وزارة الإسكان ترفع موازنتها إلى 36.6 مليار جنيه لمواصلة التوسع العمراني والمشروعات القومية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

في وقت تتجه فيه الحكومات حول العالم إلى ترشيد الإنفاق العام وإعادة ترتيب أولويات الموازنات تحت ضغط التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف التمويل العالمية، تكشف موازنة ديوان عام وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية للعام المالي 2026/2027 عن رسالة واضحة مفادها أن الدولة المصرية لا تزال تنظر إلى قطاع الإسكان والتنمية العمرانية باعتباره أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي خلال المرحلة المقبلة.

فوفقًا لمشروع الموازنة الجديدة، ارتفعت استخدامات ديوان الوزارة إلى نحو 36.6 مليار جنيه مقابل 26.8 مليار جنيه خلال العام المالي الحالي، بزيادة تبلغ 36.5%، وهي نسبة تفوق معدلات النمو في العديد من القطاعات الحكومية الأخرى، بما يعكس استمرار الرهان على قطاع العمران باعتباره قاطرة للتنمية الاقتصادية وأداة رئيسية لإعادة تشكيل الخريطة السكانية والعمرانية في مصر.

ولا يمكن قراءة هذه الزيادة بمعزل عن السياق السياسي والاقتصادي الذي تتحرك فيه الدولة حاليًا. 

فمنذ سنوات تتبنى الحكومة استراتيجية تقوم على التوسع العمراني باعتباره أحد الحلول الرئيسية لمواجهة تحديات التكدس السكاني، وضغوط الوادي والدلتا، وخلق مراكز اقتصادية جديدة قادرة على استيعاب النمو السكاني المتوقع خلال العقود المقبلة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ عدد غير مسبوق من المدن الجديدة ومشروعات الإسكان والبنية الأساسية، بدءًا من العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة، مرورًا بمدن الصعيد الجديدة، وصولًا إلى مشروعات الإسكان الاجتماعي وسكن لكل المصريين التي استهدفت توفير ملايين الوحدات السكنية لمختلف الشرائح.

ومن هنا تأتي أهمية الرقم الأبرز في الموازنة الجديدة، والمتمثل في تخصيص 24 مليار جنيه لبند شراء الأصول غير المالية والخطة الاستثمارية، مقابل 16 مليار جنيه خلال العام السابق، بزيادة تصل إلى 50%.

هذه الزيادة تعكس بوضوح أن الدولة لا تتعامل مع الإنفاق على الإسكان باعتباره إنفاقًا استهلاكيًا، وإنما باعتباره استثمارًا طويل الأجل في البنية الأساسية والعمران والمرافق العامة، وهي القطاعات التي ترتبط بشكل مباشر بزيادة الإنتاجية وتحفيز النشاط الاقتصادي ورفع جودة الحياة.

اقتصاديًا، يمثل قطاع التشييد والبناء أحد أكبر القطاعات المولدة لفرص العمل في السوق المصرية، كما يرتبط بعشرات الصناعات الأخرى مثل الأسمنت والحديد والسيراميك والكابلات والأدوات الصحية والأخشاب والنقل والخدمات الهندسية. وبالتالي فإن أي زيادة في الإنفاق الاستثماري على الإسكان والمرافق تنعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي ومعدلات التشغيل.

كما تأتي هذه المخصصات في توقيت تسعى فيه الحكومة إلى الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي وسط تحديات إقليمية ودولية متزايدة، تشمل استمرار تداعيات الأزمات الجيوسياسية في المنطقة، وتقلبات أسعار الطاقة والشحن العالمية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وهي عوامل دفعت العديد من الدول إلى تأجيل أو تقليص برامجها الاستثمارية.

وعلى الجانب السياسي، تعكس الموازنة الجديدة استمرار التزام الدولة بالملفات المرتبطة بشكل مباشر بالمواطن، وفي مقدمتها الإسكان ومياه الشرب والصرف الصحي والتنمية الحضرية. فهذه الملفات لم تعد مجرد خدمات تقليدية، بل أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي الشامل، خاصة في ظل النمو السكاني المتسارع والتوسع العمراني غير المسبوق الذي تشهده البلاد.

كما أن استمرار ضخ استثمارات ضخمة في هذا القطاع يبعث برسائل طمأنة للمستثمرين المحليين والأجانب بشأن استقرار السياسات التنموية طويلة الأجل وعدم تأثرها بالمتغيرات الاقتصادية قصيرة المدى، وهو ما يفسر استمرار تدفق الاستثمارات إلى المدن الجديدة والمناطق العمرانية الناشئة.

وفي المقابل، تكشف الموازنة عن ارتفاع الإنفاق الجاري إلى 12.6 مليار جنيه مقارنة بنحو 10.8 مليار جنيه خلال العام الحالي، وهو ما يعكس التوسع المستمر في حجم المشروعات والخدمات التي تتطلب إشرافًا ومتابعة وتشغيلًا من جانب الوزارة والجهات التابعة لها.

أما فيما يتعلق بموارد الديوان، فقد بلغت الإيرادات المباشرة نحو 1.18 مليار جنيه فقط، بينما وصل العجز الممول من الخزانة العامة إلى 17.8 مليار جنيه. غير أن هذه الأرقام يجب النظر إليها في إطار طبيعة ديوان الوزارة باعتباره جهة إشرافية وتنظيمية، بينما تمتلك الجهات التابعة للوزارة، وفي مقدمتها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، موارد وموازنات مستقلة تختلف عن موازنة الديوان العام.

وفي المجمل، تكشف موازنة وزارة الإسكان للعام المالي 2026/2027 عن استمرار الدولة في التمسك بخيار التنمية العمرانية الشاملة باعتباره أحد الركائز الأساسية للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. فبينما تتعامل الحكومة مع تحديات مالية واقتصادية معقدة، فإنها في الوقت نفسه تواصل توجيه استثمارات ضخمة نحو الإسكان والمرافق والمدن الجديدة، انطلاقًا من قناعة بأن بناء المدن وتطوير البنية الأساسية ليس عبئًا على الاقتصاد، بل استثمار في مستقبل الدولة وقدرتها على استيعاب الأجيال المقبلة وتحقيق التنمية المستدامة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق