لا أذكر متى سمعت هذه الحكمة تحديدًا.. كل ما أذكره أن إحدى السيدات من عواجيز قريتنا لم يعجبها أن يتحدث نجلها بشكل غير طيب عن أيامه.. قالت فى هدوء بينما كانت تحكم ربط حردتها على القورة.. ما تعدش الأيام.. تعاديك.. لم أفهم تلك اللغة فى حينها.. الأيام تغضب وتحزن وتفرح وتعتدى وتعادى مثل البشر.. هل للزمن إحساس مثلنا.. يا الله من أين جاءت تلك الحكمة؟ وكيف مرت فى شوارع الصعيد الفقيرة؟.. كيف عرفت الطريق لعقل امرأة لم تقرأ ولم تكتب حرفًا فى حياتها.
سنوات طويلة وأنا ألتهم كل ما يقع فى يدىّ من كتب وصحف.. سنوات طويلة وأنا أتنقل بين البلاد والبيوت والناس.. وفى كل موقف صعب أستدعى تلك السنوات البعيدة والسيدات العواجيز اللاتى علمننا كل ما نعيش به الآن.
كتب نزار قبانى فى وقت مبكر من الربع الأخير من القرن الماضى سؤاله الموجع.. متى يعلنون وفاة العرب؟.. هل تظنه كان يسأل عن الوقت.. أم الحالة؟.. سأل عن الموعد.. لكنه لم يسأل عن طريقة الموت.. ولم يقل إنه سيتم بفعل فاعل.. وإننا سنعيش أيامًا حزينة فى وداع ما ظنناه لن يغيب أبدًا.
الآن.. وأنا على مشارف الستين.. أرى ما لم أكن أستطيع رؤيته من بعيد.. هذه أتعس أيام مَن كنا نسميهم عربًا.. هل اعتدى العرب على أيامهم فقررت الأيام مبادلتهم العداء بما هو أشد؟..هدأت جولة الحرب على إيران من قبل أمريكا والكيان.. لم ينتصر أحدهم بشكل قاطع.. لم تخرج الجماهير لتغنى لمنتصر وحيد.. ولم تشق نساء المهزوم جلاليبهن.. تم تأجيل إعلان النصر فيما يبدو.. لكن العرب هم أكبر الخاسرين.. لم يكسب أحدهم سوى ساعات مؤجلة من الأرق والاضطراب.
انتقل الصراع إلى البيت العربى نفسه.. اتخذ شكله الحقيقى.. لاقتصاد هو بداية الحكاية وآخرها.. لم يستفد العرب طيلة سبعين سنة من ثرواتهم.. الآن انتبهوا.. ولكن بعد فوات الأوان.. راحوا يفتحون بابًا جديدًا لصراع لا نعرف إلى أين سينتهى.. لكن شيئًا لن يعود إلى ما كان عليه فى هذه المنطقة.. نحن فى قلب الصراع الذى اشتعل.. ويبدو أن منطقتنا لن تنجو منه بسهولة.. هذه أيام حزينة فى بلاد العرب.
الضربة المقبلة.. قادمة من بعيد.. من إفريقيا التى كانت سعيدة.. أو هكذا ظننًا.. جولة جديدة من الفتنة بدأت فى مالى.. أتباع الصهاينة وإن حملوا أسماءً أخرى يلعبون مباراة أكثر خبثًا.. هناك توقعات بانتقال العابثين إلى النيجر وتشاد ومنهما إلى المغرب والجزائر.. وليبيا بالطبع.. مرة أخرى مصر رمانة الميزان.
البترول والغاز والماء والغذاء.. حرب جديدة مقبلة على ما أعتقد.. روسيا والصين وإيران.. دول أوروبا وأمريكا.. الخليج.. وها هو الربيع الإفريقى أيضًا.. سنوات صعبة يعيشها البشر على ظهر هذا الكوكب.. وفى القلب من كل تلك الصراعات.. مال وأعمال ورجال.. إنه عالم جديد يتشكل فعلًا.
القاهرة وحدها تنظر بعيون واثقة صاحية.. والصغار يجروننا إلى خيالات وضلالات.. ستفيقون أيها السادة.. لا علاقة للزمن والأيام بما نحن فيه.. إنها الحرب يا سادة صنعناها بأيدينا ولم ننتبه فمتى نفيق؟















0 تعليق