قال الأنبا باخوم، النائب البطريركى لشئون البطريركية ممثل الكنيسة الكاثوليكية فى لجنة إعداد قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، إن مشروع القانون الجديد شهد نوعًا من التكامل بين القانون المدنى والاختصاص الكنسى، مع التوافق الواسع فى الآثار المدنية للزواج، مثل النفقة والحضانة والنسب وغيرها، واحتفاظ كل كنيسة بخصوصيتها فيما يتعلق بالشق العقائدى.
وأضاف، خلال حواره لـ«الدستور»، أن مشروع القانون استحدث الميراث، ونصّ على تساوى الرجل والمرأة فى حقوق الإرث، وأوجب على القاضى طلب رأى الكنيسة فى قضايا بطلان الزواج، وأمهلها ٤٥ يومًا للرد، كما أوجب على القاضى توضيح الأسباب فى حال عدم الأخذ بالرأى الكنسى، فى إطار التوازن بين السلطة القضائية والرأى الكنسى، لضمان شفافية القرار.
■ بداية.. كيف شاركت الكنيسة الكاثوليكية فى مناقشة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين؟ وما مدى التوافق حول بنوده؟
- شاركت الكنيسة من خلال ثلاثة ممثلين عنها، إلى جانب ممثلى مختلف الكنائس الخمس، وبحضور ممثلين عن الدولة.
ويمكن القول إن التوافق كان قائمًا فى الغالب بالإجماع، خاصة فيما يتعلق بالآثار المدنية للزواج، مثل النفقة والحضانة والنسب، لأن هذه الأمور تُعد محل اتفاق بين جميع الكنائس والطوائف، لكن لا يمكن القول بوجود توافق على الآثار الكنسية أو العقائدية، لأن لكل طائفة عقيدتها الخاصة.
وعلى سبيل المثال، هناك أمور لا نشترك فيها، ونرجع فيها إلى تقاليدنا الخاصة، كما تختلف بعض أسباب بطلان الزواج بين الأرثوذكس والبروتستانت، وهكذا.
■ ما نطاق تطبيق أحكام القانون المدنى على الكاثوليك؟
- تُشارك الكنيسة الكاثوليكية فى الأحكام التى يُرتِّب عليها القانون آثارًا مدنية، وتشمل هذه الأحكام على سبيل المثال لا الحصر: الخطوبة والمهر، والنفقة الزوجية والأسرية، وحقوق الزوجين وحقوق الأولاد، والحقوق الاجتماعية والمدنية المترتبة على الزواج، والحضانة وحق الرؤية، والإرث والوصية.
والخطوط الحمراء بالنسبة لنا تتمثل فى كل ما يخص العقيدة، مثل إعلان بطلان الزواج والموانع، فالزواج له شق كنسى قائم على العقيدة، وهذا كان، ولا يزال، خطًا أحمر لا يمكن المساس به.
■ ما دور الكنيسة فى إجراءات التقاضى فى قضايا بطلان الزواج؟
- دور الكنيسة واضح، كما ينص مشروع القانون، إذ يجب على القاضى أن يطلب رأى الكنيسة فى القضايا ذات الصلة، وتكون أمام الكنيسة مهلة محددة قدرها ٤٥ يومًا للرد على القاضى، بما يتيح لها دراسة الحالة وإبداء الرأى الكنسى وفقًا لتعاليمها ولوائحها.
وهذه المهلة تعكس احترام القانون للدور الكنسى، وتمنح الكنيسة الوقت الكافى لفحص كل حالة بدقة، خاصة فى المسائل التى تتعلق بالأحوال الشخصية ذات البعد العقائدى والكنسى، وهو ما يضمن صدور رأى مدروس يعبّر عن موقف الكنيسة الرسمى.
■ ماذا يحدث إذا لم يأخذ القاضى برأى الكنيسة؟
- فى هذه الحالة يكون القاضى مُلزمًا بأن يُسبب قراره بشكل واضح إذا لم يأخذ برأى الكنيسة، بما يحقق نوعًا من التوازن بين السلطة القضائية والرأى الكنسى، ويضمن شفافية القرار أمام جميع الأطراف.
والتوازن هنا يقوم على أن يحتفظ القاضى بسلطته فى إصدار الحكم وفق القانون، لكنه فى الوقت نفسه لا يتجاهل رأى الكنيسة، بل يتعين عليه النظر فيه بجدية، وإذا قرر عدم الأخذ به فعليه توضيح أسباب ذلك، وهو ما يعكس احترامًا للدور الروحى والمؤسسى للكنيسة.
كما أن التوازن يتحقق من خلال احترام اختصاص كل جهة؛ فالقانون ينظم الجوانب المدنية ويضع إطارًا عامًا للتعامل مع النزاعات، بينما تحتفظ الكنيسة بحقها الكامل فيما يتعلق بالأمور العقائدية، مثل بطلان الزواج ومنح الزواج الثانى، وهو ما يضمن الحفاظ على هوية كل طائفة، وفى الوقت نفسه مراعاة احتياجات الواقع.
■ هل يسهم القانون الجديد فى إنهاء الأزمات التى تواجه الأسر المسيحية؟
- لا شك أن القانون سيساعد فى تخفيف جزء من الأعباء وحل عدد من الإشكاليات، لكنه لن يقضى على كل المشكلات بشكل كامل، فدائمًا ما تظل الحالات على أرض الواقع أكثر تعقيدًا من أن تُعالج جميعها من خلال نصوص قانونية فقط.
والسبب يعود إلى أن بعض القضايا ترتبط بالشق العقائدى والكنسى، وهو ما يختلف من طائفة لأخرى، ولا يمكن حسمه بنص قانونى موحد، لذا ستظل هناك حالات تحتاج إلى معالجة رعوية وكنسية إلى جانب المعالجة القانونية.
■ هل لا يزال تغيير الملّة أو الطائفة سببًا للتطليق فى مشروع القانون؟
- التغيير الملّى لم يعد سببًا للطلاق، لأنه يُحتكم فى هذه الحالة إلى شريعة العقد نفسه، أى الإطار الكنسى الذى تم على أساسه إبرام الزواج، وليس إلى مجرد تغيير الانتماء الطائفى بعد الزواج.
وهذا يعكس توجهًا واضحًا نحو تثبيت فكرة أن الزواج يُفهم من خلال مرجعيته الكنسية التى نشأ فيها، بما يضمن استقرار العلاقة الزوجية وعدم استخدامها كمدخل لإنهاء الزواج تلقائيًا.
■ كيف تُدار قضايا البطلان داخل الكنيسة الكاثوليكية؟
- قضايا البطلان وإعلان بطلان الزواج تتم وفق إجراءات كنسية واضحة ومنظمة، وغالبًا ما تسير بطريقة أكثر سرعة وانضباطًا مقارنة بما يتصوره البعض، لأنها تعتمد على مسار إدارى وروحى محدد، يهدف إلى دراسة الحالة بدقة من خلال محاكم كنسية مختصة.
■ ما الهدف من هذه السرعة فى إجراءات البطلان؟
- الهدف ليس السرعة فى حد ذاتها، وإنما الوصول إلى الحقيقة الروحية والكنسية للحالة، فى إطار من العدالة والوضوح، بما يضمن حماية كرامة الأطراف وعدم إطالة النزاع لفترات طويلة، مع الحفاظ فى الوقت نفسه على جوهر التعاليم الكنسية المتعلقة بسر الزواج.
■ هل الكنيسة مُلزمة بمنح الحق فى الزواج الثانى بعد البطلان؟
- الكنيسة غير مُلزمة بإعطاء الحق فى الزواج الثانى، لأن هذا الأمر يدخل ضمن صلاحياتها العقائدية والتنظيمية، وفقًا لكل حالة على حدة.
وقرار منح الزواج الثانى يرتبط بتقييم كنسى دقيق، ويستند إلى ما تم التوصل إليه فى قضية البطلان، وإلى مدى توافق الحالة مع التعاليم الكنسية الخاصة بسر الزواج.
■ كيف يمكن فهم العلاقة بين القانون المدنى والرؤية الكنسية فى هذا السياق؟
- يمكن فهمها على أنها علاقة تكامل لا تصادم؛ فالقانون المدنى ينظم الجوانب المدنية ويضع إطارًا عامًا لحل النزاعات، بينما تحتفظ الكنيسة بدورها فى الشق الروحى والعقائدى.
وبالتالى، هناك مساران متوازيان، أحدهما قانونى، والآخر كنسى، وكل منهما يعمل فى نطاق اختصاصه، بما يحقق توازنًا بين احتياجات المجتمع واحترام العقيدة.
■ ماذا عن موضوع إنهاء الزواج؟
- فى كنيستنا الكاثوليكية لا يوجد ما يُسمى بالطلاق كحل كنسى، لكن الموجود هو ما يُسمى بـ«إعلان البطلان»، وهذا مفهوم مختلف جذريًا، لأنه لا يعنى إنهاء زواج قائم بشكل طبيعى، وإنما يعنى فحص أصل الزواج نفسه، هل تم بطريقة صحيحة وكاملة من الناحية الكنسية منذ البداية، أم كان هناك خلل جوهرى يجعل الزواج غير مكتمل أو غير صحيح من الأساس.
والفكرة ببساطة هى أن الزواج فى الكنيسة الكاثوليكية هو سرّ، وليس مجرد عقد اجتماعى، وبالتالى فالكنيسة لا تنظر إلى الزواج كعلاقة قابلة للفسخ بسهولة، لكن تنظر إلى صحة هذا السر منذ لحظة انعقاده.
لذلك، فإن إعلان البطلان هو حكم كنسى يقول إن الزواج لم تتوافر فيه الشروط الجوهرية منذ البداية، وليس إنهاء لزواج صحيح قائم.
■ ما طبيعة الحالات التى يتم فيها إعلان البطلان غالبًا؟
- فى نسبة كبيرة من الحالات يمكن أن نقول إن حوالى ٧٠٪ إلى ٨٠٪ لا تكون المشكلة بسبب خطأ مباشر أو سوء نية من أحد الطرفين، ولكن بسبب وجود مانع أو خلل كان موجودًا منذ لحظة الزواج، وقد يكون هذا المانع متعلقًا بالقدرة النفسية أو النضج الكافى، أو بغياب الرضا الكامل، أو بوجود ظروف حالت دون تحقق الزواج بشكل صحيح كسر كنسى مكتمل.
■ هل يمكن القول إن هناك طرفًا مُذنبًا فى أغلب القضايا؟
- لا، لا يمكن تعميم فكرة الذنب فى هذا النوع من القضايا، ففى كثير من الحالات لا نكون أمام طرف مُذنب وطرف غير مُذنب، لأن المشكلة تكون فى بنية الزواج نفسه منذ البداية، لذا فالكنيسة تحاول أن تنظر بموضوعية لكل حالة بعيدًا عن فكرة الإدانة، وتركز أكثر على التحقق من صحة الزواج من عدمه.
■ متى تظهر فكرة الخطأ أو المسئولية الشخصية بوضوح؟
- تظهر بشكل أوضح فى بعض الحالات الخاصة، مثل حالات الغش، أو الإكراه، أو تقديم معلومات غير صحيحة قبل الزواج، أو إخفاء أمور جوهرية، وهنا يمكن القول إن أحد الأطراف تعرض لضرر واضح لأن رضاه لم يكن كاملًا أو لم يكن مبنيًا على معرفة صحيحة، وبالتالى يكون هناك خلل جوهرى فى إرادة الزواج.
■ ألا توجد حالات يصعب فيها التمييز بين الأسباب؟
- نعم، فى بعض الحالات يكون التداخل كبيرًا بين الأسباب، وقد لا يكون من السهل الفصل بشكل مباشر بين خلل فى البداية وظروف حدثت لاحقًا، لذلك تأخذ الكنيسة وقتها فى الدراسة، لأن القرار لا يُبنى على انطباع سريع، بل على تحقيق شامل يراعى جميع الجوانب.
والهدف الأساسى هو الوصول إلى الحقيقة الكنسية للزواج: هل هو زواج صحيح مكتمل أم لا؟، والكنيسة تسعى إلى الحفاظ على العدالة والرحمة معًا، بحيث لا يُظلم أحد، ولا يتم تجاهل البعد الإنسانى، وفى نفس الوقت يتم الحفاظ على قدسية سر الزواج كما تفهمه الكنيسة الكاثوليكية.
■ ما موقف الكنيسة الكاثوليكية من الزواج المدنى؟
- الكنيسة الكاثوليكية لا تعترف إطلاقًا بالزواج المدنى، إذ تنظر إلى الزواج باعتباره سرًا كنسيًا قائمًا على أسس عقائدية وروحية، ولا يمكن فصله عن الإطار الكنسى أو التعامل معه باعتباره مجرد عقد مدنى.
■ فى إطار مشروع القانون الجديد.. ما اختصاص الكنيسة فى المسائل العقائدية المتعلقة بسر الزواج؟
- تحتفظ الكنيسة الكاثوليكية باختصاصها الحصرى فى المسائل المتعلقة بصحة الزواج وميثاقه وما يترتب عليهما، بوصف هذه المسائل محددة لعقيدتها وهويتها وتميزها عن سائر الطوائف.
وتشمل هذه المسائل الموانع المُبطِلة للزواج، وهى الموانع المقررة وفقًا لقوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية، والزيجات المختلطة، وهى الزيجات بين الكاثوليك وغير الكاثوليك، وتخضع فى أحكامها لقانون الكنيسة الكاثوليكية، والرضا الزوجى، ويُقصد به الإدراك الواعى لسر الزواج، واكتمال الإرادة الحرة، والنية الصريحة لإتمامه، وخلوه من أى عيب مُبطل كالغش أو الإكراه أو غيرهما.
وكذلك صيغة الاحتفال بالزواج، التى تستلزم حضور الكاهن المُبارك وشهود العقد، وإقامة الطقس المقدس وفق الشعائر المقررة، والانفصال الجسمانى بين الزوجين، ويُجيزه القانون فى حالة استحالة الحياة المشتركة لسبب جسيم يحدث بعد إتمام الاحتفال بالزواج بشكل صحيح، كالعنف المستمر أو غيره من الأسباب الخطيرة التى تحول دون استمرار المعيشة المشتركة.
هل هناك مواد تتعارض مع تعاليم الكتاب المقدس كما يزعم البعض؟
- الكنيسة الكاثوليكية لم تجد أى تعارض بين مواد قانون الأحوال الشخصية والكتاب المقدس، خاصة أننا نتحدث فى هذا الصدد عن الزواج، وهو سر من أسرار الكنيسة، كما أنى بينت ما يتعلق ببطلان الزواج، الذى لا يعنى الطلاق، أيضًا معظم مواد القانون تتعلق بأمور فى الحياة المدنية.
■ أخيرًا.. ما الأحكام الموضوعية المستحدثة فى مشروع القانون؟
- الأحكام الموضوعية المستحدثة فى مشروع قانون الأحوال الشخصية للأقباط هى الميراث، فقد نص القانون على أنه يتساوى الرجل والمرأة فى حقوق الإرث تساويًا تامًا دون تمييز بسبب الجنس.
كما أضاف القانون الطلاق وإعلان البطلان، ولا يجوز فى الكنيسة الكاثوليكية الطلاق بوجه عام ولا الانحلال المدنى للزواج، غير أن الكنيسة تُجيز ما يُعرف بـ«إعلان البطلان»، الذى مؤداه التثبُّت من أن عقد الزواج كان باطلًا من أصله وقت الاحتفال به لوجود مانع شرعى، مثل: العجز الجنسى، والغش، وعدم اكتمال السن القانونية، والأمراض النفسية الجسيمة السابقة للزواج التى تؤثر فى طبيعة الحياة الزوجية، وغير ذلك من الأسباب المقررة.
وأيضًا الانفصال الجسمانى، وتسرى فى شأنه الأحكام المقررة باللائحة الداخلية للكنيسة الكاثوليكية فيما يتعلق بالموانع المُبطِلة للزواج، وصيغة الاحتفال به، وتصحيحه، والانفصال الجسمانى بين الزوجين.













0 تعليق