تخيل أنك تمسك بمسطرة خشبية وتحاول سحب طرفيها ببطء شديد حيث لا تلاحظ العين أي تمدد في البداية ولكن مع زيادة الضغط يظهر شرخ مفاجئ يغير ملامح تلك المسطرة تماما وهذا هو المشهد الذي يتكرر اليوم فوق أراضي إثيوبيا التي تعيش لحظات تاريخية من التحول الجيولوجي العميق الذي قد يعيد رسم خرائط كوكبنا بشكل لا يمكن تصوره في المستقبل القريب.
حسب تقرير لباحثين من هيئة المساحة الجيولوجية والمنشور في دورية جيوفيزكال جورنال إنترناشونال فإن منطقة عفر الواقعة في الركن الشمالي الشرقي من بلاد إثيوبيا تمثل نقطة التفاعل الأكثر تعقيدا بين ثلاث صفائح تكتونية كبرى وهي الصفيحة العربية والأفريقية والصومالية التي تتباعد عن بعضها البعض بسرعات متفاوتة تسبب إجهادا مستمرا للقشرة الأرضية الضعيفة في تلك البقعة الساخنة والمثيرة للدهشة العلمية.
وتشير الدراسات السابقة التي أجراها علماء من جامعة ميسوري ونشرتها دورية جيومورفولوجي إلى أن الأرض في هذه المنطقة تتمزق عادة بمعدلات بطيئة للغاية تتراوح بين خمسة إلى عشرين ملم سنويا وهو معدل يشبه إلى حد كبير سرعة نمو أظافر الإنسان الطبيعية مما يجعل العملية تبدو وكأنها هدوء يسبق عواصف جيولوجية كبرى ستغير وجه القارة الأفريقية وتفصلها عن محيطها الحالي بشكل جذري.
لكن المراقبة المستمرة كشفت أن ما حدث بين أواخر عام ألفين وأربعة وعشرين ومنتصف عام ألفين وخمسة وعشرين كان خروجا كاملا عن المألوف حيث تحركت الأرض بمقدار ستين سنتيمترا في غضون ثلاثة أشهر فقط وهو ما يعادل حركة مائة وعشرين عاما من التطور الطبيعي في ظروف جيولوجية هادئة ومستقرة مما أثار تساؤلات كبرى حول القوى الخفية التي حركت أعماق إثيوبيا فجأة.
إن هذا التمزق المتسارع يعكس ضغوطا هائلة تتراكم تحت القشرة الأرضية الرقيقة في منخفض الدناكيل الذي يعد واحدا من أكثر الأماكن حرارة وانخفاضا على سطح الأرض حيث تتصارع القوى التكتونية لفتح طريق جديد لمياه البحار والمحيطات المجاورة لكي تغمر هذه الأراضي المنخفضة وتحولها إلى قاع بحري جديد في المستقبل البعيد الذي بدأ يتشكل ملامحه بوضوح أمام أعين العلماء.
ويؤكد الخبراء أن هذه الظاهرة ليست مجرد حدث عابر بل هي جزء من سلسلة طويلة من العمليات الجيولوجية التي بدأت منذ ملايين السنين عندما انقسمت شبه الجزيرة العربية عن أفريقيا لتشكل البحر الأحمر وخليج عدن والآن يبدو أن الدور قد جاء على منطقة عفر لتكون هي مهد المحيط السادس الذي سينضم إلى قائمة المحيطات الكبرى التي تغطي مساحات شاسعة من كوكبنا الأزرق.
لغز الستينات سنتيمترا وتحركات الصهارة الخفية في إثيوبيا
يكمن السر وراء هذه القفزة المفاجئة في حركة الأرض في عملية جيولوجية حركية يطلق عليها العلماء اسم حقن الدايك الصهاري وهي بمثابة ولادة لشق أرضي جديد يمتد في أعماق القشرة الأرضية حيث اندفعت كميات هائلة من الماغما السائلة من مستودعاتها العميقة لتستقر في شروخ رأسية ضخمة تعمل مثل الأوتاد الفولاذية التي تدفع كتل الصخور بعيدا بقوة جبارة.
وقد رصدت الأقمار الصناعية المتقدمة المزودة بتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية التداخلية هذه التغيرات الدقيقة في مستوى سطح الأرض حيث أظهرت البيانات أن الصهارة اندفعت في شق يمتد بطول خمسين كيلومترا تحت المنطقة الواقعة بين بركاني فنتالي ودوفن مما أدى إلى انتفاخ التربة وتوسعها بشكل عرضي مفاجئ فاق كل التوقعات العلمية المرصودة في السنوات الماضية بداخل إثيوبيا.
هذه الصهارة المندفعة لا تكتفي بملء الفراغات بل تقوم بتمزيق الصخور المحيطة بها مما يولد موجات زلزالية متتالية وصلت في ذروتها إلى أكثر من ثلاثمائة هزة أرضية سجلت بعضها قوة خمس درجات وتسع أعشار الدرجة بمقياس ريختر وهي قوة كافية لإحداث تصدعات سطحية مرئية للسكان المحليين وإثارة الرعب من احتمالية حدوث ثوران بركاني وشيك في أي لحظة.
والمثير للدهشة في هذا الحدث أن كل هذا النشاط الزلزالي والتحرك الأرضي لم يؤد في النهاية إلى خروج الحمم البركانية إلى السطح بل بقيت الصهارة محبوسة في أعماق الأرض حيث بردت وتجمدت لتشكل قشرة أرضية جديدة تضاف إلى قاع المحيط المستقبلي وهو ما يثبت أن الأرض تبني نفسها من الداخل قبل أن تظهر ملامحها الجديدة على السطح الخارجي.
ويشير العلماء إلى أن هذه القفزة في التمزق الأرضي قد تسببت في تغييرات ملموسة في تضاريس المنطقة حيث هبطت فوهات بعض البراكين نتيجة سحب الصهارة من تحتها لتغذية الشق الجديد بينما ظهرت ينابيع مياه جوفية في أماكن لم تكن معروفة من قبل واختفت أخرى نتيجة الضغوط الهائلة التي تعرضت لها طبقات الأرض الصخرية والمائية في أعماق المنطقة.
إن مراقبة هذه النبضات الجيولوجية العنيفة تساعد الباحثين على فهم كيفية تشكل القارات والمحيطات عبر العصور حيث يرون الآن نسخة حية ومصغرة لما حدث عندما انقسمت القارات العظمى قديما مما يجعل من منطقة عفر مختبرا طبيعيا فريدا لا يوجد له مثيل في أي مكان آخر على سطح الكرة الأرضية في الوقت الراهن والمستقبلي.
نظام السباكة البركاني والتحولات تحت السطحية في إثيوبيا
كشفت الدراسة الحديثة عن وجود ما يمكن وصفه بنظام سباكة بركاني متكامل ومعقد يربط بين البراكين المختلفة تحت سطح الأرض في منطقة شرق إثيوبيا حيث تهاجر الصهارة وتنتقل من خزان إلى آخر دون الحاجة إلى ثوران خارجي مما يعني أن البراكين التي تبدو خامدة على السطح قد تكون في حالة نشاط داخلي مكثف ومستمر يؤثر على حركة الصفائح.
ويقول الدكتور عبديسا كاوو الأستاذ بجامعة مادا والابو إن هذه القياسات التي سجلت ارتفاع سطح الأرض بنحو ستين سنتيمترا تعد موثوقة علميا إلى حد كبير رغم وعورة التضاريس والظروف الجوية الصعبة لأنها استندت إلى بيانات متكررة ودقيقة من الأقمار الصناعية التي ترصد أدق التحركات القشرية التي لا يمكن رصدها بالعين المجردة أو بالأدوات التقليدية البسيطة.
وأوضح كاوو أن ما حدث ينسجم تماما مع الأنماط الجيولوجية التي سجلت سابقا في مناطق نشطة أخرى مثل آيسلندا وحوض البحر الأحمر حيث لا يحدث انفصال الصفائح بشكل تدريجي وممل بل يأتي على هيئة نبضات عنيفة ومفاجئة تختصر قرونا من الزمن في أيام معدودة مما يغير التوقعات حول الموعد النهائي لانفصال القارة الأفريقية تماما.
هذا النشاط الجيولوجي يترك آثارا تدريجية على البنية التحتية والمياه الجوفية في المناطق المحيطة حيث تتعرض الطرق وخطوط الأنابيب والمنشآت لضغوط ميكانيكية قد تؤدي إلى تدميرها إذا لم يتم اتخاذ الاحتياطات اللازمة وبناء منشآت قادرة على تحمل تحركات الأرض المستمرة والمتسارعة التي تميز هذه البقعة الجغرافية المضطربة والنشطة تكتونيا بشكل دائم.
ويرى الباحثون أن فهم مسارات الصهارة ودرجة حرارتها والانبعاثات الغازية المرتبطة بها يعد أمرا حيويا لتقييم المخاطر المستقبلية حيث يتطلب الأمر تعزيز شبكات الرصد الأرضية وربطها بالمراقبة الفضائية لتوفير أنظمة إنذار مبكر للسكان والجهات الحكومية لتقليل الخسائر البشرية والمادية في حالة وقوع زلازل أقوى أو ثورات بركانية مفاجئة قد تنجم عن هذه التحركات.
إن هذه الدراسة تفتح آفاقا جديدة للبحث العلمي حول كيفية تشكل القشرة المحيطية وتطور الصدوع القارية حيث تظهر أن الأرض كائن حي وديناميكي يتنفس من خلال البراكين والصدوع ويعيد تشكيل نفسه باستمرار مما يجعلنا نعيد النظر في استقرار القارات وثبات الحدود الجغرافية التي رسمتها الطبيعة عبر ملايين السنين من التطور الجيولوجي الهادئ والعنيف.
مخاض القارة الأفريقية وملامح المحيط السادس الجديد
مع استمرار هذه الإزاحات الاستثنائية وتكرار أحداث حقن الدايك الصهاري يتوقع العلماء أن تترقق القشرة القارية في شرق أفريقيا حتى تصل إلى مرحلة الانقطاع التام حيث ستنخفض الأرض في منطقة عفر إلى مستوى أدنى من سطح البحر مما يمهد الطريق لتدفق مياه البحر الأحمر وخليج عدن لتغمر هذه المساحات الشاسعة وتحولها إلى بحر داخلي جديد.
هذا البحر الناشئ سيتوسع مع مرور الوقت ليصبح المحيط السادس في العالم ليفصل بذلك القرن الأفريقي وبقية الصفيحة الصومالية عن الصفيحة الأفريقية الأم مما سيغير ملامح القارة تماما ويخلق جزيرة قارية كبرى تضم أجزاء من إثيوبيا والصومال وجيبوتي وكينيا في مشهد جيولوجي مهيب يعكس قوة الطبيعة في إعادة صياغة تضاريس كوكب الأرض بكل دقة.
ورغم أن هذا التحول الكامل قد يستغرق ملايين السنين إلا أن الأحداث السريعة التي شهدتها المنطقة مؤخرا تؤكد أن العملية قد تمر بمراحل تسارع مفاجئة تقصر الفترات الزمنية المتوقعة وتجعل من الضروري مراقبة الصدع الأفريقي العظيم باعتباره الجرح المفتوح في جسد القارة الذي سينبثق منه فجر جغرافي جديد لم تشهده البشرية منذ فجر التاريخ القديم.
إن الظواهر التي نراها اليوم في عفر من شقوق أرضية عميقة وانبعاثات حرارية وزلازل متكررة هي بمثابة آلام المخاض لولادة هذا المحيط الجديد وهي تذكرنا بأن كوكبنا لا يزال يمر بمراحل تكوينية نشطة وأن التغيير هو السمة الوحيدة الثابتة في تاريخ الأرض الطويل الذي شهد صعود وهبوط قارات ومحيطات غابت في طيات الزمن السحيق والبعيد.
وستظل العيون العلمية شاخصة نحو هذا الركن من العالم لمتابعة كل مليمتر يتحرك وكل نبضة صهارة تندفع في أعماق القشرة الأرضية لأن ما يحدث هناك هو درس عملي في الجيولوجيا الحركية يمنحنا مفاتيح فهم الماضي وتوقع المستقبل في صراع أبدي بين قوى الضغط والشد التي تحكم توازن القشرة الصخرية التي نعيش عليها بسلام.
وفي نهاية المطاف تظل قصة تمزق الأرض في منطقة عفر شاهدا على عظمة الخالق وقوة الطبيعة التي لا تعرف الحدود حيث يتحول اليابس إلى ماء وتنفصل الجبال لتصبح قيعانا لمحيطات جديدة في رحلة أبدية من التحول والتجدد التي لا تنتهي طالما بقيت الأرض تدور وتنبض بالحياة والنشاط في أعماقها الملتهبة والغامضة والمثيرة للاهتمام العلمي.













0 تعليق