.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
فى كل مرة يُثار فيها الحديث عن قانون الأحوال الشخصية، ينشغل البعض بمعارك الأرقام والحقوق القانونية المجردة، بينما تغيب الحكايات الإنسانية الحقيقية خلف أبواب البيوت المغلقة، هناك نساء وأطفال يدفعون يوميًا ثمن خلافات كان من المفترض أن تُحل بالرحمة قبل القانون، وبالمسئولية قبل الأحكام.
المؤلم أن بعض أكثر صور الظلم قسوة لا تأتى من الغرباء، بل من أقرب الناس، من الأب الذى كان يفترض أن يكون السند والأمان. فكيف يهون على أب أن يترك أبناءه دون نفقة تكفى احتياجاتهم الأساسية؟ وكيف يقبل أن يرى ابنته أو أم أطفاله تكافح وحدها من أجل الطعام والعلاج والتعليم بينما يتنصل هو من مسئولياته؟
لا أحد ينكر أن هناك نساء يُسئن استخدام بعض الحقوق، أو يتعسفن فى بعض الحالات، فالمجتمع لا يخلو من النماذج السلبية لدى الرجال والنساء على السواء، لكن الواقع يكشف أيضًا عن آلاف السيدات اللاتى يتحملن أعباء الحياة كاملة بعد أن اختفى الأب من المشهد، تاركًا خلفه أطفالًا يدفعون ثمن الخلافات التى لم يكونوا طرفًا فيها.
وفى المقابل، فإن الإنصاف يقتضى الاعتراف بأن المعاناة لا تقتصر على طرف واحد، فهناك أيضًا آباء يتحملون مسئولياتهم كاملة ويجدون أنفسهم وسط نزاعات طويلة تستنزف الوقت والجهد، كما توجد حالات يُساء فيها استخدام بعض الحقوق من أى طرف كان.
لذلك فإن جوهر القضية ليس الانحياز للرجل أو المرأة، بل حماية الأسرة وضمان ألا يكون الأطفال هم الخاسر الأكبر فى أى خلاف.
الأكثر إيلامًا أن بعض الآباء لا يكتفون بالامتناع عن الإنفاق، بل يدخلون فى معارك هدفها الانتقام أو التشهير أو تشويه السمعة، وكأن الانتصار أمام الناس أهم من الحفاظ على استقرار الأبناء، والحقيقة التى يتجاهلها البعض أن الناس الذين يسعون لإرضائهم، أو إثبات المظلومية أمامهم لن يعوضوا طفلًا حُرم من حقه، ولن يضمدوا جرح ابنة شعرت بأن والدها تخلى عنها، فالأسرة ليست ساحة حرب، والأطفال ليسوا أوراق ضغط، والكرامة لا تُبنى على كسر الآخرين، والأبوة ليست لقبًا فى شهادة الميلاد، بل مسئولية أخلاقية وإنسانية تستمر حتى آخر العمر.
من هنا تأتى أهمية أن ينظر قانون الأحوال الشخصية بعين أكثر عدالة وتوازنًا، وأن يوفر الحماية لكل من يتعرض للظلم داخل الأسرة، وأن يضمن وصول الحقوق إلى أصحابها بسرعة وعدالة بعيدًا عن سنوات التقاضى الطويلة التى تستنزف الأعصاب والكرامة معًا.
فالقضية فى النهاية ليست معركة بين الرجال والنساء، ولا ينبغى أن يتحول قانون الأحوال الشخصية إلى ساحة لتغليب طرف على آخر. المطلوب هو تحقيق توازن عادل يحفظ حقوق المرأة، ويصون حقوق الأب المسئول، ويضع مصلحة الأبناء فوق أى خلافات أو حسابات شخصية.
إن قوة المجتمع لا تُقاس بعدد القوانين فقط، بل بقدرته على حماية الأضعف فيه، فالمرأة التى تُترك وحيدة لتربى أبناءها، والأب الذى يؤدى واجباته ويستحق الإنصاف، والطفل الذى ينتظر حقه فى الرعاية والاستقرار، جميعهم يستحقون نظامًا أكثر عدلًا ورحمة، فحين تُصان حقوق الأسرة كلها، نكون فى الحقيقة نحمى مستقبل المجتمع بأكمله، والأهم أن يبنى الناس بيوتًا قوامها الحب وعمادها الرحمة وأساسها الأخلاق، حتى تفرز أجيالًا تنفع المجتمع، ونصيحة خالصة لله لا تشيدوا بيوتًا قائمة على جمر، ولا تزرعوا فى قلوب الضعفاء الكراهية والبغضاء.
قال تعالى «وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»











0 تعليق