الطنطاوي يهاجم نزار قباني بسبب «السمراء»: «فاسق وبغي»

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قتلناك يا آخر الأنبياء، ربما تكون قصيدة الشاعر الكبير نزار قباني، أدق وأشمل ما كتب في رثاء الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، بل رصد قباني من خلال كلماتها حال التشرذم العربي الذي أودي بحياة ناصر قهرا. وربما لم ينافس هذه القصيدة إلا ما كتبه محمود درويش: “لست نبيا لكن ظلك أخضر”.

جنة نزار قباني علي الأرض

نزار قباني، الذي تقلب بين العمل الدبلوماسي، والشعر والأدب، وبين قسوة أقداره التي فجعته بأكثر من فجيعة، بداءا من انتحار شقيقته الصغيرة، مرورا بما شهدته المنطقة العربية منذ ستينيات القرن العشرين، وصولا إلي اغتيال زوجته “بلفيس” في العاصمة اللبنانية بيروت، وهي الفجيعة التي لم يبرأ منها حتي رحيله عن عالمنا في مثل هذا اليوم من العام 1998. 

بين أروقة بيت من أعتق أحياء العاصمة السورية دمشق، ولد نزار قباني وتفتح وعيه، علي روائح الياسمين الشامي التي زرعتها والدته، تعبق أرجاء البيت، بروائحها وألوانها التي تسر الناظرين، وهو ما عكسته أبياته في وصف هذه الجنة الأرضية: “هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر.. بيتنا كان تلك القارورة.. إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر، وإنما أظلم دارنا."

«السمراء» تثير غضب الطنطاوي على نزار قباني: «فاسق وبغي»!

في هذا المناخ نشأ نزار قباني وتفتحت مداركه فكان لا بد وأن يكون شاعرا. فأصدر ديوانه الأول “قالت لي السمراء” في شهر سبتمبر من العام 1944، بينما كان لا يزال طالبا في كلية الحقوق بدمشق على نفقته الخاصة. 

ولم يتوقع أن يثير الديوان حفيظة المجتمع الدمشقي المحافظ آنذاك، خاصة مع شهرة الديوان سريعا وانتشاره بين الطلاب في الجامعة، فما كان من الدعاة إلا أن شنوا حملة هجوم واسعة علي الديوان وصاحبه. 

ومن أشهر وأشرس من هاجموا الديوان، الشيخ الأديب الدمشقي “علي الطنطاوي”، الذي كتب مقالة لاذعة ساخرة نشرها في مجلة “الرسالة” عدد مارس 1946، بعنوان “كلمات في الأدب”.

ومما جاء في مقال “الطنطاوي”: “طبع في دمشق كتاب صغير، زاهي الغلاف ناعمه، ملفوف بورق شفاف كالتي تلف به الشيكولاتة في الأعراس، معقود عليه شريط أحمر الذي أوجب الفرنسيون أول احتلالهم الشام وضعه في خصور بعضهن حتي يعرفن به”.

 الطنطاوي يغار من قباني ويحسده فيتهمه بالفسوق

ويمضي الطنطاوي في هجومه الشرس علي أول ديوان أصدره نزار قباني، متهما إياه بالتهمة المعلبة الجاهزة وحاضرة لدي من يسمون أنفسهم “دعاة”، ألا وهي “التفسيق” أو ما تعارف عليه قانونيا بـ "خدش الحياء".  

يصف “الطنطاوي” ديوان قالت لي السمراء: "يشتمل ـ الديوان ـ علي وصف ما يكون بين الفاسق والقارح والبغي المتمرسة الوقحة وصفا واقعيا، لا خيال فيه لأن صاحبه ليس بالأديب الواسع الخيال، بل هو مدلل غني، عزيز علي أبويه، وهو طالب في مدرسة، وقد قرأ كتابه الطلاب في مدارسهم والطالبات.

وفي الكتاب مع ذلك تجديد في العروض، بختلط فيه البحر البسيط والبحر الأبيض المتوسط. وتجديد في قواعد النحو لأن الناس قد ملوا رفع الفاعل ونصب المفعول، ومضي عليهم ثلاثة آلاف سنة فلم يكن بدا من هذا التجديد. 

وتظهر الغيرة والحسد علي الطالب الصغير ــ نزار قباني ـ الذي طافت شهرته الآفاق مع أول ديوان يصدره، حتي صار حديث الدنيا والناس، حتي تدعوه إذاعة القاهرة ليلقي أشعاره بالإذاعة المصرية، بينما “الطنطاوي” وهو الشيخ الأديب الذي يبلغ عمره ثلاثة أضعاف قباني لم يدعه أحد لمثل هذه الدعوة.

 وهو ما تعكسه كلمات مقال علي الطنطاوي: "ومع ذلك فقد قرأنا في الجرائد من نحو شهر أن صاحب هذا الكتاب قد دعي إلي محطة الإذاعة في القاهرة ليذيع منها الشعر، رغبة منهم في الأدب السوري توثيقا للتعاون الثقافي بين الأقطار العربية.    

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق