: أنت اللي رنمت صح؟، ففوجئ الرجل وقال لي عرفت منين.. عذرًا فهو لا يعرف أنه الصوت الذي لطالما استخدمه الله في توجيه رسائله لي في خلوتي ومخدعي: "أنا لست أرجوك لكي تبقى معي إذ أنت ابني إنما لك الاختيار"، روحيًا مينا من ضمن الأصوات التي يمكن أن نقول أنه أصوات “ممسوحة بروح الله”، وفنيًا جاء اختيار مينا لغناء المربعات "الصعيدي" اختيارًا صائبًا فهو من مجيدي الترانيم بالصعيدي، ولعل: "كنيستي بنت أصول.. ولما دعاني ربي" خير دليل.

الماكياج

مندهش من الروح العظيمة التي جمعت بين الماكيران الرائعان: عزيز صليب، الذي تفرغ لمكياج بطل العمل د. فريد النقراشي، وجينو، الذي قام بمكياج بقية أفراد العمل. فكليهما يتمتعان بهذه الروح التي لطالما حرصت الكنيسة على تصديرها طوال الفترة، فوجود خبرة وحرفية الجيل القديم، ممثلة في اسم عزيز صليب الذي لم يخلو منه أي فيلم مسيحي، مع تطور الجيل الجديد وإبداعه، ممثلًا في جينو، أمر لا ينتج عنه إلا ملحمة رأيناها في العابد.

على المستوى الشخصي، أتمنى أن أرى هذا المزج بين الجيلين في كل الأعمال، فالكنيسة تستحق أن تنعم بالمواهب والعطايا التي يمنحها الروح القدس للجيلين، ولنا في عزيز صليب وجينو خير مثال.
الختام.. شكرا لدير الأنبا شنودة
لن أطيل في الختام، سأستعير فقط تعبيرًا جاء على فم مقدمة العرض الخاص، الإعلامية والبرلمانية د. دينا عبد الكريم، والتي قالت إن العابد فيلم نستدل من خلاله على أن هناك حالة نضج فني داخل الكنيسة. أصلي إلى الله أن يديمها علينا، ولم تكن هذه الحالة بدون صلوات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ورعاية نيافة الحبر الجليل الأنبا أولوجيوس، أسقف ورئيس دير الأنبا شنوده، رئيس المتوحدين بسوهاج، وهو الدير الذي قدم لنا هذه الهدية وأنتج عملًا من أجمل أعمال الدراما المسيحية..
ولا يمكن أن أنسى أن ثمرة العابد الحلوة في فمنا هذه، جائت ثمار تعب طاقم كامل من الفننين مثل:
منتج فني: رامي إبراهيم
مدير تصوير: جوزيف لويس
Art Director: كمال مجدي
مونتاج: سامر ماضي
تصميم أزياء: مريام عدلي
Colorist: متى رشدي
تصميم شريط الصوت: جرجس صبحي
منسق عام: منال جرجس
مهندس صوت: أحمد أبو ليلة
Vfx: أنطون ناجح
Advertising: ميللر عزت
Trailer By: مينا سمير















0 تعليق