الحاجة إلى المعنى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 30/أبريل/2026 - 12:42 م 4/30/2026 12:42:20 PM

تفرض الحياة بشكل دائم على الإنسان تجارب وأفكار ومواقف، لا تبدو فى ظاهرها أنها مكتملة الدليل أوالبرهان على صحتها أو خطئها، ولا تتكشف حقيقتها إلا من خلال قدرته على تفكيك عناصرها، واختبار تأثيرها على حياته، وهل تمنح حياته قدرًا من التماسك والاستمرار..؟ أم أنها لا تعدو منظومة جامدة، تتفتت أمام أى نقد منطقى مجرد من الأهواء والميول والمعتقدات المسبقة. وهو أمر يحتاج من الإنسان إلى أن تكون لديه المقدرة على التمييز بين حاجته إلى الفهم، وبين حاجته إلى مجرد المعنى، حيث إن الحاجة إلى الفهم تقتضى بالضرورة القدرة على أو الرغبة فى التغير والتغيير، حتى فيما قد يُعتقد بأنه من الثوابت النفسية أو العقلية، أما مجرد الحاجة إلى المعنى، فلا يعنى أكثر من التوقف عند تفسير الفكرة أو التجربة أو الموقف دون تبنى موقف غير الاعتناق أو الرفض..! وهذا يفرق بين إنسان أو مجتمع يرى أن العالم لا يدار إلا من خارجه، وبين إنسان أو مجتمع يرى أنه يستطيع التأثير فى العالم من خلال فهمه له، فلا يرى أن هناك خلافًا أو تضادًا بين النقد والاعتقاد، طالما أن النقد يهدف إلى تصحيح الاعتقاد أو توجيهه إلى التطور فى مواجهة مقتضيات الواقع واحتياجات العصر. حينها يكون العقل أداة توجيه مكملة للاعتقاد، ويكون الفكر تجربة حية قادرة على التعايش والتنظيم، لا منظومة جامدة أو سلطة إقصاء، حيث لا يكون وضع العقل والإيمان فى حالة ممتدة ودائمة من الخصومة والتناقض، ليعيشان داخل إطار يكمل كل منهما الآخر، فى سبيل أن يتجاوز الإنسان مرحلة الإذعان للوضع السائد، والخضوع المطلق له والتكيف معه، بشكل يسلخ عنه إرادته وقدرته على تحديد موقفه أو رغبته فى حريته واستقلاليته، وبشكل لا تهزم فيه الحاجات البيولوجية إنسانيته، فتتحول إلى مصدر البهجة الوحيد فى حياته، حين يتحول مجرد وجود السلعة إلى الهدف النهائى للإنسان أو للمجتمع، تلك الحالة التى نتحول فيها من رصد أسباب الموت إلى التكيف معها بل والرغبه فيه. وهذا يحتاج بلا شك إلى تسمية وتعريف الظواهر السلبية بمسمياتها وتعريفاتها الحقيقية، دون التماهى معها أو اللعب على دلالاتها، ليخرج الإنسان من كونه مجرد، عبد، لغرائز واحتياجات بيولوجية فى بحثه الدائم عن إشباعها، إلى حقيقته التى خُلق عليها، كونه كائن لديه القدرة على المقاومة نحو تأكيد ذاته، بتجاوز العقبات وتحقيق النجاح والاكتفاء، والخروج من دائرة الرعاية، كما لو كان لن يتجاوز مرحلة الطفولة أبدًا. إن التعامل الدائم مع المعتقدات وفق تصورات وتفسيرات مسبقة، انتقلت عبر الزمن من جيل إلى جيل ومن واقع إلى واقع، وحيدت فى طريقها أى محاولة للتجديد أو الإيمان بقدرة الإنسان على الفعل بالإضافة أو الحذف أو التغيير، فى وصاية عقلية ممتدة، خلق نوع من الاعتقاد أن كل ما تدعيه هو حقائق مطلقة لا يمكن التماس معها أو وضعها فى مختبر العقل أو قياس نتيجتها النهائية على فكر وتوجه ووضع الإنسان فى مجال زمنى مغاير، ما جعل الإنسان فى مراحله المتقدمة، لا يعى أنه لا يؤمن بهذه المعتقدات فى ذاتها، بقدر ما يؤمن بعقيدة أصحاب هذه التصورات والتفسيرات، ورؤيتهم الشخصية لها، فأصبحت اعتقاداتنا وأفكارنا ليست إلا اعتقاد فى عقيدة وأفكار شخص آخر، نشأ فى ظروف مختلفة وواقع اجتماعى وتاريخى له خصوصيته، التى نجم عنها تصوراته وتفسيراته للواقع والنصوص التى تناولها بالبحث والتفسير. وقد تتضح هذه الأزمة بشكل كبير، عند تناول قضية تاريخية لها تماس مع الواقع المعاش، عندما نُخرج من أمهات الكتب والمراجع ما قاله فلان وفلان وفلان- كما لو كان ما قالوه هو الفعل النهائى للتاريخ- دون أن نضع مقياسًا ومنهجًا يُخضع تلك التفاسير فى إطارها الزمنى، ودون أن تكون لدينا القدرة على الحكم على النتائج، وهل هى فى صالح الواقع المعاش كنتيجة نهائية، أم أنها تكرس تصور- قد عفى عليه الزمن- جعل الإيمان بالمذهب أقوى بل أهم من سلوك الإنسان الأخلاقى داخل هذا المذهب، وجعل خلاص الإنسان فى اعتناق المذهب دون قدرته على التأثير فيه أو توجيه النقد له أو الجرأة على الخروج منه أو عنه..! ما جعل الجميع فى سياق عام، كما لو كانوا محشورين داخل «قفص» فى صراع دائم، بين وهم كوننا معتقدين دون أن ندرى كيف ولماذا، وبين حقيقة كوننا معتقدين عن تعصب لتصورات لإناس غيرنا..؟ إن غياب عقل نقدى مستقل، قائم على قياس النتائج النهائية، وغياب سلوك عام وبيئة مُهيئة تؤمن بدور هذا العقل وقدرته على التغيير، هو ما أفقد الإنسان ثقته فى المؤسسات بأشكالها وأدوارها المختلفة، وجعله يدور فى فراغ لا ينتهى من البحث عن بديل لا يرهق تفكيره، تمثل فى التكيف مع الواقع البدائى باعتناق الخرافات والعيش داخل أحلام يقظة وأمل كاذب، حول الدجل إلى علاج، والمعرفة إلى تعصب، والدين إلى وسيلة جذب وشد وإضفاء وانتزاع مشروعية، لا سلوك فى العمل والحياة. لذلك كانت أزمة الطيبات الأخيرة، ليست مجرد منظومة غذائية أو علاجية يمكن إثبات صحتها أو نفيها بالعلم، لكنها كانت منظومة فكرية شاملة فى حاجة إلى المراجعة والنقد، منظومة حولت الأزمة من مجرد إثبات ضرر أو فائدة تناول الفراخ، إلى البحث عن إطار يثبت أن تناولها حرام أم حلال..!؟

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق