الأربعاء 29/أبريل/2026 - 03:47 م 4/29/2026 3:47:05 PM
هل باتت إيران ـ فعليًا ـ (تفرض الإيقاع) من خلال تبني استراتيجية مشابهة لتلك التي اتبعها القائد الفيتنامي، هو تشي منه، وحلفاؤه، الذين تمكنوا من إلحاق الهزيمة بأمريكا عبر الصبر والتحمل والضغط السياسي، بدلًا من التفوق العسكري المباشر؟، في ظل ما يراه البعض، من أن الضغوط النفسية والاستراتيجية التي تواجهها الولايات المتحدة في حربها اليوم على إيران، تشبه إلى حد كبير تلك التي أربكت القيادة الأمريكية في ستينيات القرن الماضي أثناء حرب فيتنام.
في مجلة (فورين بوليسي)، يرى الكاتب مايكل هيرش، أن الصراع الحالي بين أمريكا وإيران لا يشبه بشكل كامل حرب فيتنام، لكنه بات يعكس بشكل متزايد، الديناميات الإستراتيجية التي أدت إلى فشل الولايات المتحدة في تلك الحرب التي بدأت في ستينيات، وانتهت في سبعينيات القرن الماضي.. وفي رأي هيرش، أن التشابه الأساسي يتمثل في عدم التكافؤ بين مصالح الطرفين وأفقهما الزمني؛ إذ تبدو إيران مستعدة لتحمل حرب طويلة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى نتائج سريعة، وهو ما يجعلها بالتالي أكثر عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية.
ويكمن جوهر هذه المقارنة، في رفض إيران التفاوض تحت الضغط.. إذ يقارن هيرش هذا الموقف بإستراتيجية فيتنام الشمالية، مشيرًا إلى أن (هو تشي منه) و(لي دوان) رفضا مرارًا العروض الأمريكية، إلى أن توقفت حملات القصف.. ويستشهد الكاتب بقول هو شي منه، إن الفيتناميين (لن يقبلوا أبدًا التفاوض تحت تهديد القنابل)، معتبرًا أن طهران تتبنى موقفًا مشابهًا اليوم.. وقد عبّر مسئولون إيرانيون، من بينهم رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، عن هذا النهج بقولهم، إن إيران لن تقبل التفاوض في ظل التهديد.. هذه الإستراتيجية التي بدأت بالفعل تؤتي ثمارها.. فمن خلال رفض التفاوض وإجبار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على تمديد وقف إطلاق النار، الذي كان قد عارضه في البداية، تمكنت إيران من فرض إيقاع الصراع وتحديد مساره.. ويُفسَّر إعلان ترامب أن وقف إطلاق النار سيستمر (حتى يتم تقديم مقترحهم)، على أنه دليل على أن طهران هي التي تُحدد الجدول الزمني.
ويعزز هيرش هذا الطرح بتحليلات خبراء، من بينهم هاي نجوين من كلية كينيدي بجامعة هارفارد، الذي يوضح أن الحروب غير المتكافئة، غالبًا ما تنتهي لصالح الطرف الأضعف، عندما يستغل محدودية صبر الطرف الأقوى.. إذ وفقًا لنجوين، فإن إيران تدرك أن أمريكا قد تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، لكنها تفتقر إلى القدرة على خوض حرب طويلة الأمد.. وهذا يتماشى مع فكرة هيرش، بأن طهران تستهدف (نقطة ضعف) أمريكية أساسية، وهي محدودية تحملها للصراعات الممتدة.. ويشكك هيرش أيضًا في ادعاءات تحقيق انتصار عسكري أمريكي حاسم، إذ إن طهران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية مهمة.. فقد أقر مسئولون استخباراتيون أمريكيون، بأن إيران لا تزال تمتلك آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى جزء كبير من قوتها البحرية في مضيق هرمز.. كما تشير تقارير إلى أن ناقلات نفط مرتبطة بإيران، لا تزال تنجح في تجاوز الحصار الأمريكي، مما يضعف جهود عزلها اقتصاديًا.
وعلى غرار فيتنام الشمالية سابقًا، يرى الكاتب، أن إيران لا تسعى إلى نصر عسكري سريع، بل إلى استنزاف طويل الأمد نفسيًا واقتصاديًا.. ومن خلال سيطرتها على مضيق هرمز وتعطيل تدفقات النفط العالمية، تفرض طهران تكاليف تتجاوز ساحة المعركة.. وهذا البعد الاقتصادي قد يكون حاسمًا، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، وتأثيرهما على السياسة الداخلية الأمريكية قبيل الانتخابات النصفية للكونجرس.. لقد دخل الصراع بين واشنطن وطهران مرحلة، لم تعد فيها مقاييس النصر العسكري التقليدية كافية، بل باتت القدرة على التحمل والإرادة السياسية والتأثير الاقتصادي هي العوامل الحاسمة.
●●●
ربما كان ذلك وراء سؤال ويليام بيرنز، الدبلوماسي المحترف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية من مارس 2021 حتى يناير 2025، ومهندس الاتفاق النووي الأول بين طهران وواشنطن في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما، إذ يتساءل بيرنز، في مقال له بصحيفة (نيويورك تايمز): كيف يمكن لترامب أن يخرجنا من الورطة في إيران؟.
يقول، ظلت جمهورية إيران الإسلامية واضطرابات العنف التي تمر بها، مؤثرة على مسيرتي المهنية كلها.. تقدمت لامتحان الخدمة في وزارة الخارجية، بينما كان النظام يحتجز رهائن السفارة الأمريكية في أواخر عام 1979، وواجهت التفجير المروع لسفارتنا في بيروت عام 1983.. قدت محادثات نووية سرية مع إيران، بعد ثلاثة عقود.. تعلمت العديد من الدروس على مدى سنوات عديدة حول التعامل مع إيران، وغالبًا بالطريقة الصعبة.
لم تولِ حرب الرئيس ترامب مع إيران، اهتمامًا كبيرا لأخطائنا وأضافت العديد من أخطائه الخاصة.. افترض أن القنابل والاغتيالات يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام في طهران.. أساء فهم النجاح العسكري التكتيكي كاستراتيجية قابلة للتنفيذ.. اتخذ قرارات سياسية بناء على هوية الرئاسة وسياسة المحكمة.. تفاوض بسرعة دون تخطيط أو تدوير.. هذه الأخطاء غير المُجبرة بالفعل، ألحقت ضررًا استراتيجيًا كبيرًا بواشنطن.. لكن، مع تمديد وقف إطلاق النار الهش الحالي وإمكانية استئناف المفاوضات المُتعثرة، هناك فرصة للحد من الضرر.. ثلاث دروس أساسية من الأسابيع الماضية، يمكن أن تساعد ترامب على إنقاذ مصالح أمريكا.
أولًا، إدارة المشكلات الصعبة في السياسة الخارجية بشكل جيد تتطلب وقتًا وصبرًا.. هذا الدرس ليس عن القدرية أو تجنب الخيارات الصعبة.. بل يتعلق بما يمكنك تحقيقه بتكلفة مقبولة على أولويات أخرى، سواء كانت خارجية أو داخلية.. ونادرًا ما يكون الكمال مطروحًا في الدبلوماسية، خصوصًا مع نظام قاسٍ وأيديولوجي وراسخ.. قد يبدو قطع الرأس للقيادة طريقًا مختصرًا جذابًا، لكن، وكما اكتشفت هذه إدارة ترامب بسرعة في إيران، يمكن أن يكون مجرد وهم.. قد كان منطق الرئيس الأسبق، باراك أوباما، في السعي وراء الدبلوماسية المباشرة مع إيران، هو لعب لعبة أطول، حيث يحد من أسوأ المخاطر التي تشكلها طهران ـ وهو احتمال التسلح النووي ـ ويخفف من التهديدات الأخرى مع مرور الوقت، مع دعم الحريات السياسية للشعب الإيراني.. مثل سلفه جورج دبليو بوش، نظر أوباما بعناية إلى المخاطر والعواقب من الدرجة الثانية والثالثة للحرب، وخلص إلى أنها تفوق الفوائد المحتملة بكثير.. أما ترامب، الذي شجعه شعوره بالنجاح في ضربه إيران خلال يونيو 2025، وعملية فنزويلا في الشتاء الماضي، اتخذ قرارًا مختلفًا ومأساويًا.. لا يوجد إعادة في فن الحكم.. ومع ذلك، لا يزال هناك احتمال خارجي لمعالجة أكثر المخاطر حدة، التي تشكلها إيران ضد جيرانها، إذا تمكنت الإدارة في الولايات المتحدة وبقية العالم، من إعطاء الأولوية والتركيز والتغلب على إدمانها على الحلول السريعة.
ثانيًا، لا يوجد بديل عن استغلال جميع أدوات الأمن القومي الأمريكي.. لا تصل أبدًا بعيدًا في الدبلوماسية بدون النفوذ العسكري والاقتصادي.. لكن القوة وحدها ـ دون دبلوماسية صبورة ودقيقة، مدعومة بمعلومات استخباراتية جيدة يأخذها صناع السياسات على محمل الجد ـ نادرًا ما تحقق نتائج جيدة.. ولا تفرض المفاوضات.. فهي غالبًا ما تتضمن عملية معقدة ومطولة من العطاء والأخذ، حيث تكون الخبرة مهمة ويتم تطبيق العديد من نقاط الضغط المختلفة.. سيكون ذلك حاسمًا، إذا استمر وقف إطلاق النار، للمفاوضات حول التحديين الأساسيين: القضية النووية ومضيق هرمز.. في قلب أي اتفاق جيد ستكون هناك عمليات تفتيش نووية مشددة، ووقف طويل لتخصيب اليورانيوم، وتصدير أو تخفيف مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب، مقابل تخفيف ملموس من العقوبات لإيران.. وفيما يتعلق بإعادة فتح المضيق، قد يساعد اتفاق يشارك الدول الساحلية ولاعبين عالميين رئيسيين آخرين، في حماية المرور الحر بشكل دائم، وتوليد بعض الإيرادات لإزالة الألغام والتعافي الاقتصادي.. دون السماح بإنشاء محطة رسوم إيرانية.. صحيح، أن الولايات المتحدة لديها دورًا قويًا، لكن الاتفاق الدائم سيتطلب خيالًا، وتعبئة الحلفاء والشركاء، والاهتمام بالتفاصيل مع مفاوضين إيرانيين ذوي خبرة عميقة، وأحيانًا مخادعين.. ما لم تُرسم الخطوط بوضوح وتُرَاقب بدقة، سيرسم الإيرانيون خطوطًا خارجها.. لا يمكن لواشنطن أن نتصرف بشكل عفوي.
درس أخير وحيوي من الصراع، هو أن (جز العشب)، باستخدام القوة المباشرة ضد التهديدات الفورية دون خطة طويلة الأمد للنجاح، لم يزرع سوى مشاكل أوسع في العشب.. القائمة طويلة: النظام الإيراني مُنهك لكنه سليم، أضعف في نواح كثيرة لكنه أكثر قسوة وتشددًا في غرائزه.. مضيق هرمز، الهدية الاستراتيجية للجغرافيا لإيران، أصبح الآن مصدر نفوذ أقوى لطهران من برنامجها النووي أو الصواريخ الباليستية أو وكلائها على الإطلاق.. لقد أضعفت الولايات المتحدة ثقة عرب الخليج العربي وحلفائها الأوروبيين فيها.. أصدقاؤها في منطقة الهندو ـ باسيفيك متضررون اقتصاديًا، ويفقدون الثقة في القيادة الأمريكية.. كما ألقت هذه الحرب طوق نجاة لفلاديمير بوتين، مما أدى إلى زيادة إيرادات الطاقة وانخفاض المخزونات العسكرية الأمريكية، في وقت كانت فيه أوكرانيا تحقق تقدما في ساحة المعركة، وكان الاقتصاد الروسي يواجه ضائقته الكارثية.. يبدو أن شي جين بينج يعتقد أن الصراع وضع الصين على أرض استراتيجية أعلى، بينما يستعد ترامب لزيارة بكين في منتصف مايو، مما يمنح شي فرصة لاستخلاص تنازلات في التجارة والتكنولوجيا وتايوان.. وستكون هناك تحديات طويلة الأمد في الاقتصاد العالمي، مع تأخر كبير في التأثير حتى لو استمر وقف إطلاق النار.
●●●
■■ وبعد..
فإن المؤسف بالنسبة للأمريكيين، أنهم، مثل المشرعين وخصوصًا الجمهوريين، يُعربون في أحاديثهم الخاصة، عن استيائهم من نقص المعلومات، حول حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، حتى أنه نُقل عن أحد مساعدي الكونجرس قوله، (لا أحد يعلم شيئًا.. وليس ذلك لقلة الاستفسارات.. لقد كنا نسأل لأسابيع ولم نحصل على تفاصيل محددة، حتى مع طلب البنتاجون ميزانية قياسية)، مع ورود تقرير عن أن تكاليف إصلاح هذه القواعد وإعادة تشغيلها، من المتوقع أن تصل إلى مليارات الدولارات، وقد يؤدي ذلك إلى تجدد النقاش في واشنطن حول مخاطر الإبقاء على القواعد الأمريكية بالقرب من إيران، وقد ذكرت شبكة (إن بي سي نيوز)، نقلًا عن مصادر مطلعة على التقييمات، أن إيران ألحقت أضرارًا أوسع نطاقًا بالقواعد والمعدات العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، عما تم الاعتراف به علنًا.
ذكر التقرير أن الضربات الإيرانية منذ بدء العمليات الأمريكية والإسرائيلية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، استهدفت منشآت متعددة في سبع دول على الأقل.. وشملت الأهداف مستودعات ومراكز قيادة وحظائر طائرات وأنظمة اتصالات عبر الأقمار الصناعية وممرات هبوط ومنشآت رادار وطائرات.. وعلى الرغم من أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المتقدمة، أشار التقرير، إلى أن طائرة إيرانية من طراز F-5 تعود إلى زمن الشاه، تمكنت من توجيه ضربة مؤثرة على إحدى هذه القواعد، مما يؤكد وجود ثغرات في الحماية.. ولم يكشف البنتاجون عن حجم الأضرار بالكامل.. بحسب التقرير، لم يكشف البنتاجون علنًا عن حجم الأضرار التي لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية، حيث رفضت القيادة المركزية الأمريكية التعليق على تقييمات أضرار المعركة.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين


















0 تعليق