فُجعت الساحة الفنية والإعلامية، أمس الأول، بخبر رحيل «أمير الغناء العربى» الفنان الكبير هانى شاكر، الذى فارق الحياة بعد صراع مع المرض.
وكان الخبر بمثابة صدمة لقلوب الملايين من محبيه، وأثار مشاعر الحزن فى نفوس جمهوره فى مختلف الدول العربية، وزملائه من الفنانين والمبدعين الذين ربطتهم به علاقات وطيدة من الاحترام والإعجاب، خاصة أن «أمير الغناء العربى» يعد رمزًا من رموز الأغنية العربية، وأحد أبرز أعلام الرومانسية فى مصر والعالم العربى، ورحل عن عالمنا بعد أن ترك وراءه إرثًا فنيًا وغنائيا خالدًا، شكّل وجدان الملايين من محبيه لعقود طويلة.
اقتدى بـ«العندليب عبدالحليم حافظ» منذ الطفولة فنيًا وإنسانيًا.. وحفظ وصيته حتى آخر العمر
بدأت مسيرة النجم الراحل هانى شاكر كطفل موهوب فى برامج الأطفال بالإذاعة والتليفزيون، وتجسد أول ظهور فنى حقيقى له فى عام ١٩٦٦، عبر تجسيد شخصية «سيد درويش» فى مرحلة الصبا، فى الفيلم الذى حمل اسم الفنان الكبير، ثم صقل موهبته بالدراسة فى المعهد العالى للموسيقى، وكانت انطلاقته الرسمية فى عام ١٩٧٢، بأغنية «حلوة يا دنيا».
بدأ هانى شاكر مسيرته الفنية طفلًا فى كورال أغنية «بالأحضان» مع الفنان الكبير عبدالحليم حافظ فى عام ١٩٦١، وكانت اللحظة الفارقة فى حياته عندما التقى «العندليب»، مثله الأعلى، فى لقاء لم يكن عاديًا بالنسبة له، بل كان أشبه بصدمة وجدانية، امتزج فيها الخوف بالدهشة، على حد تعبيره.
وروى الفنان الراحل تفاصيل لقائه الأول مع «العندليب» بقوله إنه كان فى حالة ارتباك شديد وهو يقف أمام مثله الأعلى، لكنه قرر أن يغنى أمامه، مضيفًا: «لما وقفت قدام عبدالحليم كنت مرعوب جدًا، لكن غنيت، وهو سمعنى كويس جدًا، وبعد ما خلصت قال لى: (صوتك جميل.. حافظ عليه)».
وتابع: «عبدالحليم كان بيشجعنى جدًا، وده خلانى أصدق نفسى، لأنه فنان كبير وكلامه مسئولية».
ولم تمر كلمات «العندليب» على هانى شاكر مرور الكرام، بل استقرت فى وجدانه، لتصبح بمثابة شهادة ميلاد فنية غير رسمية، ودافعًا قويًا جعله يثق فى موهبته ويبدأ التفكير بجدية فى احتراف الغناء، فقد كان لهذه اللحظة أثر نفسى كبير عليه، إذ شعر بأنه حصل على اعتراف من أكبر رمز غنائى فى زمنه.
ولم تكن علاقة «أمير الغناء العربى» بـ«العندليب الأسمر»، عبدالحليم حافظ، مجرد لقاء عابر بين جيلين من نجوم الغناء، بل كانت حكاية ممتدة، بدأت من إعجاب طفولى تحوّل إلى ارتباط وجدانى وفنى، ثم إلى دعم مبكر، ترك بصمته على مشوار أحد أبرز مطربى الرومانسية فى مصر والعالم العربى.
وفى ذاكرة هانى شاكر، ظل صوت «عبدالحليم» حاضرًا منذ سنوات الطفولة الأولى، ليس كمطرب عادى، بل كحلم كامل كان يعيشه ويقلّده ويستمع إليه باستمرار، فى حالة شغف حقيقية، عبّر عنها فى أكثر من لقاء، قائلًا إنه كان يعيش مع أغانى «العندليب»، ويحفظها عن ظهر قلب، ويتخيل نفسه مكانه وهو يغنى على المسرح.
هذا التعلق المبكر كان الشرارة الأولى التى دفعت هانى شاكر إلى الغناء، حتى قبل أن يعرف طريق الاحتراف، إذ لاحظ المحيطون به امتلاكه صوتًا مميزًا وإحساسًا مختلفًا عن زملائه، ومع الوقت، تحوّل هذا الشغف إلى موهبة بدأت تبحث عن فرصة للظهور.
ورغم ما تردد لاحقًا من شائعات حول وجود منافسة أو توتر بين النجمين، فإن هانى شاكر حرص دائمًا على نفى هذه الرواية، مؤكدًا أن العلاقة بينهما كانت قائمة على الاحترام والتقدير، وليست كما حاول البعض تصويرها.
وأوضح أن الإعلام لعب فى تلك الفترة دورًا فى تضخيم فكرة «الصراع بين الأجيال»، خاصة مع بروز أسماء جديدة على الساحة الغنائية، حتى إنه، فى بداية مشواره، ارتبط اسمه ببعض المقارنات مع «العندليب»، حتى أطلق عليه البعض لقب «خليفة عبدالحليم حافظ»، ما وضعه تحت ضغط كبير، لكنه كان واعيًا منذ البداية بخطورة هذا التصنيف، ورفض أن يقع فى فخ التقليد.
وأكد «أمير الغناء العربى» فى أكثر من تصريح أنه تعلم من «عبدالحليم» الكثير، لكنه لم يحاول يومًا أن يكون نسخة منه، بل أراد أن يصنع لنفسه شخصية فنية مستقلة.
ومع انطلاقته الحقيقية فى سبعينيات القرن الماضى، خاصة بعد تقديمه أغنية «حلوة يا دنيا»، من ألحان محمد الموجى، بدأ هانى شاكر يثبت نفسه تدريجيًا على الساحة الغنائية، إلى أن أصبح بمرور الوقت واحدًا من أبرز الأصوات الرومانسية فى جيله، مستفيدًا من موهبته الخاصة، دون أن ينفصل عن جذوره الأولى التى تشكلت على صوت «العندليب»، الذى لم يؤثر فيه فنيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.
وتحدث هانى شاكر أكثر من مرة عن الجانب الإنسانى فى شخصية «عبدالحليم»، مؤكدًا أنه كان فنانًا حريصًا على دعم المواهب الجديدة، ويهتم بسماع الأصوات الشابة وتشجيعها، ما كان له تأثير كبير فى تكوين شخصية الفنان الراحل الفنية والإنسانية.
كما روى هانى شاكر أن «عبدالحليم» كان يتعامل مع الفنانين الشباب بنوع من الأُبوة الفنية، ويمنحهم نصائح مباشرة وصادقة، دون مجاملة أو مبالغة، ومن بين النصائح التى ظل يتذكرها طوال حياته الفنية، تلك الجملة التى وصفها بأنها «وصية العندليب»، وهى: «خليك محافظ على صوتك وعلى نفسك.. الجمهور أمانة».
وأوضح هانى شاكر أن هذه العبارة تحديدًا أصبحت بالنسبة له مبدأً ثابتًا فى مشواره، ظل يستند إليه فى اختياراته الفنية وتعاملاته مع الجمهور، مؤكدًا أن الفنان ليس مجرد صوت، بل مسئولية كبيرة تجاه الناس الذين يمنحونه ثقتهم.
ومع مرور السنوات، بدأت علاقة «أمير الغناء العربى» بـ«العندليب» تتحول من مجرد إعجاب إلى حالة من الوفاء الفنى والإنسانى، فقد ظل يذكره فى كل مناسبة باعتباره رمزًا لا يتكرر، وأحد أهم من أثروا فى وجدانه الفنى، كما أكد أن رحيله كان لحظة صعبة جدًا فى حياته، إذ شعر بأنه فقد إنسانًا كان له تأثير مباشر على مسيرته، وليس مجرد فنان عظيم.
«خاتم وسبحة وصورة».. أبرز مقتنياته التى لم تفارقه
تحمل حياة الراحل هانى شاكر أكثر من وجه، فالمطرب صحاب المسيرة الفنية التى توجت بلقب «أمير الغناء العربى» امتلك أيضًا حياة مليئة بتفاصيل إنسانية دقيقة، تكشف جانبًا أكثر هدوءًا وعمقًا خلف الأضواء والحفلات والمسرح.
هذا الجانب الإنسانى تجلى بشكل أكبر فى رغبته فى الاحتفاظ بمقتنيات بسيطة حتى رحيله، وهى مقتنيات ليست فقط أشياء شخصية، إنما تمثل ذاكرة حيّة وطمأنينة داخلية وروابط لا تنقطع مع من أحبهم وغابوا عنه.
من بين هذه المقتنيات خاتم ظل يضعه فى إصبعه طوال عقود، لا يفارقه فى الصور ولا على خشبة المسرح.
هذا الخاتم لم يكن قطعة مجوهرات عابرة، بل هدية من والدته تحوّلت إلى «عهد شخصى» يرافقه فى كل خطواته، فكان يلمسه فى لحظات التوتر قبل الصعود إلى المسرح، وكأنه يستدعى دعاءً قديمًا وذكرى لا تغيب، ومع مرور السنوات وتغيّر الموضة، بقى الخاتم فى مكانه، جزءًا لا ينفصل عن هويته الفنية والإنسانية.
وكان الراحل هانى شاكر يضع دائمًا داخل حقيبته الشخصية سبحة لا تفارقه، لكنها لم تكن سبحة عادية، بل مصنوعة من أحجار كريمة تحمل عبق الماضى، فكانت رفيقته فى أصعب لحظات حياته وتحمل طابعًا خاصًا، وكأنها تحمل ذاكرة صاحبها معها.
هذه السبحة ارتبطت بلحظات شديدة الخصوصية فى حياته، خصوصًا الأوقات الصعبة التى مر بها فكان يمسك بها فى المستشفيات، وفى لحظات الانتظار، وفى الكواليس قبل الحفلات الكبيرة، وكأنها وسيلة لتهدئته من الداخل قبل مواجهة العالم.
لم تكن مجرد أداة للذكر، بل كانت مساحة صمت داخلى يلجأ إليها بعيدًا عن الأضواء، وكانت تمثل الجانب الروحى الهادئ فى شخصيته.
وبين أوراقه ومحفظته احتفظ هانى شاكر بصورة قديمة تجمعه بوالدته فى شبابها، وهى صورة قديمة ولكنها ظلت واضحة فى معناها بالنسبة له، ولم تكن مجرد ذكرى عائلية، بل كانت مرجعًا أخلاقيًا وإنسانيًا يرافقه فى كل مراحل حياته وتعبيرًا عن عمق العلاقة التى جمعته بها وتأثيرها الكبير فى تكوين شخصيته.
كان يرى فى هذه الصورة تذكيرًا دائمًا ببداياته البسيطة قبل الشهرة، وبالقيم التى نشأ عليها وكأن نظرة والدته فى الصورة تراقبه بصمت، لتمنعه من الانجراف خلف الغرور، وتعيده دائمًا إلى «هانى» الإنسان قبل الفنان. من التفاصيل اللافتة أيضًا فى عالمه الشخصى، احتفاظه بزجاجة عطر كلاسيكى قديم، لم يغيره منذ سنواته الأولى فى السبعينيات ولم يكن اختيارًا عابرًا، بل ارتبط لديه بمرحلة التكوين الفنى الأولى. ذلك العطر كان بالنسبة له بوابة زمنية تعيده إلى لحظات البدايات، إلى لقاءاته الأولى مع عمالقة الغناء والتلحين، وإلى مشاعر الرهبة والدهشة أمام كبار الفن وكان يستعيد من خلال الرائحة ملامح الماضى.
لأول مرة.. استمارة رسمية لتنظيم التغطية الرسمية للجنازة والعزاء
أطلقت شعبة المصورين الصحفيين بنقابة الصحفيين استمارة تسجيل لتغطية جنازة وعزاء الفنان الراحل هانى شاكر، فى أول تطبيق رسمى لبروتوكول التعاون المبرم مع شركة سُكنة «SOKNA»، المتخصصة فى تقديم خدمات تنظيم مراسم الجنازات.
ويتضمن البروتوكول تطبيق قواعد جديدة لتنظيم تغطية مراسم الجنازات والعزاءات، خاصة للفنانين والمشاهير، وذلك بالشراكة مع نقابة المهن التمثيلية، بما يضمن حق الصحفيين والمصورين الصحفيين فى أداء عملهم، مع منع حدوث أى فوضى أو مشاكل فى تغطية تلك الأحداث.
وحول ذلك، أكد مجدى إبراهيم، رئيس شعبة المصورين الصحفيين بنقابة الصحفيين، أن استمارة التسجيل، التى تم اعتمادها، تأتى كتطبيق فعلى يضمن احترام خصوصية اللحظات الإنسانية والقواعد المهنية والأخلاقية للعمل الصحفى، ويسمح بتغطية هذا الحدث المهم بشكل منظم وميسّر، دون أى مشاكل أو فوضى.
وأوضح «إبراهيم» أن البروتوكول، الذى تم إقراره بالتعاون مع نقابة المهن التمثيلية، جاء لتنظيم تغطية الحدث من قِبل مصورين محترفين، يقدرون العمل الصحفى والصورة الصحفية، مع منع منتحلى الصفة من إحداث مشاكل، كما حدث سابقًا فى عزاءات شخصيات عامة وفنانين.
وأشار إلى أن هناك قواعد تم الاتفاق عليها سابقًا تتعلق بتغطية الجنازات والعزاءات للمشاهير، تتضمن أماكن وزيًا خاصًا للتغطية، وقاعدة بيانات للمصورين والصحفيين المكلفين بالتغطية، منوهًا بأن أى مخالفة لتلك القواعد قد تعرض مرتكبها للتحقيق من قِبل النقابة أو للمساءلة الجنائية من قِبل أسرة الفنان الراحل.
«إلا أنا وياك».. أغنية لم يمهله القدر لطرحها
غادر النجم هانى شاكر عالمنا تاركًا وراءه مجموعة من الأعمال الغنائية لم يكتمل طرحها بعد، إذ كان قد انتهى من تسجيل مجموعة منها قبل أزمته الصحية الأخيرة.
وداخل استديوهات التسجيل، كان أمير الغناء العربى يسابق الزمن ليضع بصمته الأخيرة، فتحوّلت هذه الأعمال من مجرد مشاريع فنية إلى وثائق إبداعية توثّق اللحظات الأخيرة فى مسيرة واحد من أعمدة الأغنية العربية.
من بين أبرز هذه الأعمال أغنية ذات طابع درامى لم يُستقر على اسمها بعد، تعاون فيها مع الشاعرة الغنائية هالة الزيات، والملحن أحمد زعيم، والموزع الموسيقى عمرو عبدالفتاح، فيما تولّى ماهر صلاح عمليات الهندسة الصوتية. ولم تقتصر تحضيرات شاكر على الأغنية المصرية، بل امتدت لتشمل تجربة باللهجة اللبنانية حملت عنوان «إلا أنا وياك»، سجّلها خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت، وهى من كلمات مازن ضاهر، وألحان أحمد بركات، وتوزيع زاهر ديب. وكان من المقرر طرح أغنية «إلا أنا وياك» فى يناير الماضى، لكن تدهور الحالة الصحية لهانى شاكر حال دون ذلك، ليظل العمل مؤجّلًا أكثر من مرة.


















0 تعليق