هل الجبرتى مصرى؟!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

يطرح عنوان المقال تساؤلًا قد يبدو غريبًا للقارئ الكريم؛ إذ يطرح سؤالًا حول هوية أو جنسية، أو بالأحرى مصرية شخص ما يدعى الجبرتى! وهنا مصدر غرابة الأمر: أولًا من هو هذا «الجبرتى»؟ ثانيًا لماذا البحث عن مسألة الهوية الآن؟

سأبدأ بالإجابة عن السؤال الأخير: لماذا البحث عن مسألة الهوية، والتفتيش فى مسألة «الأصل» الآن؟ فى حقيقة الأمر أردت بهذا الطرح جذب انتباه القارئ الكريم إلى أمرٍ مهم، ومسألة يُثار حولها الجدل فى الفترة الأخيرة، وهى مسألة الهوية، لا سيما مع الظهور الكبير لتيار يرى فى نفسه الممثل الشرعى للقومية المصرية، وهو التيار الذى يُطلق على نفسه «الكيميتيين» أو «الكمايتة». ومعلوم هنا النسبة إلى «كيميت» الاسم المصرى القديم، الذى يعبر عن الأرض السوداء، أى مصر. وأنا كمؤرخ، وكمثقف مصرى، أعتز شديد الاعتزاز بالحضارة المصرية القديمة المُسماة خطأً «الفرعونية». بل لا أبالغ إذا قلت إنى أشعر بالفخر فى زياراتى الخارجية عندما أشاهد الولع بالحضارة المصرية القديمة، واحتفاء المتاحف العالمية ببعض القطع الأثرية المصرية القديمة.

ومع ذلك أنا لا أفهم كيف يقف تيار «الكمايتة» عند منجز الحضارة المصرية القديمة، ولا يلتفت إلى الحضارات المصرية اللاحقة؟! كما لا أفهم القول بأننا أحفاد الفراعنة فقط، وربط الهوية المصرية بالفترة المصرية القديمة فقط! وهنا أطرح سؤالى الأساسى الذى قدمت له هذه المقدمة الطويلة: هل المصرية «حالة عِرقية»، أم حالة حضارية وثقافة حياتية؟

وهكذا نصل إلى السؤال الذى طرحته عنوانًا للمقال، وهو فى حقيقة الأمر بمثابة السؤال الفرعى، للوصول إلى السؤال الأساسى: مَن هو المصرى؟ وما المصرية؟ وأقصد: هل الجبرتى مصرى؟!

بدايةً مَن هو الجبرتى؟ هو عبدالرحمن بن حسن الجبرتى، الذى يعتبر بحق أهم مؤرخ مصرى فى القرن التاسع عشر. كما تعد كتاباته بمثابة مرحلة انتقال من المدرسة التقليدية فى كتابة التاريخ- الحوليات- إلى المدرسة الحديثة. ويعتبر كتابه العمدة «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» المعروف بتاريخ الجبرتى، من أهم المصادر التاريخية لمصر فى القرن الثامن عشر، والرُبع الأول من القرن التاسع عشر. كما نذكر له كتابه الآخر «مظهر التقديس بزوال دولة الفرنسيس»؛ إذ عاصر الجبرتى فترة الحملة الفرنسية، والتقى علماءها، كما أصبح عضوًا فى «الديوان» الذى أسسته الحملة فى محاولة لإدارة شئون مصر. كما عاصر الجبرتى محمد على، وكتب عنه، واختلف مع سياساته، بل يُقال إنه تعرض لبطش منه.

ولكن ما علاقة كل ذلك بالسؤال الأساسى: مَن هو المصرى؟ وما المصرية؟ فى حقيقة الأمر يعتبر الجبرتى نموذجًا مهمًا فى هذا الشأن؛ إذ إن النسبة هنا «الجبرتى» إلى الأصل العرقى الذى ينحدر منه، وهو إقليم «جبرت» أحد الأقاليم المسلمة المهمة فى الحبشة القديمة. ويُقال إن الجد الأكبر للجبرتى جاء إلى مصر فى القرن السادس عشر، سواء للحج، أو للإقامة فى الأزهر، ولم يكن الأمر بالغريب؛ إذ كان الأزهر يضم رواقًا للطلاب والعلماء من إقليم الجبرت، وهو المعروف برواق الجبرت. وطاب للجد المقام فى الأزهر، ونتج عن ذلك حفيده «مؤرخ مصر» عبدالرحمن الجبرتى.

ويُقال إن أصل «الجبرت» من قبيلة عربية هاجرت إلى منطقة القرن الإفريقى وتفرعت هناك إلى ما يعرف الآن بالصومال وإريتريا وإثيوبيا. ويُقال إن نسب أهل «جبرت» يعود إلى عقيل بن أبى طالب.

وهنا نعود إلى السؤال الفرعى: هل الجبرتى مصرى؟ بالقطع هو مصرى، وهو مؤرخ مصر الحديثة. وعودة مرة أخرى إلى السؤال الأساسى: مَن هو المصرى؟ وما المصرية؟ بالقطع المصرية ليست حالة عرقية، بل حالة حضارية قائمة على التنوع الثقافى والرحابة الإنسانية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق