.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
رحل عن عالمنا مساء أمس الأول، الإثنين، الفنان القدير عبدالرحمن أبوزهرة عن عمر ناهز ٩٢ عامًا، بعد صراع طويل مع المرض وأزمة صحية حادة استمرت أسابيع داخل أحد المستشفيات، انتهت بتدهور حالته ورحيله تاركًا خلفه تاريخًا فنيًا ممتدًا لأكثر من ٦ عقود.
وشيّع جثمانه، أمس الثلاثاء، من مسجد الشرطة بمدينة الشيخ زايد وسط حضور أسرته ومحبيه وعدد من الفنانين الذين حرصوا على توديعه إلى مثواه الأخير فى مشهد مهيب يعكس مكانته الكبيرة داخل الوسط الفنى وخارجه، فيما تستقبل أسرته العزاء، اليوم، عقب صلاة المغرب بمسجد المشير طنطاوى فى التجمع الخامس.
وتلقى «الدستور» الضوء على مسيرة الفنان الكبير عبدالرحمن أبوزهرة، وحياته التى شكلت جزءًا أصيلًا من الذاكرة الفنية والثقافية المصرية.
«المعلم سردينة».. دور حصل عليه بالصدفة فحوله إلى رمز للحكمة الشعبية
لم يكن الفنان الكبير عبدالرحمن أبوزهرة بحاجة إلى بطولة مطلقة حتى يترك بصمته فى ذاكرة الجمهور، فبمجرد ظهوره على الشاشة كان قادرًا على خطف الأنظار بصوته المميز وأدائه المختلف، وهو ما تحقق بوضوح فى شخصية «المعلم سردينة»، التى تحولت إلى واحدة من العلامات المهمة فى مشواره الفنى رغم اختلافها الكامل عن شخصيته الحقيقية.
ورغم مرور سنوات طويلة على عرض مسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى»، لا تزال شخصية «المعلم إبراهيم سردينة»، واحدة من أكثر الشخصيات الدرامية حضورًا وتأثيرًا فى ذاكرة الجمهور المصرى والعربى، بعدما نجح فى تقديم نموذج مختلف لـ«المعلم الشعبى» الذى يجمع بين الحكمة والهيبة والإنسانية.
وظهر «المعلم سردينة» خلال أحداث المسلسل كتاجر كبير يدير وكالة لبيع خردة فى وكالة البلح، ويمتلك خبرة واسعة فى السوق، وكان بمثابة الأب الروحى لعبدالغفور البرعى، الذى جسد شخصيته الفنان نور الشريف، حيث لعب دورًا محوريًا فى دعمه ومساعدته على النجاح والصعود فى عالم التجارة.
وتميزت الشخصية بالحكمة والقدرة على قراءة الأشخاص، إلى جانب الحزم فى العمل والطيبة مع المقربين منه، ما جعلها شخصية قريبة من قلوب المشاهدين، خاصة أن الشخصية لم تكن موجودة فى الرواية الأصلية للكاتب إحسان عبد القدوس، بل تمت إضافتها خصيصًا للمعالجة الدرامية.
كان الفنان الراحل حسن حسنى المرشح الأول لتجسيد الشخصية، قبل أن يعتذر بسبب خلافات إنتاجية، ليذهب الدور إلى عبدالرحمن أبوزهرة بناءً على ترشيح المخرج أحمد توفيق، الذى كان يثق بقدرته الكبيرة على تقديم الشخصية.
وبعد عرض المسلسل، تحول العديد من جمل «المعلم سردينة» إلى عبارات شهيرة يتداولها الجمهور حتى اليوم، من أبرزها: «اوعى تيجى على الغلبان»، و«اللى عاوز يتعلم لازم يدفع التمن»، و«خليك فى كارك واتشطر فيه».
وكشف الفنان الراحل فى تصريحات تليفزيونية سابقة عن أن شخصية «المعلم سردينة» كانت بعيدة تمامًا عن طباعه وأسلوب حياته، مؤكدًا أنه لم يكن يشبه الشخصية الشعبية التى قدمها على الشاشة لا فى طريقة الكلام ولا أسلوب المعيشة.
وقال عبدالرحمن أبوزهرة إنه طوال حياته لم يكن من رواد المقاهى الشعبية، مضيفًا: «مبحبش القهاوى ولا الشيشة وطول عمرى مدخلتش قهوة بلدى إلا نادرًا»، مشيرًا إلى أن ذلك التناقض بينه والشخصية كان أحد أسرار نجاحها، لأنه تعامل معها كممثل يحاول اكتشاف عالم مختلف عنه تمامًا.
ورغم النجاح الكبير الذى حققه الدور فإن «أبوزهرة» لم يكن المرشح الأول لتجسيد «المعلم سردينة»، إذ أوضح أن المخرج أحمد توفيق تواصل معه بشكل مفاجئ بعد اعتذار أكثر من نجم عن عدم المشاركة ليذهب إلى موقع التصوير دون استعدادات طويلة أو جلسات عمل مكثفة.
وأضاف الراحل أن المخرج اكتفى بسرد تفاصيل الشخصية له شفهيًا داخل لوكيشن التصوير قبل بدء التصوير مباشرة، وهو ما جعله يعتمد بشكل كبير على إحساسه الداخلى وخبرته الفنية فى بناء الشخصية وتقديمها بصورة أقرب إلى الواقع.
وكشف عبدالرحمن أبوزهرة عن أن «المعلم سردينة» كان من الشخصيات التى أحبها بشدة بسبب بساطتها وإنسانيتها، مؤكدًا أن تأثير الدور لم يكن مرتبطًا بحجمه على الشاشة، بل بقدرته على الوصول إلى الجمهور وترك أثر حقيقى لديهم. وبين شخصية هادئة عاشها فى الواقع وأخرى شعبية صاخبة قدمها على الشاشة، أثبت عبدالرحمن أبوزهرة أن الموهبة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الشبه بين الفنان والدور، بل تبدأ من قدرته على إقناع الجمهور بشخصية لا تشبهه على الإطلاق.
من «سكار» إلى «جعفر».. كيف تحول إلى أيقونة «أفلام ديزنى»؟
لم يكن الفنان الراحل عبدالرحمن أبوزهرة مجرد ممثل بارع تألق على خشبة المسرح وأمام كاميرات السينما والتليفزيون، بل كان أيضًا واحدًا من أهم الأصوات التى صنعت وجدان أجيال كاملة فى العالم العربى، بعدما نجح فى ترك بصمة استثنائية فى عالم «الدبلجة» والأداء الصوتى، من خلال مجموعة من الشخصيات الكرتونية التى ما زالت حاضرة فى ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
وعلى مدار سنوات طويلة، استطاع «أبوزهرة» أن يحوّل صوته إلى أداة فنية قادرة على التعبير عن الشر والدهاء والقوة والسخرية، وهو ما جعله الخيار المثالى لتجسيد عدد من أشهر الشخصيات فى أفلام الرسوم المتحركة العالمية، خاصة أعمال شركة «ديزنى» العالمية، التى حققت انتشارًا واسعًا فى العالم العربى بنسخها المدبلجة.
ويظل دور «سكار» فى النسخة العربية من فيلم «The Lion King» أو «الأسد الملك» واحدًا من أهم المحطات الفنية فى «المسيرة الصوتية» للفنان الكبير، بعد أن قدم أداءً استثنائيًا جعل الشخصية أكثر عمقًا وتأثيرًا لدى الجمهور العربى.
وتمكن «أبوزهرة» من تجسيد شخصية العم الشرير الذى يسعى للاستيلاء على العرش، مستخدمًا طبقات صوتية جمعت بين الهدوء المخيف والشر الخالص، ليصبح صوته مرتبطًا بالشخصية فى أذهان ملايين المشاهدين.
واعتبر كثير من النقاد ومحبى أفلام «ديزنى» أن الأداء العربى لشخصية «سكار» كان من بين أفضل النسخ المدبلجة عالميًا، خاصة أن أبوزهرة لم يكتفِ بنقل الحوار فقط، بل أضاف روحًا خاصة للشخصية جعلتها أكثر قربًا وتأثيرًا لدى الجمهور العربى. كما أسهم أسلوبه المسرحى وخبرته الفنية الطويلة فى منح الشخصية أبعادًا درامية قوية لا تزال تلقى إشادة حتى الآن.
ولم يتوقف نجاحه عند «سكار»، إذ واصل تألقه فى «عالم ديزنى»، من خلال تقديم شخصية «جعفر» فى النسخة العربية من فيلم «Aladdin» أو «علاء الدين»، وهى الشخصية التى تُعد واحدة من أشهر الأشرار فى تاريخ أفلام الرسوم المتحركة.
واستطاع «أبوزهرة» أن يمنح «جعفر» حضورًا طاغيًا بفضل نبرة صوته الحادة وأسلوبه الساخر، ما جعل الشخصية تبدو أكثر رهبة وغموضًا.
كما نجح الفنان الراحل فى الوصول إلى جمهور «الأنمى»، عندما شارك فى «دبلجة» مسلسل «Mazinger Z»، المعروف عربيًا باسم «الفتى برهان»، عبر تقديمه شخصية «هاتسو» التى ارتبط بها قطاع كبير من جمهور الثمانينيات والتسعينيات. وكان لصوته القوى تأثير واضح فى ترسيخ الشخصية داخل وجدان الأطفال والشباب الذين تابعوا العمل فى تلك الفترة.
وفى تجربة مختلفة، شارك «أبوزهرة» فى فيلم «الفارس والأميرة»، الذى يُعد أول فيلم رسوم متحركة مصرى طويل، من خلال تقديمه شخصية «المشعوذ أبوالرياح»، مؤكدًا من جديد قدرته على التلون الصوتى، وتقديم الشخصيات المركبة بأسلوب احترافى.
ولم تكن موهبة عبدالرحمن أبوزهرة فى «الدبلجة» نابعة فقط من جمال صوته، بل من فهمه العميق لطبيعة الشخصية، وقدرته على التعبير عن أدق التفاصيل النفسية والانفعالية، ما جعله مختلفًا عن كثير من الفنانين الذين خاضوا تجربة الأداء الصوتى، خاصة أنه كان يتعامل مع الشخصية الكرتونية وكأنها دور تمثيلى متكامل، يمنحه الإحساس والانفعال والهوية الخاصة.
قدّم أكثر من 100 عرض مسرحى بداية من «عودة الشباب»
لم يكن المسرح بالنسبة للفنان الكبير عبدالرحمن أبوزهرة مجرد محطة فنية، بل كان المساحة التى تشكلت فيها شخصيته الفنية الحقيقية، مع امتلاكه أدواته الخاصة على خشبة «أبوالفنون» كممثل قادر على التعبير العميق والحضور الطاغى والصدق الشديد فى الأداء.
وفى زمن ازدهار المسرح المصرى، استطاع «أبوزهرة» أن يحجز مكانته بين كبار النجوم، مقدمًا أعمالًا جمعت بين القيمة الفكرية والطرح الاجتماعى العميق.
كانت بدايته المسرحية مع مسرحية «عودة الشباب» للكاتب الكبير توفيق الحكيم، قبل أن يواصل تألقه فى عروض بارزة مثل «أقوى من الزمن» و«قريب وغريب».
أما أولى بطولاته المسرحية فجاءت عندما اعتذر الفنان عمر الحريرى عن بطولة مسرحية «بداية ونهاية»، ليتم إسناد الدور إلى «أبوزهرة»، الذى حقق نجاحًا كبيرًا من خلالها.
كما تولى بطولة مسرحية «المحروسة» بعد وفاة الفنان صلاح سرحان، واستطاع أن يثبت حضوره بقوة، ليواصل بعد ذلك مشواره المسرحى حتى تجاوز رصيده أكثر من ١٠٠ عرض مسرحى، رسخ بها اسمه كأحد أهم أعمدة المسرح المصرى فى النصف الثانى من القرن العشرين.
وعُرف الفنان الراحل بانضباطه الشديد وسرعته الكبيرة فى حفظ النصوص، وهى الصفات التى جعلته يحظى بثقة المخرجين والمنتجين فى سن مبكرة. لذا حظى بفرصة العمل والتعلم على يد كبار مخرجى ورواد المسرح فى العصر الذهبى، إلى جانب جيل مميز من الفنانين، من بينهم أبوبكر عزت ويوسف شعبان ورجاء حسين ورشوان توفيق.
«إنعاش 45 دقيقة».. تفاصيل الساعات الأخيرة فى رحلة الحياة
شهدت الحالة الصحية للفنان الراحل تراجعًا ملحوظًا منذ أواخر مارس ٢٠٢٦، بعدما تعرض لمضاعفات صحية أثرت بشكل مباشر على الجهاز التنفسى والرئة، الأمر الذى تسبب فى صعوبة كبيرة بالتنفس، واستدعى نقله إلى المستشفى لتلقى الرعاية الطبية اللازمة.
وخلال فترة احتجازه فى المستشفى، خضع الفنان عبدالرحمن أبوزهرة لمتابعة طبية دقيقة داخل غرفة العناية المركزة، وسط محاولات مستمرة من الفريق الطبى للسيطرة على المضاعفات، وتحسين حالته الصحية، خاصة بعدما تدهورت وظائف التنفس تدريجيًا خلال الأيام الأخيرة.
وحسب مصادر مقربة من الأسرة، فإن الفنان الراحل شهد تحسنًا نسبيًا فى بداية فترة العلاج، بعدما تلقى رعاية صحية مكثفة، إلا أن حالته تعرضت لانتكاسة جديدة خلال الأيام الماضية، تسببت فى تراجع مؤشرات التنفس والقلب بصورة كبيرة.
وفى وقت سابق، كشف الدكتور أحمد أبوزهرة، نجل الفنان الراحل، عن صعوبة الحالة الصحية لوالده، مؤكدًا أنه يمر بأيام حرجة للغاية، فى ظل استمرار تدهور حالته الصحية رغم الرعاية الطبية المكثفة.
وتابع الفريق الطبى المشرف على حالة الفنان تطورات وضعه الصحى لحظة بلحظة، مع توفير كل سبل الرعاية والعلاج، فى الوقت الذى حرصت فيه الجهات المعنية على الاطمئنان على حالته باستمرار.
وشهدت الساعات الأخيرة فى حياة الفنان الراحل تطورات صحية صعبة، وتعرض لمشكلات حادة فى عضلة القلب والتنفس قبل وفاته بنحو ساعة، ما أدى إلى توقف عضلة القلب قرابة الساعة ٩:١٥ مساءً.
وعلى الفور، حاول الفريق الطبى إنقاذه من خلال إجراء إنعاش قلبى رئوى استمر نحو ٤٥ دقيقة، فى محاولة لإعادة النبض واستقرار حالته، إلا أن جميع المحاولات الطبية لم تُحقق استجابة.
وبعد انتهاء محاولات الإنعاش، تم الإعلان رسميًا عن وفاة الفنان عبدالرحمن أبوزهرة، فى تمام العاشرة مساء أمس الأول الإثنين، لتنتهى رحلة أحد أبرز نجوم الفن المصرى والعربى، الذى ترك بصمة كبيرة فى المسرح والدراما والسينما، وارتبط اسمه بعشرات الأعمال الخالدة، التى بقيت حاضرة فى ذاكرة الجمهور على مدار عقود طويلة.













0 تعليق