طاهر أبو زيد يكتب: من يمثل مهن المستقبل وينظمها؟

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

ربما لم تعد قضية النقابات اليوم مجرد قضية مهنية أو خدمية كما يظن البعض…
بل أصبحت جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بشكل الدولة الحديثة نفسها، وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة العمل والاقتصاد والمجتمع.

فالحقيقة أن أحد أهم الأسئلة التي يجب أن تُطرح الآن ليس فقط: ما هي الوظائف التي ستختفي؟ ولكن أيضًا: من سيمثل المهن الجديدة؟ وكيف سيتم تنظيمها وحمايتها وتأهيل العاملين بها؟

خلال زيارة ضمن وفد تنسيقية شباب الأحزاب لنقيب المهندسين، طرح الزميل الدكتور أنور إسماعيل مقترحًا مهمًا للغاية يتعلق بإنشاء شعبة للذكاء الاصطناعي داخل نقابة المهندسين.

ورغم وجاهة الفكرة، إلا أنها دفعتني للتفكير في مساحة أكبر بكثير من مجرد “شعبة جديدة”.

لأننا أمام واقع جديد يتشكل بالفعل…
واقع تخرج فيه عشرات التخصصات من عباءة التصنيفات التقليدية، مثل:

* علوم البيانات
* تطوير البرمجيات
* الأمن السيبراني
* الحوسبة السحابية
* تحليل النظم
* هندسة البرمجيات
* العاملين بالاقتصاد الرقمي والعمل الحر
* المؤثرين وصناع المحتوى
* المتخصصين في الإرشاد النفسي والكوتشينج

وغيرهم من المهن التي لم تعد أعمالًا هامشية أو وظائف مؤقتة، بل أصبحت جزءًا حقيقيًا من الاقتصاد العالمي الجديد.

وهنا يصبح السؤال…

هل ما زالت أدواتنا التنظيمية قادرة على استيعاب هذا التحول؟
وهل تتحرك مؤسساتنا بالسرعة نفسها التي يتحرك بها العالم؟

لأن النقابات في جوهرها ليست مجرد كيانات لاستخراج العضويات أو تنظيم الانتخابات…

بل مؤسسات لحماية المهنة، وتنظيم السوق، ووضع معايير الاحتراف، والدفاع عن الحقوق، وتأهيل الأجيال الجديدة.

لكن الأزمة الحقيقية أن كثيرًا من المهن الجديدة تنمو اليوم أسرع من قدرة الهياكل التقليدية على فهمها أو استيعابها.

ومن هنا أرى أن النقاش لم يعد حول إنشاء “شعبة” من عدمه…
بل حول شكل العمل النقابي نفسه خلال السنوات القادمة.

فهل نتجه إلى:
* شعب متخصصة داخل النقابات القائمة؟
* أم اتحادات مهنية مرنة؟
* أم نقابات جديدة بالكامل للعاملين بالاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟

في تقديري، لا توجد إجابة واحدة مطلقة…
لكن المؤكد أن الإبقاء على التصورات القديمة بينما العالم يعيد تعريف معنى “العمل” نفسه، سيجعلنا دائمًا في موقع رد الفعل لا الفعل.

فنحن أمام أجيال تعمل من المنزل، وتقدم خدماتها للعالم، وتنافس عالميًا، وتحقق دخلاً بعملات أجنبية…
لكن كثيرًا منها لا يمتلك غطاءً مهنيًا أو تأمينيًا أو نقابيًا واضحًا.

بل إن بعض هذه المهن بات يمتلك تأثيرًا مجتمعيًا وثقافيًا ونفسيًا يفوق أحيانًا تأثير مؤسسات تقليدية كاملة، بينما لا يزال خارج أي إطار ينظم الحقوق والواجبات والمسؤوليات المهنية.

والأهم من ذلك…
أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد تخصص هندسي جديد، بل واقعًا يعيد تشكيل كل شيء:
الإعلام، والتعليم، والصناعة، والطب، والإدارة، وحتى السياسة نفسها.

ولذلك، فإن التفكير المبكر في مستقبل التمثيل النقابي لهذه القطاعات ليس رفاهية فكرية…
بل ضرورة دولة تبحث عن المستقبل.

في تقديري، معركة المستقبل لن تكون فقط على امتلاك التكنولوجيا…
بل على امتلاك القدرة على تنظيم آثارها اجتماعيًا ومهنيًا وتشريعيًا.

فالدول القوية ليست فقط التي تستورد المستقبل…
بل التي تستعد له مبكرًا، وتعيد بناء مؤسساتها بما يناسبه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق