.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
الحكومة العراقية تمر بمنعطف تاريخي خطير في ظل اشتداد التنافس الإقليمي والدولي على رسم ملامح المرحلة القادمة بعد تكليف علي الزيدي بمهمة التشكيل الوزاري التي اصطدمت مؤخرا برغبة إيرانية واضحة في الحفاظ على مكتسبات حلفائها المسلحين وضمان عدم تهميشهم في الخارطة السياسية الجديدة التي تتبناها واشنطن بشكل مباشر وعلني عبر دعمها المطلق لبرنامج الزيدي الإصلاحي والسيادي.
وحسب تقرير لـ الشرق الأوسط فإن طهران أبلغت ممثلي الإطار التنسيقي الشيعي بضرورة عدم تمرير أي تشكيلة وزارية قد تؤثر على التوازن القائم أو تضعف قبضة الفصائل الموالية لها في بغداد مما يعكس حجم التوتر المتصاعد بين القوى الفاعلة في المشهد العراقي الذي تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية الكبرى بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
التحركات الإيرانية لم تقتصر على التصريحات السياسية بل شملت وصول قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في زيارة مفاجئة للعاصمة بغداد لإدارة الأزمة بشكل مباشر ومنع أي انزياح للقرار العراقي نحو الأجندة الأميركية التي وصفها بـ الانصياع التام لواشنطن مؤكدا أن طهران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات عزل حلفائها الاستراتيجيين الذين يمثلون ركيزة أساسية في بنية الدولة والقوات المسلحة.
الفيتو الإيراني وتحركات قاآني في العاصمة بغداد
تزامنت زيارة قاآني مع وصول مفاوضات رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي إلى مراحل متقدمة وحساسة للغاية حيث يسعى الرجل إلى موازنة الضغوط الخارجية مع المطالب الداخلية المعقدة للقوى السياسية المنضوية تحت لواء التحالف الحاكم الذي يواجه انقسامات حادة حول كيفية توزيع الحقائب الوزارية السيادية والخدمية بما يضمن عدم إثارة غضب القوى الفاعلة التي تمتلك أجنحة عسكرية قوية في الميدان.
المصادر السياسية المتقاطعة أشارت إلى أن قاآني التقى بالفعل مع كبار قادة الإطار التنسيقي وأبلغهم برفض طهران القاطع لأي توجه يهدف لإقصاء الفصائل المسلحة من التشكيلة الحكومية القادمة معتبرا أن هذه الخطوة تعد تنازلا كبيرا لصالح واشنطن التي كثفت من ضغوطها خلال الأيام الماضية لضمان خروج العراق من دائرة التأثير الإيراني المباشر على قرارات السلطة التنفيذية والسياسات الاقتصادية والنفطية الحساسة.
المفاوضات الجارية خلف الكواليس في المنطقة الخضراء تم تشبيهها بـ الحصار والحصار المضاد في مضيق هرمز نظرا لحدة الرسائل المتبادلة بين الطرفين الإقليميين اللذين يسعيان لتثبيت نفوذهما في بنية الحكومة العراقية المقبلة حيث يرى المسؤولون أن طهران تستخدم ورقة الفيتو البرلماني لمنع تمرير أي تشكيلة وزارية لا تحظى بمباركتها الكاملة أو تهمش دور الفصائل المسلحة الحليفة لها.
الضغوط الأميركية ودعم واشنطن المطلق لعلي الزيدي
الهدف الرئيسي للتحرك الإيراني السريع يتمثل في إحباط محاولة تشكيل حكومة عراقية توصف بأنها مصنوعة بالكامل من قبل الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترمب الذي وصف تكليف الزيدي بالانتصار العظيم للسياسة الخارجية لبلاده مما وضع الحكومة العراقية في موقف محرج أمام القوى الإقليمية التي تخشى من تحول بغداد إلى قاعدة متقدمة للمصالح الأميركية في المنطقة خلال السنوات الأربع المقبلة.
واشنطن لا تسعى فقط إلى تقليص تمثيل الفصائل المسلحة داخل التشكيلة الوزارية بل تضغط بقوة لضمان عدم عودتها لاحقا عبر صفقات سياسية أو ترتيبات بديلة تمنحها السيطرة على موارد الدولة الحيوية وهو ما دفع طهران لاستخدام كامل ثقلها السياسي والدبلوماسي لمنع هذا السيناريو الذي تراه تهديدا مباشرا لأمنها القومي وامتدادها الاستراتيجي في العمق العراقي الذي تزايد منذ سنوات طويلة.
التوقعات تشير إلى وصول وفود أميركية رفيعة المستوى إلى بغداد خلال الأيام القليلة القادمة لتعزيز موقف الزيدي وتقديم ضمانات اقتصادية وسياسية كبرى في حال نجاحه في تشكيل حكومة بعيدة عن النفوذ الإيراني لكن هذا المسار يواجه عقبات برلمانية كبيرة قد تؤدي إلى انهيار المفاوضات بالكامل والعودة إلى نقطة الصفر في ظل اتهامات متبادلة بالتدخل في السيادة الوطنية.
أزمة الحقائب السيادية ومطالب الفصائل المسلحة
المناورات غير المعلنة بين واشنطن وطهران تعكس صورة مصغرة عن صراعهما في ملفات إقليمية شائكة حيث يتحول ملف الحكومة العراقية إلى بؤرة صراع مفتوح قد تخرج عن السيطرة في حال أصر كل طرف على شروطه القصوى دون تقديم تنازلات متبادلة تسمح بمرور التشكيلة الوزارية عبر البرلمان الذي يعاني أصلا من فقدان النصاب بسبب سفر عشرات النواب لأداء مناسك الحج في السعودية.
الزيدي حاول تقديم مقاربة تعتمد على إبقاء بعض الوزارات شاغرة أو منح الفصائل حقائب أقل تأثيرا لتهدئة الضغوط الأميركية لكن هذا المقترح قوبل بغضب عارم من القوى الموالية لإيران التي تطالب بحصص تتناسب مع ثقلها البرلماني والسياسي وتحديدا حركة عصائب أهل الحق التي تمتلك سبعة وعشرين مقعدا وتصر على الحصول على حقيبة وزارة النفط التي تمثل عصب الاقتصاد الوطني العراقي.
الخلافات لم تتوقف عند حدود العصائب بل امتدت لتشمل قوى أخرى مثل تحالف أحمد الأسدي الذي يمتلك عشرة مقاعد حيث يرى هؤلاء أن التنازل عن التمثيل الحكومي يعني فقدان الغطاء السياسي والقانوني لأنشطتهم المستقبلية وهو ما يفسر حدة الاعتراضات الإيرانية على شروط واشنطن التي تتضمن تقليص الارتباطات الاقتصادية والسياسية بطهران بشكل جذري وشامل في كافة مفاصل الدولة الرسمية.
تحديات الوقت واكتمال النصاب البرلماني
رئيس الحكومة المكلف بات أمام مهمة معقدة تفوق التوقعات الأولية بسبب الانقسامات العميقة داخل الإطار التنسيقي الذي بدأ يشعر بالقلق من تداعيات المواجهة المباشرة مع واشنطن التي قد تلجأ لفرض عقوبات اقتصادية قاسية على بغداد أو قطع الدعم المالي والتقني في حال فشل الزيدي في الوفاء بالتزاماته الدولية المتعلقة باستقلال القرار السياسي العراقي وتحييد السلاح المنفلت خارج إطار الدولة.
المسؤولون المنخرطون في المفاوضات يؤكدون أن الزيدي تلقى رسائل أميركية واضحة تشدد على ضرورة تشكيل الحكومة بعيدا عن النفوذ الإيراني مع تزويده بمعلومات دقيقة حول محاولات الفصائل للالتفاف على الشروط الموضوعة مما زاد من تعقيد المشهد السياسي وجعل رئيس الوزراء المكلف في وضع لا يحسد عليه بين تنفيذ المطالب الدولية وبين الحفاظ على التماسك الداخلي لتحالفه السياسي الحاكم.
عامل الوقت يشكل ضغطا إضافيا قاتلا حيث يتعين على الزيدي تقديم تشكيلته خلال ثلاثين يوما فقط قبل انتهاء المهلة الدستورية في وقت يهدد فيه غياب النواب اكتمال النصاب المطلوب لعقد جلسة منح الثقة مما يفتح الباب أمام سيناريوهات التصعيد أو الدخول في مرحلة الفراغ الدستوري التي قد تنهي طموحات الحكومة العراقية الجديدة قبل ولادتها المتعثرة في ظل هذا الصراع الدولي المحتدم.

















0 تعليق