.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الوقت الراهن إلى العثور على صيغة سياسية وعسكرية نهائية تضمن له تحقيق اختراق جوهري في جدار المواجهة الصلب مع طهران عبر توظيف أدوات الضغط القصوى التي تتأرجح بين التهديد العسكري المباشر وبين تضييق الخناق الاقتصادي الذي يستهدف تجفيف منابع القوة المالية للنظام الإيراني الطامح لفرض سيطرته الإقليمية الواسعة في منطقة الشرق الأوسط.
وحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز فإن هذه التحركات بدأت فعليا من خلال شن ضربة جوية خاطفة في شهر يونيو من العام الماضي استهدفت تدمير البنية التحتية النووية لإيران بالكامل تلتها حملة عسكرية واسعة النطاق في فبراير جرت بالتنسيق الوثيق مع الحليف الإسرائيلي بهدف إضعاف مؤسسات الدولة وإثارة موجات من الغضب الشعبي الداخلي الذي قد يؤدي لتغيير النظام.
حصار الممرات المائية وصراع السيطرة البحرية
انتقل الرئيس ترامب بعد ذلك إلى خيار الحصار البحري الشامل في محاولة جادة لإنهاء الهيمنة الإيرانية التقليدية على مضيق هرمز الذي يعد أحد الشرايين الحيوية والأكثر أهمية لنقل موارد الطاقة حول العالم لضمان تدفق النفط بعيدا عن التهديدات العسكرية التي تلوح بها طهران ردا على العقوبات القاسية التي تفرضها الإدارة الأميركية الحالية لتقويض قدرات طهران الدفاعية والهجومية.
وتشير التقارير الصحفية الأخيرة إلى أن البيت الأبيض قد أعلن عن خطة جديدة تهدف لمساعدة السفن التجارية والناقلات العالقة في المياه الإقليمية على عبور المضيق بسلام لكسر حالة الشلل المروري البحري الذي تسببت فيه التوترات الأخيرة لكن المراقبين الدوليين وصفوا هذه الخطة بأنها تفتقر إلى التفاصيل التنفيذية الواضحة التي يمكن أن تضمن سلامة الملاحة الدولية في المنطقة.
تداعيات التصعيد المتبادل على أمن الطاقة العالمي
ردت السلطات الإيرانية على هذه التحركات الميدانية بتنفيذ عمليات عسكرية نوعية شملت إطلاق رشقات صاروخية وتسيير طائرات بدون طيار في سماء المنطقة الحيوية مما أدى إلى زيادة حادة في مستوى المخاطر الأمنية ودفع معظم شركات الشحن وناقلات النفط العملاقة إلى الإحجام عن المرور عبر المضيق في الوقت الراهن خوفا من التعرض لعمليات استهداف مباشرة قد تؤدي إلى كوارث بيئية واقتصادية.
ويرى عدد من المسؤولين الدوليين والمحللين السياسيين أن رهان ترامب المستمر على أن هذه الضغوط العسكرية والاقتصادية المتلاحقة ستدفع النظام الإيراني في نهاية المطاف إلى الاستسلام أو القبول بالشروط الأميركية يعكس سوء تقدير عميق لطبيعة الهيكل السياسي في طهران وقدرته التاريخية الكبيرة على التكيف مع الأزمات الحادة ومواجهة الضغوط الخارجية بأساليب غير تقليدية تضمن بقاء النظام واستقراره.
رهانات واشنطن وتحديات الصمود الاقتصادي الإيراني
أوردت صحيفة نيويورك تايمز في تحليلها أن القيادة في طهران تعتقد جازمة بأنها تمتلك في الوقت الحالي زمام المبادرة الاستراتيجية في هذه المواجهة وأنها قادرة على تحمل كافة التبعات الاقتصادية القاسية لفترة زمنية أطول بكثير من قدرة واشنطن على مواجهة التداعيات السياسية والداخلية الناتجة عن الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة العالمية الذي تسبب فيه تعطل الملاحة التجارية في مضيق هرمز الاستراتيجي.
ويقول مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ إن ترامب يميل دوما للجوء إلى وسائل تصعيد جديدة في كل مرة يلمس فيها فشل أدوات الضغط السابقة في تحقيق نتائج ملموسة ظنا منه أن التصعيد العسكري سيمنحه نصرا سريعا وخاطفا يمكن استثماره سياسيا بينما الواقع يؤكد أن ممارسة الضغوط دون فتح أبواب حقيقية للتفاوض الدبلوماسي تظل خطوة بلا جدوى حقيقية.
فجوة المفاوضات العميقة بين الحسابات الثقافية والسياسية
تشكك مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز سوزان مالوني في قدرة هذه الاستراتيجية الهجومية على تحقيق أهدافها النهائية مؤكدة أن الاقتصاد الإيراني أظهر قدرة استثنائية على الصمود في وجه العقوبات الدولية المفروضة عليه منذ سنوات طويلة دون أن يؤدي ذلك إلى حدوث انهيار شامل في منظومة الحكم أو تغيير ملموس في السلوك السياسي والعدائي الذي تنتهجه إيران في ملفاتها الإقليمية والدولية المختلفة.
وتضيف مالوني أن الطبيعة السلطوية التي يتسم بها النظام في طهران تساهم بشكل كبير في تقليل تأثير الضغوط الشعبية والداخلية الناتجة عن تدهور الأوضاع المعيشية في ظل استمرار سياسة القمع الأمني للاحتجاجات في وقت لا يبدي فيه ترامب أي استعداد لتقديم تنازلات جوهرية أو مرونة في المواقف على الرغم من الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي بدأت تلوح في الأفق نتيجة تقلبات أسواق النفط العالمية.
مستقبل الضغوط القصوى في ظل انسداد الأفق الدبلوماسي
توضح مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس سنم وكيل أن الاختلافات الجوهرية في الثقافة السياسية وأساليب التفاوض بين الطرفين تساهم في تعميق حالة الجمود الراهنة مشيرة إلى أن صناع القرار في إيران لا يتخذون قراراتهم بناء على الحسابات الاقتصادية والمالية البحتة بل يستندون إلى رؤية استراتيجية تعتبر السيادة والنفط أدوات ضغط سياسي لا يمكن التنازل عنها تحت وطأة التهديدات الأميركية.
وعلى الرغم من الارتفاع الكبير في الكلفة الاقتصادية لهذه الأزمة المستمرة فإن تقديرات الخبراء الفنيين تشير إلى أن طهران لا تواجه أزمة وشيكة في عمليات تصدير أو تخزين الخام خلافا لما يروجه ترامب في خطاباته السياسية حيث تمتلك إيران قدرات لوجستية تتيح لها خفض الإنتاج مؤقتا وتخزين النفط في ناقلات عملاقة أو اللجوء لوسائل تصدير بديلة وبعيدة عن الرقابة الدولية المباشرة.
وتؤكد التقارير أن استراتيجية الضغط القصوى التي تنتهجها الإدارة الأميركية تواجه تحديات ميدانية وسياسية متزايدة في ظل الصمود الإيراني المستمر والتعقيدات الإقليمية والدولية المتشابكة التي تجعل من الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أو اتفاق ديبلوماسي سريع أمراً بعيد المنال في ظل غياب الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران وإصرار كل طرف على فرض شروطه الكاملة لإنهاء هذه الأزمة التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي بشكل مباشر.
















0 تعليق