.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
ليس في أيام العام يوم يفيض بالرحمة والسكينة والرجاء كما يفيض يوم عرفة؛ ذلك اليوم الذي تتجرد فيه الأرواح من أثقال الدنيا، وتتجه القلوب إلى الله وحده، طمعًا في مغفرة تمحو الذنوب، ورحمة تُبدّل القسوة طمأنينة، وانفراجٍ يأتي بعد ضيق طال انتظاره.
إنه اليوم الذي اختصه الله بعظيم الفضل، وجعله تاج أيام العشر التي أقسم بها في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وما أقسم الله بشيء إلا لعظم شأنه وعلو قدره، ثم زاد يوم عرفة تشريفًا حين جاء ذكره في قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، فكان “المشهود” كما قال أبو هريرة رضي الله عنه: يوم عرفة.
إنه ليس يومًا عابرًا في حياة المسلمين، بل هو يوم تجلت فيه أعظم النعم، واكتمل فيه هذا الدين العظيم، حين أنزل الله تعالى قوله:
﴿اليومَ أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا﴾ [المائدة: 3].
وقد أدرك اليهود عظمة هذه الآية ومكانتها، فقالوا لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو نزلت فينا لاتخذنا يوم نزولها عيدًا، فقال عمر رضي الله عنه:
“إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه؛ نزلت ورسول الله ﷺ قائم بعرفة يوم الجمعة” رواه صحيح البخاري.
أما فضله، فقد تجاوز الوصف؛ إذ جعل الله صيامه سببًا لتكفير ذنوب عامين كاملين، سنة مضت وسنة قادمة، في منحة ربانية لا تتكرر إلا لعباد أراد الله لهم الرحمة والمغفرة، إنه في هذا اليوم المبارك تتنزل الرحمات، وتُفتح أبواب السماء، ويباهي الله بعباده ملائكته، وقد قال النبي ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة».
أيها المؤمنون، استثمروا كل لحظة من هذا اليوم في الذكر والتكبير وتلاوة القرآن، والدعاء بإلحاحٍ وخشوع، إذ قال النبي ﷺ: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، فما أعظمها من لحظات يقف فيها العبد بين يدي ربه، متجردًا من هموم الدنيا وضجيجها، رافعًا قلبه قبل يديه، إنه يوم يشعر فيه الفقير أن خزائن الرحمن مفتوحة، ويوقن فيه المذنب أن باب التوبة لم يُغلق، ويدرك فيه المنكسر أن الله لا يرد من قصده بصدق.
إن الأمة اليوم، وسط ما تواجهه من أزمات وضغوط واضطرابات، أحوج ما تكون إلى استثمار هذه المواسم الإيمانية التي تعيد بناء الإنسان من الداخل، وتمنحه القدرة على تجاوز ضعفه وانكساراته، لذلك ينبغي لكل مسلم أن يغتنم ساعات هذا اليوم المبارك، وأن يضع لنفسه برنامجًا إيمانيًا عامرًا بالطاعات والقربات.
إنه يوم تُفتح فيه أبواب السماء… فلا تغلقوا قلوبكم










0 تعليق