هل يسمع الإمام الأكبر الصوتَ الآخر؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

لقد كتبتُ من قبل أنّني لا أخاف حين أقول ما أراه حقًّا، حتى لو وجدتُ نفسي واقفًا وحدي في مواجهة جموعٍ تفضّل الراحة على المواجهة، أو العاطفة على التجرّد، أو الصمت على مصارحة النفس بالحقيقة، فالأوطان والمؤسّسات الكبرى لا تُحمى بالمجاملات، ولا ينجو تاريخها بإخفاء ما يؤلم، لأنّ أخطر ما يصيب الوعي أن يتحوّل السكوت عن الخلل إلى فضيلة، وأن يصبح تشويه الحقيقة مجرّد اختلافٍ مشروع.

وأؤمن كذلك أنّ القلم ليس زينةً أدبية، بل مسؤوليّة ثقيلة، وأنّ من يملك قلمًا وحبرًا ونافذةً في صحيفةٍ كبرى يقرأها الملايين، لا يملك ترف الصمت، ولا حقّ مجاملة الخطأ، بل يصبح واجبُه أن يقول ما يراه نافعًا للوطن والمؤسّسات، ولو كان مرًّا، لأنّ الكلمة حين تُكتب بضمير، قد تكون أحيانًا آخر ما يتبقّى لحماية الوعي من الانهيار.

وليس أخطر على المؤسّسات الكبرى من عدوٍّ يهجم عليها من خارجها، بل من صمتٍ كثيفٍ يغلّف جدرانها من داخلها، حتى يصبح الإنكارُ عادةً، ويغدو السكونُ عقيدةً إداريةً، ويصير الوصولُ إلى رأس المؤسّسة ضربًا من ضروب المستحيل.

إنني أعرف الإمام الأكبر منذ أكثر من عشرين عامًا، وسمعتُ غضبَه غيرَ مرّةٍ من أوضاعٍ لم يكن يرضاها، ورأيتُ بعيني حرصَه القديم على الناس قبل المناصب، وعلى هيبة الأزهر قبل أضواء السياسة والإعلام، وقد استضافني في بيته بالأقصر مرارًا، وجلستُ معه على مائدة الطعام كثيرًا، وفي حضرته وحضرة شقيقه الأكبر الشيخ العارف بالله محمد الطيب - الذي أعتبره أبًا حقيقيا - شهدتُ مجالسَ الصلح والتحكيم العرفي في ساحة الطيب التي كان أهل الصعيد يلجئون إليها طلبًا للعدل وإطفاءً للخصومات، بعيدًا عن المحاكم وضجيجها.

ولم تكن علاقتي بعائلة الطيب علاقةَ لقاءاتٍ عابرة أو مناسباتٍ بروتوكولية، بل دخلتُ بيوتَهم جميعًا، وعشتُ بينهم أيامًا وليالي، ولم أرَ منهم إلا الكرم والمودّة وصفاء النفوس، عرفتُ إخوتهم وأبنائهم وأصدقاءهم وأحبّاءهم، وجالستُ رجالهم، وسمعتُ حكاياتهم، ورأيتُ في تلك البيئة الجنوبية الأصيلة معنى الشهامة والستر واحترام الكلمة والعهد.

كما أشرفت وشاركتُ ونظمت كثيرٍ من القوافل والخدمات الإنسانية والطبية على مدار أعوام كثيرة سابقة، وقت رئاستي للمجلس المصري لأطباء من أجل السلام، والتي نُظّمت في القرنة بالأقصر تحت رعاية الإمام الأكبر، حتى من قبل أن يصبح شيخًا للأزهر، وهذه العلاقة كانت ومازالت أقرب إلى الود من الرسميات، وأقرب إلى الوجع الحقيقي من التقارير المكتبية الباردة.

فهل ينتظر منّي الإمام الأكبر ـ بعد كل هذه السنوات من الودّ والمعرفة ـ إلا أن أقول كلمةً صادقة، قد تبدو قاطعة في ظاهرها، لكنها لا تخرج إلا من قلبِ محبٍّ يخشى على الأزهر أكثر مما يخشى على نفسه، ويخاف على اسم الإمام وتاريخه من أن تحجب الحقيقة عنه الجدرانُ السميكةُ التي يبنيها أصحاب المصالح حول كل صاحب مقام؟

ومن هنا يثور السؤال الذي لا أراه سؤالَ خصومةٍ ولا سؤالَ تمرّد، بل سؤالَ غيرةٍ على مقامٍ جليلٍ ومؤسسةٍ لو اهتزّت، كما قال – بنفسه - الإمام الأكبر، اهتزّت معها مصر والعالم الإسلامي بأسره: هل يسمع الإمام الأكبر الصوتَ الآخر؟

وهل تُرفع إلى فضيلته حقيقةُ ما يُكتب في الصحافة، وما يدور في أروقة مواقع التواصل الاجتماعي، وما يتناقله أبناء الأزهر من شكاياتٍ وآلامٍ وهموم؟ أم أن ما يبلغه إنما يصل إليه بعد أن تُهذَّب حوافّه، وتُنتزع منه الأشواك، وتُعاد صياغته وفق الزاوية التي يريدها ناقله لا وفق الحقيقة التي وُلد منها؟

ولعلّ هذا السؤال يزداد ثقلًا ونحن على أبواب عيد الأضحى المبارك، وفي ظلال يوم عرفة، ذلك اليوم الذي لا يقتصر معناه على تطهير الصحائف من الذنوب والخطايا، بل يمتدّ إلى تطهير المؤسّسات من العِلل، وتطهير الإدارة من الجمود، وتطهير الضمير من الاعتياد القاتل على رؤية الخطأ دون إرادة تغييره.

وقبل أعوام، في حديث لجريدة المصري اليوم، وصفته الجريدة بأنه "تصريحات خاصة" لها، ونشر يوم الثلاثاء 22 مارس عام 2011، ومازال موجودا للآن على منصة الجريدة، ونشر تحت عنوان: (شيخ الأزهر: الفساد في المشيخة وصل ذروته وأتعرض للحرب بسبب إغلاقي حنفية الأموال)، قال الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب إنه رفض الحصول على المكافآت والبدلات المخصصة له والمقدرة بـ70 ألف جنيه شهريًا، لوجود مخصصات بها وصفها بأنها غير منطقية وغير مبررة، لدرجة أن هناك مكافأة لـ«فتح الكراتين»، كما رفض الحصول على مخصصات شيخ الأزهر القانونية التى توازى مخصصات رئيس مجلس الوزراء.

وتابع الإمام الأكبر  أنه يتعرض لحرب من جانب بعض الموظفين، بسبب «إغلاقه حنفية الأموال» بعد أن وصل الفساد إلى ذروته خلال الفترة الماضية، وهو ما تؤكده التقارير الرقابية التى تلقاها، لافتًا إلى أن سلفه الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي لم يكن على علم بذلك ولم يكن يقبل مليمًا حرامًا، إلا أن الفاسدين تربحوا دون علمه.

وتساءل الإمام الأكبر والعهدة على الجريدة: «إذا كان الأزهر، وهو قلعة الإسلام، بهذا الوضع (العفن)، فكيف يكون وضع مصر؟»، مشيرًا إلى أنه استعان ببعض المستشارين من أهل الخبرة والثقة دون مقابل لتطوير الأزهر.

وردًّا على سؤالٍ لطالبةٍ بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، والذي نشرته جريدة اليوم السابع في يوم الثلاثاء 1 ديسمبر عام 2015، عن الهجوم الذي تتعرّض له المؤسّسة الأزهرية، أجاب فضيلته: أن الأزهر الشريف دائما مظلوم، وأضاف شيخ الأزهر، أنهم في الأزهر حريصون على مستقبل هذه البلد والأمة الإسلامية، مؤكدا أن الأمة الإسلامية كلها تعرف قيمة الأزهر جيدا، وأن من يريد أن يهتز الأزهر يريد أن يهتز استقرار مصر ومن ثم العالم الإسلامي بأكمله.

وأوضح شيخ الأزهر، أن الأزهر لا يشعر بالغضاضة من هجوم البعض، مشيرا إلى أن بعض وسائل الإعلام تريد بالفعل الإصلاح والبعض الآخر يريد عكس ذلك، مؤكدا استمرار الأزهر فى حماية أمانته التى وضعها العالم أجمع فى رقبته.

وهنا تتجلّى دلالةٌ شديدة الأهمية في كلمات الإمام الأكبر نفسها؛ فهو منذ اللحظة الأولى لتولّيه مشيخة الأزهر كان يدرك إدراكًا عميقًا، أنّ استقرار الأزهر ليس شأنًا دينيًّا معزولًا، بل ركيزةٌ من ركائز استقرار الدولة المصرية والأمة الإسلامية بأسرها، ولذلك لم تكن عباراته القديمة مجرّد توصيفٍ عابر، حين قال إنّ اهتزاز الأزهر يعني اهتزاز مصر والعالم الإسلامي، بل كانت إعلانًا واضحًا عن فهمه لثقل الأمانة التي يحملها هذا الكيان التاريخي.

وكانت أيضًا عبارته الصادمة حين وصف بعض الأوضاع داخل الأزهر بأنها بلغت حدّ “العفن”، ثم تساءل بمرارة: “إذا كان الأزهر، وهو قلعة الإسلام، بهذا الوضع، فكيف يكون وضع مصر؟”.

ذلك السؤال لم يكن مجرّد غضبٍ عابر، بل اعترافٌ صريح بأنّ أيّ خللٍ إداري أو مؤسّسي داخل الأزهر لا يبقى محصورًا بين جدرانه، وإنما يمتدّ أثره إلى صورة الدولة ذاتها، وإلى استقرارها الفكري والاجتماعي والديني، وكأنّ الإمام الأكبر، بتلك الكلمات، كان يُحمّل نفسه قبل غيره مسؤوليّة مواجهة هذا الخلل، باعتبار أنّ إصلاح الأزهر ليس ملفًّا إداريًّا محدودًا، بل جزءٌ من حماية توازن مصر نفسها وصيانة وجدان الأمة الإسلامية.

وهنا مكمن السؤال المتكرر!

إذا كان الإمام الأكبر يفرّق بين الهدم والإصلاح، فأين الذين كتبوا للإصلاح؟ وأين الذين دقّوا الأبواب محذّرين من أوجه قصورٍ إداريٍّ أو قانونيٍّ أو مؤسّسيّ داخل مؤسسات الأزهر الشريف؟

وهل استُدعي واحدٌ منهم إلى حوار؟ وهل نوقش فيما كتب؟ وهل شعر واحد من كتاب الإصلاح - ولو مرّةً واحدة- أنّ صوته بلغ موضع التأثير؟

إنّ المأساة الكبرى في المؤسّسات العتيقة لا تكمن في غياب العقول، بل في وجود الحواجز بين العقول وصاحب القرار، وأحسب - غيرَ جازم - أنّ الإمام الأكبر قد لا يتابع بطبيعته هذا الصخب الإلكتروني المتدفّق، وهو المعروف عنه زهده في وسائل التقنية الحديثة، واعتماده على هاتفٍ بسيطٍ لا يتصل بالإنترنت، ولا يزدحم بما تزدحم به هواتف هذا العصر من منصّاتٍ وشبكاتٍ وتدفّقاتٍ لا تنقطع.

ومن ثمّ، فإن ما يُعرض عليه، إنما قد يُعرض بعيون غيره، لا بعينه، وبفهم ناقله لا بحقيقة مصدره.

ولقد كتبتُ ـ على مدار سنوات عشرات المقالات عن الأزهر الشريف ومؤسساته، ولم تكن يومًا مقالات خصومةٍ أو شهوةَ هدم، بل كانت بشهادة المتابعين مقالات إصلاحٍ وغيرةٍ وانحيازٍ إلى بقاء الأزهر قويًّا قادرًا على أداء رسالته.

وكم دافعتُ عن الأزهر في مواجهة حملاتٍ أرادت النيل منه، غير أنّ الدفاع عن المؤسّسة لا يكون بإنكار عيوبها، كما أنّ كشف الخلل لا يعني الرغبة في إسقاط الكيان، فثمّة فارقٌ هائلٌ بين من يحمل مِعول الهدم، ومن يحمل مصباح التنبيه.

وكان اهتمامي الأكبر وما يزال بمنظومة الإصلاح الإداري والقانوني داخل الأزهر ومؤسّساته، لأنني أؤمن أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يتحقق داخل بنيةٍ إداريةٍ مترهّلة، ولا داخل منظومةٍ قانونيةٍ جامدةٍ أكل عليها الزمن وشرب.

لقد كتبتُ على صفحات هذه الجريدة وفي سلسلة من مقالات ستة، عن ضرورة تحديث قانون الأزهر، وتصوّرٍ يحفظ للإمام الأكبر مكانته الرفيعة وقدسية موقعه واستقلاله وأنه غير قابل للعزل، وفي الوقت نفسه يفتح نوافذ المؤسّسة على العصر، ويحقّق المقاصد التي تحدّثت عنها المذكرة التفسيرية للقانون ذاته، ثم بقي معظمها حبيس الورق.

وكنتُ أتوقّف طويلًا أمام مفارقةٍ لا تخطئها العين:

الإمام الأكبر، وهو في بدايات عقده التاسع حفظه الله وأطال عمره، يستقبل في ديوانه بمشيخة الأزهر رؤساء الدول والحكومات وممثلي المؤسسات الدولية، والوزراء والسفراء، ويعقد المبادرات والاتفاقيات ذات الطابع الدولي التي يكون الأزهر فيها سخيًا بعطائه ومشاركاته وإمكاناته وكوادره،  ويتحرّك في المحافل الدولية حركةً مدهشة، ويجوب العواصم العالمية للعلاج أو حضور المؤتمرات العالمية، بل ويقود مجلسا عالميا لحكماء المسلمين مقره الرئيسي ليس في مصر ولا داخل مشيخة الأزهر، وتُفرد لنشاطه الخارجي مساحاتٌ واسعة من التغطية الإعلامية، حتى بات المتابع يشعر مع مرور الوقت أنّ الحضور الدبلوماسي والدولي للأزهر قد اتّسع واتّسعت معه صورة المؤسسة بوصفها لاعبًا عالميًّا في الحوار والسياسة الناعمة، بينما أخذ حضورها الداخلي، واحتكاك الإمام الأكبر المباشر بمؤسّسات الأزهر وقواعده وطلابه والعاملين فيه، يقل شيئًا فشيئًا، وكأنّ الدور الخارجي يزداد اتساعًا كلّما انكمش الدور الميداني المحلي الذي يُفترض أنّه الأصل والأساس.

ولم يكن هذا التصوّر ضربًا من الظنّ، ولا رجمًا بالغيب، ولا ادّعاءً يُلقى جزافًا بغير بيّنة، بل هو انطباعٌ تفرضه الوقائع المتكرّرة، وتُنتجه المقارنة الطبيعية بين اتّساع الحضور الخارجي وتراجع الحضور الداخلي، فالمرء يتساءل في المقابل:

كم مرّةً زار الإمام الأكبر فروع جامعة الأزهر في الأقاليم في الوجه البحري وأسيوط ودمياط الجديدة، وجلس إلى الطلاب والطالبات وأعضاء هيئة التدريس والعاملين بعيدًا عن البروتوكولات، ليستمع إلى مشكلاتهم ومظالمهم بلا حواجز أو وسطاء ولا تقارير معدّة سلفًا؟ وإلى أي مدى كان يمكن أن يتحول هذا الاستماع المتكرر إلى واقع ملموس يخفف ما يعانيه الجميع من مشكلات ومظالم لا تصل صحيحة إلى الإمام نفسه؟

كم مرّةً تفَقَّد الإمام الأكبر المستشفيات الجامعية التابعة للأزهر في القاهرة ودمياط الجديدة وأسيوط ليرى بنفسه مستوى الخدمة والإدارة والانضباط، وليطمئن على كفاءة التعليم الطبي، وحق المترددين من المرضى في حقوق إنسانية ومهنية تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي يمثلها الأزهر ومؤسساته التعليمية والخدمية، بالإضافة إلى الجودة المرجوة؟ 

كم مرة طلب الإمام الأكبر، بوصفه المشرف على بيت الزكاة والصدقات المصري ورئيس مجلس أمنائه وفقًا للقانون وقرار رئيس الجمهورية، الاطلاع بنفسه على الطلبات التي تم رفضها من بعض طالبي الزكاة والمساعدات، ليدقق في أسباب الرفض ويتأكد من سلامتها، ويطمئن إلى أن أصحابها بالفعل من غير المستحقين؟ خاصة أن القانون منح هذه المؤسسة وضعًا استثنائيًا، فلم يجعلها خاضعة بالصيغة التقليدية لجهة رقابية مستقلة، بل وضع مسئولية الرقابة والإشراف الإداري العليا مباشرة تحت ولاية شيخ الأزهر، تكريمًا وتعظيمًا لمكانته الدينية والوطنية. ومن هنا، فإن حجم المسئولية يظل مضاعفًا، لأن أي قرار بالرفض قد تكون وراءه أسرة مكلومة أو مريض أو محتاج لا يملك بعد الله سوى باب هذا البيت.

قد يكون هذا قد حدث، لكنه لا يعلن عنه، وكثير من أهل الحاجة تصلني شكواهم، بأن الطريق إلى تقديم الطلبات ليس يسيرا بالقدر الذي يناسب الفقراء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولا يسألون الناس إلحافًا.

كم مرّةً فُتح بابٌ مباشرٌ للمظلومين والمتضرّرين بعيدًا عن دوائر النفوذ ومراكز القوى داخل مؤسسات الأزهر؟ ثم تتواصل الأسئلة بمرارة: كيف أن كثيرًا من الشكاوى حين تُطرح تتحوّل في مسارها إلى أصحاب الشكوى أنفسهم، فيُعاد تصنيفها أو تأويلها بما يُفرغها من مضمونها، لتكون النتيجة في أحيانٍ كثيرة صادمة ومخيّبة للآمال.

ألم يكن من الممكن التفكير في آلية أكثر استقلالية وشفافية، كأن يُعلن الإمام الأكبر عن بريد إلكتروني خاص لتلقي المظالم والشكاوى، لا يطّلع عليه إلا بنفسه أو من خلال دائرة شديدة الثقة من أقرب الموثوق فيهم، مع تشكيل فريق خارجي مستقل تمامًا عن المنظومة التقليدية داخل الأزهر، يتمتع بالحياد الكامل، ولا يخضع لتأثير مراكز القوى، وتكون مهمته التحقق من الشكاوى وفحصها بدقة، ثم رفع الحقيقة كما هي دون تجميل أو تدخل، ليصل القرار في النهاية أكثر قربًا من العدل والإنصاف... ألا يحقق هذا فرصة الاستماع العادل للمظلوم قبل المسئول، حتى لا يتحوّل التظلّم إلى عقوبةٍ على صاحبه بدل أن يكون طريقًا لإنصافه؟

وكنت أندَهش حين تطالعنا الصحف أو بيانات المراكز الإعلامية لمؤسسات الأزهر المختلفة، بقرارات تكليف بعض القيادات في مؤسسات أخرى بمهام داخل كيانات الأزهر بعد خروجهم من الخدمة لبلوغهم السن القانونية، رغم أن من بينهم من كان عليه مواقف سابقة لم تُحسم بشكل واضح، والأكثر إثارة للتساؤل، حين يُسمح لأستاذ جامعي لم يتبقَّ له سوى أشهر قليلة على بلوغ السن القانونية للمعاش أن يتولى عمادة كلية كنوع من التكريم، أو حين يتكرر تكليف بعض القيادات في مواقعهم ذاتها أو في مواقع مشابهة بعد انتهاء مددهم القانونية تحت مسمى “القائم بالأعمال” أو التسيير المؤقت الذي يتحول أحيانًا إلى حالة دائمة.

هذا النمط من التدوير الإداري لا يمر دون أثر عميق على الأجيال المتعاقبة داخل المؤسسة، فهو يرسّخ شعورًا بأن فرص التقدم ليست مرتبطة بالكفاءة بقدر ما هي امتداد لشبكات النفوذ والعلاقات، وأن المناصب قد تتنقل بين نفس الدوائر المغلقة دون تجديد حقيقي في الدماء أو الأفكار، ومع الوقت، يتولد إحباط متزايد لدى الشباب وأعضاء هيئة التدريس الصاعدين، إذ تتراجع لديهم الثقة في عدالة الترقي والاختيار، ويشعر كثيرون بأن سقف الطموح محدود سلفًا داخل منظومة تعيد إنتاج نفسها.

والنتيجة الأخطر أن دائرة النفوذ تظل تدور داخل نفس الإطار، تنتقل من منصب إلى آخر دون مراجعة جذرية أو مساءلة حقيقية، بما يضعف روح المنافسة ويؤثر على جودة القرار الإداري، ويجعل الإصلاح أكثر صعوبة كلما طال أمد هذا النمط من الإدارة.

في الوقت ذاته، ومع هذا التوغّل المستمر للنفوذ داخل مواقع التأثير، نجد أن منشورًا كتبه على صفحته بالفيسبوك الأستاذ الدكتور إسلام شوقي أستاذ ورئيس قسم أمراض القلب بكلية طب البنين بجامعة الأزهر، تحت عنوان: (من ينهي السنوات العجاف) يقول فيه:

بنهاية هذا العام بإذن الله تعالى، لن يكون هناك مدرس مساعد ولا معيد في قسم القلب والأوعية الدموية بطب الأزهر، بعد أن يدخل آخر الزملاء المعينين كمعيدين من دفعة ٢٠١٥ امتحان الدكتوراه، لن يكون هناك معيدين ولا مدرسين مساعدين في قسم القلب، ولا في سائر أقسام كلية الطب بجامعة الأزهر، إذ توقف التعيين عند دفعة ٢٠١٦ وللآن... أي خسارة فادحة، وأي فراغ كبير، وأي تفريط في أغلي وأثمن ما نملك من طاقات وقدرات..

لم يعد أمام هؤلاء الأفذاذ المتميزون إلا البحث عن فرصة سفر للخليج بأي راتب، أو الهجرة إلى الغرب بأي شكل، أو التعيين في مستشفيات وزرارة الصحة، وتعطل مسارهم التعليمي والأكاديمي الذي كان واعدا جدا بظهور جيل عظيم من الباحثين والدارسين والمعلمين والأساتذة..

وأضاف الأستاذ الدكتور إسلام شوقي قائلا: أكتب كأستاذ ورئيس قسم، عاصر نخبة من أنجب من قابلت، وقد قابلت الكثير في حياتي: شباب متعلمون، شغوفين، ملتزمون، ماهرون إلى الحد الذي يتمناهم أي مجتمع، ويتشرف بهم أي وطن، ثم لا يجدون من يفتح لهم ما يستحقون من باب الأمل كي يستمروا فينتفعوا في حياتهم، ومن ثم سينفعون جامعتهم وكليتهم وأقسامهم ومرضاهم، والأهم أنهم سيكونون عونا وسندا لمن سيأتي بعدهم من زملائهم، كي تستمر الجامعة في آداء رسالتها في تواصل الأجيال، وهي رسالتها الأسمى..

وفي نهاية مقاله يقدم استغاثة ونداء ورجاء لمن يهمهم أمر هذا الوطن، ومن يتأملون في مستقبله أياما أفضل، وأن هذا المستقبل لن يأتي إلا إذا تمت العناية والاحتفاء بمن هم أغلي وأهم.. الأوائل المتميزون.. ثم يوجه رجاء: نرجوكم أن تعلنوا عن وظائف بجامعة الأزهر الشريف لتعيين الأوائل من دفعات ٢٠١٦ وما تلاها من دفعات. وانتهى حديث الأستاذ الدكتور إسلام شوقي.

ألم تكن عشر سنوات مدة كافية لأن يتدخل فضيلة الإمام الأكبر بثقله المعنوي الكبير، وبعلاقته الطيبة مع مؤسسات الدولة وما يحظى به من تقدير واحترام واسع داخلها، للوصول إلى حل حاسم لأزمة عدم التعيين؟ وحتى إن كانت الإمكانات المالية في بعض الفترات لا تسمح بتوفير الرواتب بصورة كاملة للظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها الدولة، أما كان من الممكن البحث عن حلول استثنائية تليق بحجم الخطر؟ فالأزهر بما له من مكانة عالمية، وما تتلقاه مؤسساته من دعم وتبرعات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كان يمكنها - ولو بصورة مؤقتة - أن تسعى لتوفير الدرجات الوظيفية المطلوبة ثم دعمها ماليًا من داخل الأزهر إلى أن تستقر الأوضاع، وتستعيض هذا الدعم مرة أخرى من الدولة.

وقد يبدو هذا الطرح للبعض أقرب إلى الحلول الخيالية، لكن الحلول الخيالية أحيانًا تصبح ضرورة واقعية عندما يكون البديل هو إفراغ كليات الطب من الأجيال الجديدة، في وطن يعاني من ندرة الأطباء وهجرتها، واتساع الفجوة بين الأجيال داخل المؤسسة بصورة تهدد استمرارية الكفاءة العلمية والأكاديمية.

إن عشر سنوات من غياب التعيينات ليست مجرد أزمة إدارية عابرة، بل مسار طويل كفيل بأن يضع كليات الطب داخل الجامعة أمام خطر حقيقي يمس مستقبلها وقدرتها على الاستمرار والتطور.

وبعد ما سبق يظل هناك السؤال الذي يفرض نفسه الآن بإلحاح: هل ما يزال الإمام الأكبر يرى أنّ ذلك “العفن” الذي تحدث عنه داخل مؤسسات الأزهر قد انتهى؟ أم أنّ الزمن أعاد إنتاجه في صورٍ جديدةٍ أكثر تعقيدًا وأشدّ قدرةً على التخفي؟

لقد كتبتُ عن بعض ما يجري في الأزهر الشريف، وعن بعض كلياتها، وسيطرة قيادات كليات بعينها على كليات أخرى حتى ظلت سنوات طويلة بدون تطوير أو استكمال كادرها الأكاديمي أو تواجدها على ساحة البحث العلمي والدراسات العليا، في وقت تفتتح الجامعة فيه كليات جديدة، ولم يكن هدفي يومًا التشهير أو الإثارة، بل دقّ ناقوس الخطر، والذي استجابت له جامعة الأزهر مؤخرًا وأخذت في تصحيح بعض الأوضاع بعد تأخر كبير!

 لكن المؤسف أنّ بعض ردود الفعل في البداية لم تنصرف إلى بحث ما كُتب، بل إلى محاولة البحث عمّن يظنّون أنّه مصدر المعلومات، متصورين أني كاتب من الهواة، ولست كاتبا محترفا ينتمي لنقابة مهنية للكتاب، ويكتب في صحيفة مؤثرة في دوائر صنع القرار، ولها الملايين من المتابعين في مصر والعالم، وهم لا يدركون أنّ الكاتب المهني لا يكتب ارتجالًا، ولا يعتمد على شخصٍ حتى لو كان أكبر مسئول في المؤسسة نفسها، بل يعمل عبر شبكاتٍ واسعةٍ من المتابعة والرصد والتحقّق، ومكتب يدير وثائقه ومعلوماته ومعاونين له يساعدونه في الوقوف على الحقائق، وأنّ ما يُكتب في الصحافة الرصينة في البداية، ليس إلا جزءًا محدودًا مما يُعرف، بينما تبقى التفاصيل الأعمق لدى الجهات المختصّة متى أرادت الفحص والتحقيق، ومتى حاول الطرف المنتقَد أن يرد بما يعكس غير الحقيقة أو يكيل الاتهامات بعدم الدقة والتحري، وقتها يكون الكشف الكامل حق من حقوق الكاتب والصحافة المسئولة.

ولستُ هنا معنيًا بإقناع أحد، لأنّ الأهمّ من اقتناع الأشخاص أن تصل الرسالة إلى من يملك القرار والإرادة السياسية للفهم والمراجعة والإصلاح، وأعتقد أنها تصل بدقة، وأن الدولة لا يمكن أن تكون غائبة أبدا.

إننا اليوم – أيضا - أمام مواجهات أخرى، موجات إلحادٍ صاخبة، ومنصّاتٍ تسخر من الإسلام ورسوله، وتبثّ الأكاذيب والشبهات بلغةٍ جذابةٍ تصل إلى الشباب أسرع مما تصل إليهم خطب الوعظ التقليدية.

ونحن ـ-في المقابل- أمام فتاوى شاذّة، وأصواتٍ محسوبةٍ على الخطاب الديني تُسهم ـ بقصدٍ أو بغير قصد ـ في دفع الناس إلى النفور والشك وفقدان الثقة، فهل يكفي في مواجهة هذا كلّه أن نبقى أسرى الإدارة التقليدية والدوائر المغلقة؟

إين التحرك الإعلامي الأقوى للأزهر الشريف، الذي يُغرق هذه المنصات الباطلة بالرد العلمي الصحيح وبحقائق الدين وثوابته، دون أن يكون الرد مجرد رد فعل، حين يشتعل المجتمع ويسأل: أين دور الأزهر الشريف؟

وأين تدخل الأزهر دوليا، لوقف هذه الإساءات التي تبث من دول عربية وأجنبية يستقبل رؤسائها وممثليها بحفاوة في مؤسسات الأزهر؟

وهنا أعود إلى السؤال الأوّل:

هل يسمع الإمام الأكبر الصوت الآخر؟ هل يفكّر في تخصيص نافذةٍ مباشرةٍ تصل إليه بلا وسطاء؟ هل يفكّر في مراجعة الصورة التي تُنقل إليه عن مؤسّساته؟ هل يفكّر في النزول المفاجئ إلى الميدان، لا في زياراتٍ بروتوكوليةٍ معدّةٍ سلفًا، بل في زياراتِ كشفٍ ومصارحة؟

هل يفكّر في أن يترك وراءه مشروعًا مؤسّسيًّا خالدًا، لا مجرد سيرةٍ شخصيةٍ عظيمة؟

إنّ الجماهير قد تهتف للأسماء، لكنها لا ترى ما يجري في الداخل، وتتعاطف مع الخطابات الرنانة، أمّا الشاهد الحقيقي على أيّ مرحلة، فهم أبناء المؤسّسة أنفسهم: طلابها، وأساتذتها، وموظفوها، والعاملون فيها، ثم المجتمع الذي تأثر إيجابيًا بها.

أولئك هم شهود التاريخ، وشهود الضمير، وشهود الله.

وأقول ذلك لا خصومةً مع الإمام الأكبر العظيم الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، فهو الكبير الذي لا يُنال منه أبدا في كل المواقف، والذي نزود عنه بالدفاع كما نزود عن أنفسنا، فأنا لست من المنتسبين للأزهر الشريف، ولم أتضرر يوما من قرار وظيفي، ولم يُؤخذ حقي في ترقية أو حافز، ولم أتعرض يومًا لمظلمة في أروقته، بل أقول ذلك محبّةً له، وإدراكًا لقيمته، ووعيًا بأنّ الأزهر ليس مؤسّسةً عادية، بل أحد أعمدة الوعي في هذه الأمة.

ومن فرط الخوف على الأزهر… يُكتب هذا الكلام.

 

 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق