.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
تشهد الساحة السياسية في إيران اليوم تحولات جذرية أدت إلى تلاشي الوجه الواحد والواضح للسلطة المركزية التي كانت مهيمنة سابقا على مفاصل الدولة حيث لم يعد من الممكن حصر مراكز القرار في جهة واحدة مثل مكتب المرشد أو الحكومة أو قيادة الحرس الثوري وحدها نتيجة للظروف القاسية التي تلت المواجهة العسكرية الشاملة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وما تبعها من خسائر قيادية فادحة أربكت المشهد العام
وحسب تقرير لإذاعة فردا الأميركية التي تبث بالفارسية من العاصمة التشيكية براغ فإن فهم آليات الحكم الحالية في إيران بات يتطلب غوصا في بنية معقدة ومتشعبة لصنع القرار وهو ما أكده وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حين أشار إلى وجود خلل بنيوي عميق داخل هيكل القيادة جعل الاستجابة لأي مقترح سياسي أو عسكري تتطلب أياما طويلة من المداولات المعقدة بين مختلف المستويات المتصارعة والمشتتة
وأوضح المسؤولون الأميركيون في تصريحاتهم الأخيرة أن النظام في إيران يواجه حالة من الشلل النسبي في اتخاذ القرارات المصيرية نظرا لضرورة تمرير كل التفاصيل عبر هيكل القيادة المتعدد الطبقات للوصول إلى رأس الهرم والحصول على الموافقة النهائية وهذا التعقيد البيروقراطي والأمني ازداد بشكل ملحوظ بعد الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية القيادية خلال العمليات العسكرية الأخيرة التي استهدفت مواقع استراتيجية وحساسة في البلاد
ويعاني نظام الحكم في إيران من انقسامات داخلية عميقة أصبحت أكثر وضوحا وعلانية في الوقت الراهن حيث تبرز تيارات متشددة تدرك ضرورة إدارة الدولة والاقتصاد ببراغماتية معينة لضمان البقاء مقابل تيارات أخرى تتحرك بدوافع عقائدية بحتة ترفض التنازل أو الليونة مما يخلق حالة من التضارب في التوجهات الاستراتيجية والسياسات العامة التي تنتهجها المؤسسات المختلفة في ظل غياب التنسيق الكامل والفعال
وتتوزع مراكز القوة الفعلية داخل المنظومة الحاكمة بين مكتب المرشد ومؤسسة الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية المتعددة والحكومة الرسمية وشبكات النفوذ الواسعة المرتبطة بشخصية مجتبى خامنئي الذي بات يلعب دورا محوريا خلف الستار مما يجعل من الصعب تحديد جهة واحدة تنفرد بتجسيد السلطة كاملة أو تملك القدرة على فرض رؤيتها الشمولية على بقية الأطراف الفاعلة في المشهد السياسي
مجتبى خامنئي وغموض خلافة المرشد في إيران
يمثل الوضع الغامض الذي يحيط بمجتبى خامنئي أحد أكبر التحديات التي تواجه فهم تراتبية السلطة في إيران حاليا فبالرغم من توليه الموقع الأعلى في الهرم السياسي بشكل غير رسمي إلا أنه يواجه اتهامات وتساؤلات حول مشروعية توريث القيادة وغيابه شبه الكامل عن الظهور العلني أمام الجماهير أثار موجة من الانتقادات الواسعة التي تعتبر هذا المسار تحولا خطيرا من نظام يرفض الوراثة السياسية تاريخيا
وتشير التقارير الاستخباراتية والميدانية إلى أن مجتبى خامنئي كان يمارس أدوارا مؤثرة وحساسة في إدارة الملفات الاستراتيجية للدولة قبل الحرب بما في ذلك الإشراف المباشر على الأجهزة العسكرية والأمنية الحساسة وعقد الاجتماعات التنسيقية الكبرى ولكن تعرضه لإصابة خلال الهجمات الجوية التي استهدفت مواقع قيادية عليا زاد من حالة الغموض والشكوك حول قدرته الفعلية على ممارسة مهامه القيادية في هذا التوقيت الحرج والمفصلي
وفي المقابل تسعى المصادر الرسمية داخل الجهاز الإعلامي للنظام إلى نفي وجود أي فراغ قيادي عبر التأكيد على أن إصابة مجتبى طفيفة وأنه يواصل إدارة شؤون الدولة من خلف الكواليس وبشكل يومي مستمر إلا أن غياب أي تسجيلات مصورة أو صوتية حديثة له يعمق من أزمة الثقة ويزيد من التكهنات حول طبيعة الدور الذي يلعبه حاليا في ظل وجود مراكز قوى أخرى تطمح للمشاركة
وتطرح هذه الحالة الضبابية إشكاليات دستورية وقانونية معقدة تتعلق بالمادة مئة وإحدى عشرة من الدستور التي تنظم آلية انتقال الصلاحيات في حال عجز المرشد عن أداء مهامه لأي سبب كان وهو ما يفتح الباب واسعا أمام تساؤلات حول من يمتلك الصلاحية الفعلية لإدارة المرحلة الانتقالية الحالية وهل ستلتزم المؤسسات العسكرية والأمنية بالنصوص الدستورية الجامدة أم ستلجأ إلى فرض واقع سياسي جديد يتناسب مع مصالحها ونفوذها المتزايد
وإلى جانب المؤسسات الرسمية تبرز طبقة أمنية وسياسية غير معلنة تتمثل في شبكة معقدة من الشخصيات القوية المرتبطة مباشرة بمجتبى خامنئي ومن أبرز هؤلاء حسين طائب الذي لا يزال يتمتع بنفوذ هائل داخل دوائر القرار الأمني الحساسة رغم إبعاده رسميا عن منصبه السابق في استخبارات الحرس الثوري مما يؤكد وجود حكومة ظل تدير الكثير من الملفات بعيدا عن الأعين وبشكل غير تقليدي في العمل المؤسساتي
وتفيد المعطيات المتوفرة بوجود اجتماعات دورية تضم شخصيات أمنية بارزة لمناقشة ملفات سياسية وانتخابية وإدارية مصيرية مما يعكس الدور المحوري لهذه الشبكة الخفية في التأثير غير المباشر على بنية القرار السيادي للدولة ويبدو أن هذه الحلقة الأمنية المحيطة بالقيادة أصبحت أكثر حضورا وقوة بعد الحرب نتيجة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل الدولة وتآكل سلطة المؤسسات المدنية التقليدية لصالح الأجهزة الأمنية والعسكرية ذات القبضة الحديدية
ويعد الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي العمود الفقري للسلطة الفعلية في هذه المرحلة الانتقالية والحرجة بخاصة بعد التحول الأمني الشامل الذي فرضته نتائج الحرب الأخيرة حيث جرت العادة في أوقات الأزمات الكبرى أن تنتقل مراكز القرار تدريجيا من المؤسسات المدنية إلى البنى العسكرية والأمنية التي تمتلك القدرة على التحرك السريع والسيطرة الميدانية المباشرة مما يعزز من دور الجنرالات في رسم مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي
تحديات الحرس الثوري وتداخل الصلاحيات العسكرية
لا يمكن النظر إلى الحرس الثوري في الوقت الراهن باعتباره كتلة واحدة متماسكة وخالية من الانقسامات الداخلية العميقة بل إنه تحول بمرور الوقت إلى مجموعة من الجزر المنفصلة ومراكز النفوذ والمصالح المتنافسة التي تصارع من أجل البقاء وحماية مكتسباتها الاقتصادية والسياسية الهائلة وهذا التشظي الداخلي يجعل من الصعب التنبؤ بسلوك هذه المؤسسة في حال نشوب صراعات كبرى على قمة الهرم القيادي في البلاد
وترتبط ملفات الأمن الداخلي وقمع الاحتجاجات الشعبية والقدرات الصاروخية المتطورة وبرامج الطائرات المسيرة والنفوذ الإقليمي الواسع عبر محور المقاومة بشكل مباشر وصارم بالحرس الثوري الذي يمتلك أيضا شبكات مالية ومؤسسات اقتصادية ضخمة تغلغلت في كافة مفاصل الاقتصاد الوطني مما يجعله دولة داخل الدولة تمتلك مواردها المستقلة وقرارها السيادي الخاص الذي قد يتعارض أحيانا مع توجهات الحكومة الرسمية أو بعض الدوائر السياسية في مكتب المرشد
وتكشف قضايا الفساد المالي الكبرى مثل ملف شركة ياس القابضة عن طبيعة الصراعات الخفية والعلنية بين أجنحة الحرس الثوري المختلفة حيث ظهرت تسجيلات صوتية لقادة كبار يناقشون ملفات فساد مالي وإداري تورطت فيها شخصيات نافذة ومرموقة مما يؤكد أن التنافس داخل هذه المؤسسة العسكرية لا يقتصر على الأدوار الأمنية بل يمتد ليشمل السيطرة على الثروات والموارد المالية وتوزيع الحصص الاقتصادية بين الشبكات المرتبطة بمراكز القوى
شخصية هجينة تجمع بين الخلفية العسكرية والخبرة الإدارية
وفي هذا السياق المعقد يبرز اسم محمد باقر قاليباف كأحد أبرز الفاعلين القادرين على المناورة والبقاء داخل هذه الشبكات المتداخلة فهو يمثل شخصية هجينة تجمع بين الخلفية العسكرية القوية في الحرس الثوري والخبرة الإدارية الطويلة في رئاسة بلدية طهران والعمل التشريعي كرئيس للبرلمان مما يجعله جسرا حيويا للتواصل والتنسيق بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الرسمية للدولة في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد حاليا
وتؤدي قيادة خاتم الأنبياء المركزية برئاسة علي عبداللهي دورا محوريا وحاسما في إدارة العمليات العسكرية والتنسيق الميداني المباشر في أوقات الحرب والطوارئ القصوى حيث تعمل هذه القيادة ضمن منظومة أوسع تشمل المجلس الأعلى للأمن القومي مما يجعلها مركزا أساسيا في صنع القرار العسكري والعملياتي وهذا الواقع يؤكد أن السلطة العسكرية ليست محصورة في يد جهة واحدة بل موزعة بين هياكل قيادية متعددة ومتداخلة تشمل الجيش النظامي أيضا
وعلى الرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بمكتب المرشد خلال الهجمات الأخيرة إلا أنه لا يزال يحتفظ بأهمية حيوية ورمزية كبرى داخل بنية النظام باعتباره المصدر الأساسي للشرعية السياسية والدينية والجهة المسؤولة عن التعيينات العليا في مفاصل الدولة ولكن الفارق الجوهري في المرحلة الحالية يتمثل في طبيعة النفوذ الشخصي للقيادة الجديدة التي تفتقر إلى الكاريزما والرصيد السياسي والرمزي الذي كان يتمتع به المرشد الراحل علي خامنئي
ويجد مجتبى خامنئي نفسه مضطرا لإدارة توازنات معقدة وحساسة للغاية بين مراكز القوى المتعددة في الحرس الثوري والشبكات الأمنية النافذة والشخصيات السياسية الطموحة مما يجعل دوره في الوقت الراهن أقرب إلى إدارة التوازنات والتحكيم بين الأطراف المتنافسة منه إلى الحكم المباشر والقيادة المطلقة التي كانت تميز عهد والده وهذا التغير في نمط القيادة يساهم في زيادة حالة السيولة السياسية داخل بنية النظام الحاكم
الحكومة الرسمية ودور المؤسسات في ظل الطوارئ
تبدو حكومة الرئيس مسعود بزشكيان في ظل هذه المعطيات المعقدة أقرب إلى جهاز إداري وتنفيذي مخصص لإدارة شؤون الدولة اليومية وتقديم الخدمات العامة وتسيير الاقتصاد المنهك أكثر من كونها مركزا حقيقيا لصناعة القرار الاستراتيجي والسيادي فهي لا تملك القول الفصل في ملفات الحرب والسلم أو السياسة النووية الحساسة أو العلاقات الإقليمية المعقدة التي تظل حكرا على الدوائر الأمنية والعسكرية المقربة من مكتب القيادة العليا
ولا ينظر إلى الرئيس الحالي كفاعل رئيسي ومؤثر داخل مراكز القوة الحقيقية بل يتم التعامل معه كمنفذ للسياسات العامة التي يتم رسمها في غرف مغلقة ومع ذلك تظل الحكومة قادرة على التأثير غير المباشر عبر السيطرة على الموازنة العامة والبيروقراطية الحكومية الواسعة مما قد يجعلها عاملا مرجحا في صراعات النفوذ المستقبلية بين الأجنحة المتصارعة التي تحتاج إلى الغطاء القانوني والمالي الذي توفره مؤسسات الدولة الرسمية
صياغة القرارات الأمنية الكبرى والتوجهات الاستراتيجية
ويمثل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني المطبخ الحقيقي لصياغة القرارات الأمنية الكبرى والتوجهات الاستراتيجية العليا للدولة حيث تلتقي فيه كافة رؤوس السلطة العسكرية والسياسية والأمنية لتنسيق المواقف وإدارة الأزمات أما السلطة القضائية بقيادة غلام حسين محسني إيجئي فتعمل كذراع تنفيذية قوية وفعالة للعقاب وتثبيت أركان النظام وقمع أي محاولات للخروج عن الخطوط الحمراء المرسومة خاصة في أوقات الاضطرابات الأمنية والسياسية التي تتبع الحروب
وخلصت التقارير التحليلية إلى أنه لا يمكن اختزال السلطة في المنظومة الحاكمة حاليا في مركز واحد أو جهة بعينها بل هي منظومة ديناميكية متعددة المستويات تتداخل فيها المصالح والمواقع بشكل فريد واستثنائي وهذه الطبيعة المعقدة للنظام تجعله يعمل وفق شبكة من الدوائر الدينية والأمنية والعسكرية المتنافسة بدلا من الهرم التقليدي الواضح مما يساهم في إطالة أمد اتخاذ القرارات ولكنه في الوقت نفسه يوفر نوعا من المرونة في مواجهة الضغوط
وفي ظل وجود مكتب قيادة مثقل بالضغوط الداخلية والخارجية وحرس ثوري متشعب البنى والاهتمامات ومجلس أمن قومي يغلب عليه الطابع الأمني الصرف تتحرك شخصيات مثل قاليباف وبزشكيان وإيجئي بين هذه المستويات المتداخلة مستفيدة من فراغات القوة التي خلفتها الحرب والتحولات القيادية الكبرى وتبدو السلطة اليوم في حالة بحث مستمر عن توازن جديد يضمن بقاء النظام واستقراره في ظل مشهد إقليمي ودولي شديد العدائية والاضطراب
إن تراجع مركزية الواجهة التقليدية للقيادة وصعود شبكات النفوذ غير المعلنة جعل من الصعب على المراقبين الخارجيين التنبؤ بالخطوات القادمة للنظام الإيراني حيث أصبحت القرارات تمر عبر قنوات خلفية غير رسمية تعكس موازين القوى اللحظية بين الجنرالات ورجال الدين والتكنوقراط وهذا التداخل يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويجعل الدولة أقرب إلى منظومة تبحث عن الاستقرار المفقود وسط أمواج متلاطمة من التحديات المصيرية التي تهدد كيانها وبقاءها التاريخي















0 تعليق