تسير مصر بخطوات ملموسة في طريقها نحو التحول الرقمي وتعزيز السيادة الرقمية بكل الطرق ومن ضمنها إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي "كرنك" ضمن توجه وطني يهدف إلى بناء قدرات محلية في مجال النماذج اللغوية الضخمة وتوطين التقنيات المتقدمة وتطوير حلول تعتمد على اللغة العربية وتخدم احتياجات القطاعات المختلفة داخل الدولة.
يستند تطوير نموذج "كرنك" إلى تصميم نموذج لغوي ضخم يعالج اللغة العربية مع مراعاة السياق الثقافي واللغوي المحلي بشكل دقيق، ويتضمن عددًا من المعاملات يتراوح بين 30 إلى 40 مليار معلمة في إحدى نسخه، بينما يحتوي النسخة الأكبر حجمًا على ما بين 70 إلى 80 مليار معلمة.
"كرنك" تعزيز للأمن الرقمي والسيادة الرقمية المصرية
قال الدكتور محمد مغربي، استشاري أمن البيانات والذكاء الاصطناعي، إن إطلاق نموذج "كرنك" يمثل خطوة استراتيجية هامة نحو توطين تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مصر، مضيفًا أن هذه الخطوة تُعتبر جزءًا من جهود الدولة لتعزيز الأمن الرقمي والسيادة الرقمية، باعتباره أول نموذج لغوي مصري ضخم، مما يعكس التوجه الحكومي نحو استخدام التكنولوجيا المحلية في عدة قطاعات حيوية مثل التعليم والخدمات القانونية.
وأوضح مغربي، في تصريحات لـ"الدستور"، أن أهم ما يميز كرنك عن النماذج العالمية هو تركيزه على اللغة العربية المصرية، حيث يعتمد على قاعدة بيانات ضخمة تصل إلى 70 إلى 80 مليار جرام من البيانات تدعم اللغة العربية الفصحى واللهجة المصرية، مما يضمن دقة أكبر في التعامل مع المستخدمين في مصر مقارنة بالنماذج الأجنبية.
وأشار إلى أن تطبيقات "كرنك" الحالية مثل المعلم الذكي لمساعدة طلاب الثانوية في بعض المواد، هي بداية لتوسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة، خاصة أن الهدف منه الربط مع البنية التحتية الرقمية المصرية، لتقديم خدمات أكثر تنوعًا في المستقبل تشمل التعليم، القانون، الرعاية الصحية، والأعمال.
وأكد مغربي أن الذكاء الاصطناعي في مصر سيصبح جزءًا أساسيًا من حياة المواطنين، على غرار الهاتف المحمول الذي كان في البداية اختراعًا جديدًا ثم أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وهو ما يعني أن مصر تضع نفسها على المسار الصحيح في مجال التحول الرقمي والابتكار التكنولوجي، من خلال تطوير نماذج محلية تساهم في تحسين حياة المواطنين.
يساهم نموذج "كرنك" في تعزيز تطوير تطبيقات خدمة العملاء داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، حيث يتيح إنشاء أنظمة محادثة ذكية قادرة على فهم الاستفسارات باللغة العربية والرد عليها بدقة، وهو ما يسهم في تسريع التفاعل مع العملاء وتحسين تجربة المستخدم على المنصات الرقمية.
كما يدعم "كرنك" أتمتة عمليات الترجمة والتلخيص وخاصة في القطاعات القانونية والتعليمية حيث يمكن للجهات المعنية استخدامه لتحويل الوثائق الطويلة إلى ملخصات دقيقة تسهل عملية المراجعة واتخاذ القرارات، وتحليل النصوص القانونية واستخراج المعلومات الجوهرية منها بشكل فعال.
ويعزز النموذج من تقنيات تحويل الصوت إلى نص مكتوب مما يتيح توفير قنوات تفاعل مرنة تناسب مختلف فئات المستخدمين، خاصة في الخدمات العامة التي تتطلب سهولة الوصول.
من استهلاك الذكاء إلى امتلاكه بـ "كرنك"
يرى الدكتور محمد حمزة، خبير مكافحة جرائم أمن المعلومات والأمن السيبراني، أن إطلاق نموذج مثل كرنك لا يمكن قراءته كإنجاز تقني فقط بل هو تحول في فلسفة الدولة تجاه البيانات، والانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج المعرفة الرقمية، وهو جوهر السيادة الرقمية بمعنى التحكم في البيانات والتحكم في الخوارزميات وتقليل الاعتماد على الخارج.
وأوضح حمزة، في تصريحات لـ"الدستور"، أن نموذج الذكاء الاصطناعي كرنك لا يشبه النماذج الأخرى العالمية حتى الآن إلا أنه يتفوق في فهم اللهجة المصرية والسياق المحلي وأيضًا التعامل مع القوانين واللوائح المصرية، فقيمته هنا ليست في الأقوى عالميًا ولكن في الأدق محليًا.
وأضاف أن إطلاق نموذج وطني بهذا الشكل يعكس ثلاث رسائل مهمة أولها أن البيانات أصبحت أصل استراتيجي وليس مجرد ناتج لأنه يساعد في تقليل الاعتماد على APIs خارجية غير انه هيساعد على تقليل مخاطر تسريب، والقيمة الحقيقية للنموذج تظهر في التطبيقات مثل تطبيق التعليم مثلا شرح المناهج باللهجة المصرية ومساعد خصوصي مجانا وتقليل الفجوة التعليمية.
وتابع: وفي القانون يساعد على تبسيط النصوص القانونية المعقدة ودعم المحامين في البحث القانوني وتحليل السوابق القضائية، بجانب الخدمات الحكومية حيث نجد شات بوت حكومي ذكي وتقليل البيروقراطية وتسريع الإجراءات وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من رفاهية تقنية إلى خدمة عامة وهو المطلوب استغلاله.
وعن إمكانية نموذج الذكاء الاصطناعي كرنك أن يساعد في بناء مجتمع رقمي متكامل قال خبير مكافحة جرائم أمن المعلومات إن النموذج المحلي يمكن أن يكون محرك مركزي لعدة أنظمة مثل التعليم الرقمي والعدالة الرقمية والخدمات الحكومية الذكية، الاقتصاد الرقمي، بمعنى أن كرنك يمكن أن يكون بمثابة العقل المركزي للدولة الرقمية.
وأشار إلى أن أهم ما يميز نموذج كرنك هو كونه أكثر أمانًا مقارنة بالاعتماد على منصات خارجية من خلال سيادة البيانات التي لا تغادر الحدود، تقليل مخاطر الاختراق الخارجي، ومن نا حية الامتثال القانوني سيكون هناك خضوع مباشر للقوانين المصرية، بجانب سهولة في الرقابة والمساءلة وتقليل الاعتماد الخارجي ما يعني وصولنا لمرحلة الاستقلال التقني، وأخيرًا التحكم في السلوك الخوارزمي بالتقليل من فكرة التحيز الثقافي وتخصيص نموذج للقيم المحلية.
من بين التطبيقات البارزة التي يعتمد عليها نموذج "كرنك" هو "سيا" المعلم الذكي الشخصي الذي يساند طلاب الثانوية العامة والمعلمين في مواد اللغة العربية والتاريخ المصري، موفرًا تجربة تعليمية تفاعلية وشخصية تستفيد من قدرة النموذج على فهم النصوص والسياقات المعقدة باللغة العربية.
أما التطبيق الآخر فيتمثل في مساعد ذكي للإرشاد القانوني والتنظيمي، الذي يساعد المواطنين والشركات الصغيرة في فهم اللوائح والإجراءات القانونية بسهولة وسرعة، مما يقلل من الحاجة للذهاب إلى الجهات الرسمية ويوفر الوقت والجهد.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي المحامي.. لكنه يعيد تعريفه من جديد
يرى الدكتور حسين المقداد، أستاذ ورئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق جامعة العاصمة، إن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على دعم الاستشارات القانونية بدرجة كبيرة، تكاد تفوق بعض التي يقدمها أشخاص طبيعيون، خاصة في الأمور التي تعتمد على تحليل النصوص القانونية واستخلاص مضامينها، والبحث في الأحكام والسوابق القضائية بغرض الوقوف على المباديء القانونية التي تستفاد منها، فهذه الأنظمة تستطيع خلال ثوانٍ مراجعة مئات القوانين وآلاف الأحكام، وهو ما يوفر وقتًا وجهدًا كبيرين.
ومن ناحية إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في تقديم استشارات قانونية أكثر أمانًا، أوضح المقداد، في تصريحات لـ"الدستور"، أنه عند سؤال شخص عن إجراءات رفع دعوى، أو نص قانوني معين، حينئذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجيب بدقة جيدة، أما إذا تعلق الأمر بنزاع معقد، فيه ظروف خاصة (عائلية أو تجارية أو نفسية أو غيرها)، فوقتئذ يصبح الحكم أكثر تعقيدًا، ويحتاج إلى تقدير بشري، ولذلك فإن الأمان في استخدام الذكاء الاصطناعي لا يتحقق إلا إذا كان أداة مساعدة للمحامي، وليس بديلًا مستقلًا يصدر رأيًا نهائيًا.
وأكد أنه لا يمكن أن يحل الذكاء الاصطناعي بديلًا آمنًا للمحامي ولكن يمكن أن يحل محله جزئيًا في بعض المهام، فبإمكان الذكاء الاصطناعي القيام بأعمال البحث القانوني، تلخيص الأحكام القضائية، إعداد مسودات أولية للعقود واللوائح والمذكرات القانونية، شريطة ألا يعتمد المحامي عليها بشكل نهائي بنسبة 100%، وإنما عليه أن يراجعها ويدققها على ضوء خلفيته المعرفية والقانونية ليتأكد من صحتها وصدقها.
وتابع: مع الأخذ في الاعتبار أن هناك أعمالًا أخرى يصعب استبدال المحامي فيها، مثل: التفاوض بين الأطراف، وفهم نوايا الخصوم وتقدير ظروفهم، وتقدير المخاطر واختيار الاستراتيجية المناسبة للحالة الخلافية بينهم، وكذا الترافع أمام القضاء، وغير ذلك من الأعمال التي تحتاج إلى تقدير بشري لا يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به، فالاستشارة القانونية ليست مجرد معلومة، بل هي تقدير موقف، وهذا التقدير يرتبط بعوامل إنسانية لا يمكن برمجتها بالكامل- على الأقل في وقتنا الراهن.
وأشار أستاذ ورئيس قسم القانون العام تأثير تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مهنة المحاماة في مصر إلى أن هذه التطبيقات تمثل مرحلة جديدة تعرف بالخدمات القانونية المؤتمتة، أي تقديم خدمات قانونية بشكل سريع ومنخفض التكلفة عبر التكنولوجيا الرقمية، فالعميل يذهب إلى المحامي حتى في الأمور البسيطة، بينما أصبح بإمكانه الآن استخدام تطبيق للحصول على إجابة أولية فورًا، وهو ما يترتب عليه تقليل الاعتماد على المحامين في الأمور البسيطة، مثل الاستشارات الأولية أو النماذج الجاهزة للردود القانونية، وزيادة التنافسية في سوق العمل القانوني؛ لأن العميل أصبح لديه بدائل أرخص وأسرع، بل وتغيير دور المحامي نوعيًا؛ حيث أصبح المحامي مطالبًا بالتركيز أكثر على القضايا المعقدة والاستراتيجية التي تضمن استمراريته.
وأكد أنه تطبيق كرنك سيساهم في التأثير على المحامين الذين يعتمدون على الطرق التقليدية في مباشرة أعمالهم، وسيزداد الطلب على أولئك الذين يطورون أدواتهم بما في ذلك الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ذاته، لذلك التدريب على استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح ضرورة مهنية، فالمحامي العصري يحتاج إلى اكتساب مهارات جديدةمنها كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث القانوني، كيفية مراجعة نتائج هذه الأدوات والتأكد من صحتها، كيفية الاستفادة منها في صياغة العقود والمذكرات القانونية.
وتابع: وقد بدأت جهات مهنية دولية مثل جمعية المحامين والقضاة الأمريكية American Bar Association في التأكيد على أن الإلمام بالتكنولوجيا، أصبح جزءًا لا يتجزأ من كفاءة المحامي المحترف، ويمكن تلخيص المشهد في صورة مبسطة مؤداها أن الذكاء الاصطناعي، لن يلغي دور المحامي البشري كليةً، لكنه سيُلغي الأسلوب التقليدي في ممارسة مهنة المحاماة، وبالتالي فإن المستقبل سيكون للمحامي الذي يستخدم التكنولوجيا بذكاء، ويركز على التحليل والتفكير الاستراتيجي، ويقدم قيمة إنسانية لا تستطيع الآلة الرقمية تقديمها.
"كرنك" يضع مصر على مسار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المحلي
وقالت مع الدكتورة سلمى الغيطاني، المحاضر بقسم الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، إن إطلاق نموج الذكاء الاصطناعي كرنك خطوة تمثل تحولًا مهمًا في مسار مصر نحو تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المحلي، قائلة إن إطلاق نموذج "كرنك" هو دليل على بدء مصر في دخول عصر الذكاء الاصطناعي المحلي، وهو يعد خطوة هامة على مستوى السيادة الرقمية والابتكار التكنولوجي في المنطقة.
وأضافت أنه على الرغم من أن النموذج قد لا يكون نسخة مطابقة لنماذج الذكاء الاصطناعي العالمية، إلا أن ما يميز كرنك هو تركيزه على اللغة العربية المصرية، مما يعكس فهمًا أعمق لخصوصية المستخدم المصري.
وأوضحت الغيطاني، في تصريحات لـ"الدستور"، أن النموذج يعتمد على 70 إلى 80 مليار جرام من البيانات التي تدعمه وهذه خطوة هامة لأننا في العالم العربي نحتاج إلى أدوات قادرة على فهم وتفاعل مع اللغة العربية بشكل دقيق، خاصة أن البيانات التي تم تدريب النموذج عليها هي معلومات محلية يمكن الاعتماد عليها بشكل أكبر من النماذج الغربية.
وأضافت أن نماذج الذكاء الاصطناعي تتطلب مراكز بيانات قوية وكذلك سرعة إنترنت عالية، وكل هذه العوامل تشير إلى أن مصر على الطريق الصحيح في تطوير بنيتها الرقمية ونجاحها في إطلاق هذا النموذج، ورغم أن هناك العديد من الخطوات التي تحتاج إلى إتمام، إلا أن وجود نموذج مثل "كرنك" يعكس الجهود المصرية الحثيثة في هذا الاتجاه.
وبينت الغيطاني أن توفير نموذج الذكاء الاصطناعي كرنك خدمات متعددة ومن أهمها تطبيق المعلم الذكي الذي سيساعد الطلاب على تعلم المواد بشكل أسهل باستخدام اللغة العامية المصرية، سيسهل الوصول إلى شريحة أكبر من المواطنين الذين قد يجدون صعوبة في استخدام نماذج عالمية باللغة الإنجليزية أو الفصحى.
وأكدت أنه على الرغم من أهمية كرنك في تسهيل الوصول للمعلومات القانونية، إلا أنه من غير الممكن استبداله بالكامل بالمحاميين أو الخبراء القانونيين، موضحة أن النموذج يمكن أن يساعد في توجيه المواطنين للخطوات التي يجب اتخاذها، ولكنه لا يمكن أن يحل محل الخبرة الإنسانية، خاصة في المجالات المعقدة مثل القانون حيث تتطلب الحالات فهمًا عميقًا للسياق الاجتماعي.
وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يوفر دقة عالية في البيانات أيا كان هو فإنه لا يخلو من الأخطاء، وي يجب على المستخدمين التحقق من المعلومات التي يقدمها النموذج، فحتى النماذج العالمية، مثل ChatGPT، تواجه تحديات من حيث الدقة والمصداقية وهي ما تسمى بهلوسة الذكاء الاصطناعي.
















0 تعليق