.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
ماكرون بين مصر وكينيا.. إعادة تموضع فرنسي في أفريقيا وسط تنافس دولي متصاعد
تنطلق يومي 11 و12 مايو في مدينة نيروبي بكينيا قمة "أفريقيا إلى الأمام"، والتي تجمع قادة الدول الأفريقية لمناقشة سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة في القارة، وتشارك في القمة فرنسا، في خطوة تعكس اهتمام باريس بالشراكات الاستراتيجية مع أفريقيا في مجالات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية.
«أفريقيا إلى الأمام».. توجه فرنسا لأفريقيا من نفوذ تقليدي قائم على الإرث السياسي إلى شراكات اقتصادية
أكد الوزير المفوض الدكتور منجى علي بدر، عضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأمم المتحدة، أن جولة الرئيس الفرنسي إلى كل من مصر وكينيا للمشاركة في مؤتمر «أفريقيا إلى الأمام» في نيروبي يومي 11 و12 مايو 2026، تعكس تحولًا نوعيًا في توجه فرنسا لأفريقيا، من نفوذ تقليدي قائم على الإرث السياسي والعسكري إلى شراكات اقتصادية ومعرفية أكثر مرونة.
وتأتي هذه الجولة في سياق تنافس دولي على أفريقيا، تشارك فيه الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وتركيا والهند وقوى خليجية، مما يفرض إعادة تعريف قواعد النفوذ والتنمية داخل القارة، ونعرض أبرز محاور وأبعاد هذا التحول في أفريقيا والتنافس الدولي وتوقعات المستقبل.
حجم العلاقات التجارية بين فرنسا وأفريقيا
وأشار د. منجى بدر، في تصريحات لـ"الدستور"، إلى أن حجم التجارة بين فرنسا وأفريقيا جنوب الصحراء بلغ نحو 24.1 مليار يورو في 2024 (مقابل 24.5 مليار في 2023)، منها قرابة 11 مليار يورو صادرات فرنسية و13.2 مليار واردات، وعند إضافة دول شمال أفريقيا (المغرب، الجزائر، تونس، مصر)، يرتفع إجمالي التبادل التجاري الفرنسي مع القارة إلى نطاق 60–70 مليار يورو سنويًا، وفق تقديرات مؤسسات فرنسية وأوروبية.
حجم الاستثمار المباشر الفرنسي في أفريقيا
وأوضح أن فرنسا تحتفظ بحضور استثماري مباشر في أفريقيا يتراوح بين 35 إلى 40 مليار يورو، مع نشاط أكثر من 2400 شركة فرنسية في قطاعات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والاتصالات، والخدمات المالية، ولكن هذا الحضور يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة تراجع النفوذ السياسي لفرنسا في غرب أفريقيا، مما يدفعها لإعادة التوجه نحو شرق أفريقيا.
«أفريقيا إلى الأمام» في كينيا.. محاولة لإعادة بناء العلاقات الفرنسية الأفريقية
ويرى سفير مصر الأسبق أن المشاركة الفرنسية في مؤتمر «أفريقيا إلى الأمام» في كينيا تمثل محاولة لإعادة بناء العلاقات الفرنسية الأفريقية على أسس اقتصادية واستثمارية جديدة، بدلًا من الجوانب الكلاسيكية التي ارتبطت طويلًا بالسياسة الفرنسية في القارة.
كما أن اختيار كينيا، باعتبارها قوة اقتصادية في شرق أفريقيا ودولة ناطقة بالإنجليزية خارج الفضاء الفرانكوفوني التقليدي لفرنسا، يعكس رغبة باريس في توسيع حضورها خارج مناطق نفوذها التاريخية. وتأتي هذه التحركات الفرنسية في وقت يشهد فيه النفوذ الغربي التقليدي في أفريقيا تحديات متزايدة.
وأشار إلى أن الدور الأمريكي يمثل عاملًا هامًا في معادلة التنافس، فالولايات المتحدة، عبر عدد من المبادرات، أعادت تعزيز وجودها الاقتصادي في القارة، حيث تجاوز حجم التجارة الأمريكية الأفريقية 70 مليار دولار في 2024، مع التزام استثماري وتمويلي يتخطى 55 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.
ويركز النهج الأمريكي على دعم القطاع الخاص وسلاسل الإمداد والتحول الرقمي، في مقابل الحضور الصيني القائم على البنية التحتية والتمويل السيادي، وهذا التباين يمنح الدول الأفريقية هامشًا أوسع للمناورة واختيار الشراكات الأنسب.
مصر تلعب دورًا متناميًا في أفريقيا مستفيدة من موقعها الجغرافي والاتفاقيات التجارية
وأردف أن مصر تلعب دورًا متناميًا في أفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومؤسساتها الإقليمية، فمن خلال اتفاقية الكوميسا واتفاقية التجارة الحرة الأفريقية الكبرى (سيفتا)، تسعى مصر لتعزيز التكامل التجاري القاري، حيث تجاوزت صادرات مصر إلى أفريقيا 8 مليارات دولار سنويًا في آخر عامين، مع توسع ملحوظ في قطاعات الصناعات الهندسية ومواد البناء والمنتجات الكيماوية.
وأضاف أن مصر عززت حضورها عبر مشروعات البنية التحتية والطاقة والربط اللوجستي، إلى جانب دورها في إعادة الإعمار والتدريب وبناء القدرات، إضافة إلى توظيف القوة الناعمة من خلال التعليم (مثل جامعة سنجور) والرعاية الصحية. وتمثل مصر نقطة التقاء بين شمال أفريقيا وشرقها، وبين أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، مما يمنحها ميزة نسبية في استراتيجيات الربط الإقليمي.
واستطرد د. منجى بدر قائلًا إن مؤتمر «أفريقيا إلى الأمام» وأهم النتائج المتوقعة منه، يتمثلان في عدة مسارات عملية، أبرزها: إطلاق شراكات استثمارية في الطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي والبنية التحتية، وتوسيع أدوات التمويل المختلط لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودفع أجندة إصلاح النظام المالي العالمي وتخفيف أعباء الديون، وتعزيز نقل التكنولوجيا وبناء القدرات البشرية. كما يمثل المؤتمر منصة لإعادة تعريف الشراكة الأوروبية – الأفريقية في مواجهة التمدد الصيني والروسي، مع محاولة تقديم نموذج أكثر توازنًا.
التنافس الدولي وتحسين شروط التمويل
وقال إن هناك أهمية كبرى لمدى استفادة أفريقيا من التنافس الدولي، حيث أصبحت الدول الأفريقية أكثر قدرة على استثمار هذا التنافس عبر تنويع الشركاء وتحسين شروط التمويل ونقل التكنولوجيا، فقد ارتفع حجم التجارة الأفريقية مع العالم إلى أكثر من 1.4 تريليون دولار سنويًا، مع تزايد الاستثمارات في الطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي، ولكن تعظيم الاستفادة يظل مشروطًا بتحسين الحوكمة وإدارة الديون وتعزيز التكامل الإقليمي.
وصرح بأن جولة الرئيس ماكرون تكشف أن أفريقيا لم تعد ساحة نفوذ تقليدي، بل مركز ثقل اقتصادي وجيوسياسي عالمي، وتسعى فرنسا لإعادة التموضع، وتكثف الولايات المتحدة حضورها، كما تواصل قوى أخرى التوسع مع أفريقيا في عدد من المجالات، وبالتالي فإن أفريقيا، ومعها مصر، تمتلك فرصة تاريخية لتحويل هذا التنافس إلى مكاسب تنموية حقيقية، بشرط إدارة العلاقات الدولية ببراجماتية واستقلالية استراتيجية.
عبد المنعم: قمة “أفريقيا إلى الأمام” نقطة تحول مهمة في شكل العلاقات الاقتصادية بين أفريقيا وفرنسا
أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، أن قمة “أفريقيا إلى الأمام” التي تستضيفها العاصمة الكينية نيروبي يومي 11 و12 مايو 2026، تمثل نقطة تحول مهمة في شكل العلاقات الاقتصادية بين أفريقيا وفرنسا، خاصة أنها تأتي في إطار انفتاح فرنسا على الدول الناطقة بالإنجليزية، كما تأتي أيضًا في توقيت يشهد إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي في ظل الأزمات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل الإمداد، والتحولات الكبرى في الطاقة والتكنولوجيا والتمويل الدولي.
القمة تركز على عدد من الملفات الاقتصادية الاستراتيجية
وكشف د. عبد المنعم، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، أن القمة تكتسب أهمية إضافية بمشاركة أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة أفريقية، إلى جانب آلاف المستثمرين ورجال الأعمال وممثلي المجتمع المدني، فضلًا عن حضور الرئيس الفرنسي والرئيس عبد الفتاح السيسي. كما تعد هذه أول قمة أفريقية – فرنسية تستضيفها دولة أفريقية ناطقة باللغة الإنجليزية، وهو ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في السياسة الفرنسية تجاه القارة، من التركيز التقليدي على دول الفرنكوفونية إلى الانفتاح على الاقتصادات الأفريقية الأكثر نموًا، خاصة في شرق أفريقيا.
وتأتي هذه التحركات في ظل تراجع النفوذ الفرنسي التقليدي داخل أفريقيا، بالتزامن مع تنامي الحضور الصيني والروسي والتركي والخليجي، ما يدفع باريس لإعادة صياغة علاقتها بالقارة على أسس اقتصادية واستثمارية أكثر توازنًا.
وأشار مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية إلى أن القمة تركز على عدد من الملفات الاقتصادية الاستراتيجية، أهمها تعزيز التعاون الاقتصادي، وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل، ودعم التصنيع، والانتقال الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، وإصلاح النظام المالي الدولي، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل أفريقيا الاقتصادي لن يعتمد فقط على تصدير المواد الخام، بل على بناء اقتصاد إنتاجي قائم على التكنولوجيا والطاقة النظيفة والقيمة المضافة.
وأضاف أن هذه الملفات تكتسب أهمية خاصة في ظل المؤشرات التي تؤكد أن أفريقيا ستكون القارة الأسرع نموًا سكانيًا حتى عام 2050، مع وصول عدد السكان إلى نحو 2.5 مليار نسمة، فضلًا عن أن أكثر من 60% من سكان القارة تقل أعمارهم عن 25 عامًا، وهو ما يمنح أفريقيا قوة بشرية وسوقًا استهلاكية ضخمة. كما تمتلك القارة نحو 30% من الثروات المعدنية العالمية، بما في ذلك المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة، مثل الكوبالت والليثيوم والنحاس، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي الجديد.
ويرى الخبير الاقتصادي أن ملف إصلاح الهيكل المالي الدولي يعد أحد أهم محاور القمة، خاصة مع تصاعد أعباء الديون وارتفاع تكلفة التمويل على الدول الأفريقية، فالقارة تعاني من فجوة تمويلية كبيرة تعرقل تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة، رغم امتلاكها فرص نمو واعدة، لذلك تسعى القمة إلى مناقشة حلول عملية تشمل زيادة التمويل الميسر، وتوسيع أدوات التمويل الأخضر، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وتقوية دور مؤسسات التمويل الدولية في دعم التنمية الأفريقية.
وقال إن ملف الطاقة الخضراء والانتقال المستدام يحتل موقعًا محوريًا في القمة، في ظل امتلاك أفريقيا إمكانات ضخمة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، وهو ما يفتح المجال أمام استثمارات ضخمة وفرص لتوطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة. وتسعى الدول الأفريقية إلى تحويل ملف المناخ من عبء اقتصادي إلى فرصة لتحقيق التنمية الصناعية وخلق الوظائف.
مصر تسعى إلى تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية في أفريقيا والشرق الأوسط
وأكد أن المشاركة المصرية في القمة لها أهميتها، حيث تسعى مصر إلى تعزيز دورها كمركز إقليمي للطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية في أفريقيا والشرق الأوسط، إذ تمتلك مصر خبرات واسعة في مشروعات البنية التحتية، والمدن الذكية، والتحول الرقمي، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، مما يمنحها فرصًا لعقد شراكات اقتصادية ويفتح المجال أمام الصادرات المصرية في السوق الأفريقية.
وقال إن المؤتمر يناقش أيضًا ملفات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، باعتبارهما من أهم محركات النمو الاقتصادي العالمي خلال السنوات المقبلة، خاصة مع التوسع الكبير في الخدمات المالية الرقمية والتكنولوجيا في أفريقيا. كذلك يحظى الاقتصاد الأزرق باهتمام متزايد، لما يوفره من فرص في مجالات النقل البحري، والموانئ، والثروة السمكية، والسياحة الساحلية، والطاقة البحرية.
وأردف أنه لا شك أن قمة “أفريقيا إلى الأمام” ليست مجرد مؤتمر سياسي أو اقتصادي، بل خطوة تضع أفريقيا داخل الاقتصاد العالمي، في ظل تنافس دولي متزايد على موارد القارة وأسواقها وفرصها الاستثمارية، ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة القمة على الانتقال من التعهدات السياسية إلى تنفيذ مشروعات واستثمارات حقيقية، خاصة مع الاتجاه لاعتماد “إعلان نيروبي” كإطار جديد للتعاون بين أفريقيا وفرنسا، يقوم على الشراكة الاقتصادية المتوازنة والتنمية المستدامة.












0 تعليق