أكد الباحث والمفكر السياسى، الدكتور رفعت سيد أحمد، أن تنظيم الإخوان الإرهابى انتهى سياسيًا واجتماعيًا بفعل رفض شعبى غير مسبوق، محذرًا فى الوقت نفسه من بقاء فكرة التنظيم ووجود خلايا نائمة تسعى إلى العبث باستقرار الوطن عبر سلاح الشائعات واستغلال الأزمات الاقتصادية.
وقال، فى حواره مع «الدستور»، إن قوى غربية كانت تسعى بعد أحداث يناير ٢٠١١ إلى خلق «شرق أوسط بلحية»، أى شرق أوسط له مظهر إسلامى دون جوهر إسلامى حقيقى، لتحقيق أهداف محددة من بينها التطبيع الدائم مع إسرائيل وليس المؤقت.
■ فى البداية.. هل تعتقد أن جماعة الإخوان انتهت فعليًا؟ أم أنها تمر بمرحلة كُمون فقط؟
- الجماعة كتنظيم سياسى واجتماعى ومسلح انتهت فعليًا فى بلادنا، وتحتاج على الأقل إلى جيلين كاملين قبل أن تتمكن من استعادة أى دور مؤثر، لكن على مستوى الفكرة، ما زالت قائمة وتحملها خلايا نائمة داخل المجتمع، ما يستدعى الانتباه والحذر.
هذه الفكرة تقوم على ادعاء الوسطية أو الدفاع عن الإسلام فى مواجهة من يعارضون مشروعها، وتظل حاضرة فى بعض البيئات العربية، حيث تجد من يتبناها أو يعيد إنتاجها، أما كجماعة منظمة سياسيًا واجتماعيًا، كما قلت، فجرى القضاء عليها إلى حد كبير، ولن يكون لها حضور فعلى إلا بعد أجيال أخرى.
■ لماذا تقول إنها انتهت؟
- الرفض الذى واجه الجماعة كان شعبيًا واسعًا وشمل أيضًا جماعات أخرى قدّمت نموذجًا مشوّهًا للدين، وهذا النموذج الغليظ والمخيف للإسلام جعل التنظيم يفقد شرعيته.
لكن على مستوى الفكرة، ما زال هناك مَن يحاول إعادة تدويرها عبر بعض الخلايا النائمة أو العناصر المتعاطفة، مستغلين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لإحياء التنظيم بوجه جديد.
■ ماذا عن الشارع؟ هل ما زال للإخوان حضور أم أصبحوا مجرد ظاهرة إعلامية؟
- أعتقد أنهم انتهوا من الشارع، وانتهوا كظاهرة إعلامية بشكل كبير، هم يستثمرون فى إطار الأزمات- كما قلت- الاقتصادية والسياسية التى يمر بها المجتمع، ويركبون عليها، وبالتالى يوظفونها لمصلحة ما تبقى منهم من ظواهر إعلامية.
لكن على مستوى الوجود فى الشارع- كما قلت- انتهوا كتنظيم وكجماعة، ربما هناك فكرة خيالية موجودة لدى البعض بأن نرى عودة للجماعة مرة أخرى، لكن أنا أقطع لك باليقين أنهم لمدة جيلين على الأقل لن يكونوا موجودين فى مصر بصفة خاصة، وفى بعض البلاد العربية عامة، لأن الرفض كان بالأساس شعبيًا، ولم يكن رفض مؤسسات.
وعلينا أن نتذكر أن هناك تقديرات تقول إن عدد المشاركين فى ثورة يونيو ٢٠١٣ وصل إلى ٣٥ مليونًا، وهذا لأن الجماعة قدمت نموذجًا فاشلًا وإقصائيًا للحكم، وبالتالى لا يريد الناس عودة مثل هذا النموذج على الإطلاق.
■ كيف أثرت الضربات الأمنية على الجماعة؟
- بالطبع، الضربات الأمنية التى قامت بها الدولة، منذ وصول الإخوان لحكم مصر فى ٢٠١٢ وحتى رحيلها فى ٢٠١٣ وإلى اليوم، كان لها أثر كبير.
المواجهات التى قامت بها أجهزة الأمن والجيش، والشهداء الذين قدمهم الجيش المصرى العظيم فى سيناء والشرطة الوطنية فى مختلف المعارك ضد العنف الذى قادته الجماعة فى صورة تنظيمات مثل داعش والقاعدة وبالتواطؤ والتنسيق معها- كل هذه التضحيات للجيش والشرطة كان سدًا منيعًا فى وجه تلك الجماعات الإرهابية.
ولكن تحركاتها الحالية هى تحركات منفردة وغير عميقة، ولا تقوم على استراتيجية كبيرة أو ثابتة يصدقها الناس.
وهناك خلاف حقيقى بين الناس والإخوان، وليس فقط مع الدولة، هى تعانى أزمة مصداقية وفقدان ثقة من قبل المجتمع، فمهما فعلت من حركات تظل حركات فردية يائسة.
وبلا شك المواجهات الأمنية لعبت دورًا محوريًا، ولكن نحتاج إلى أن نكملها بـالمواجهة الأيديولوجية والثقافية والفكرية وفق استراتيجية شاملة تشمل الإعلام والدين، لمقاومة الإرهاب كفكر وليس فقط مقاومة الإرهابيين كأفراد أو تنظيمات.
■ ما تقييمك لتحركات بعض الكيانات التى خرجت من رحم الإخوان مثل «ميدان»؟
- أنظر إليها باعتبارها جماعات وظيفية، أى تؤدى أهدافًا لصالح أجهزة ودول ومؤسسات أخرى فى الخارج.
و«ميدان» تدّعى الدفاع عن حقوق الإنسان، ولكن فى حقيقة الأمر تريد الوصول إلى أهداف سياسية، بعضها يتصل بأجهزة مخابرات غربية.
وكما قلت فى دراساتى السابقة، «الإخوان» وما تفرع عنها من تنظيمات تعاملت خلال الـ١٠٠ عام الماضية من عمرها مع ١٦ جهاز مخابرات دوليًا.
وتعاملت معها لتحقق لهذه الأجهزة بعض الوظائف والأهداف فى المنطقة، وأيضًا لتحقق لنفسها أهدافًا أخرى ومن بينها الوصول إلى الحكم، إذن فهى جماعة وظيفية وليست جماعة إسلامية.
و«ميدان» أحد الأفرع أو أحد الأوجه الإخوانية الحديثة، ولكن أعتقد أنها ستفشل مثل الجماعة الأم وهى الإخوان، لأنها جماعة تريد أهدافًا عدائية ولا تريد إسلامًا.
■ هل تابعت الإعلان عما يسمى بالمؤتمر العام الذى يضم «ميدان» وأخواتها فى الإرهاب؟
- أعتقد أن هذا المؤتمر محكوم عليه بالفشل، لأن ما يحركه هو الهدف والغرض والهوى وليس مصلحة الناس أو المجتمع أو مصر.
هؤلاء بالأساس يركبون على أزمات مصر الاقتصادية والسياسية ويوظفونها لمصلحتهم ولمصلحة الآخر الغربى أو الآخر خارج البلاد، وليس لمصلحة الإسلام أو مصلحة المجتمع أو الحريات التى يحتاجها المجتمع أو غيره.
وهؤلاء يقومون بوظائف لتحقيق أهداف أخرى لتلك الدول ولتلك الهيئات، وبالتالى محكوم على مثل هذا المؤتمر وغيره من المؤتمرات بالفشل.
تلك التنظيمات والحركات، مثل «ميدان» وغيرها من الجماعات الإخوانية الجديدة، تستثمر الأزمات ولا تبحث عن حل لها، هى تريد استمرارها ولا تبحث عن حلول لها.
■ ماذا عن خطر العنف المرتبط بالإخوان؟
- العنف المرتبط بالإخوان فى مصر انتهى مرحليًا، لكن الحذر يبقى واجبًا، إذ ما زال هذا الخطر حاضرًا فى أغلب دول المنطقة، ويُخشى أن تستغل الجماعة الأزمات الكبرى التى تمر بها الدول العربية، ومنها الأزمات الاقتصادية، فضلًا عن تداعيات الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، وما خلفته من شعور لدى دول الخليج بضرورة بناء «كومنولث عربى» قوى، بعيدًا عن الاعتماد على الحماية الأمريكية، خاصة بعد استهداف قواعد أمريكية فى المنطقة.
فى هذا السياق، تبدو الحاجة مُلحة إلى نظام عربى جديد يقوم على الصراحة والمكاشفة، وعلاقات متوازنة وحقيقية مع إيران، بما يعزز وحدة عربية وإسلامية حقيقية.
غير أن جماعة الإخوان، وفق تقديرات سياسية، لا تريد العمل فى هذا المناخ، ما يدفعها إلى اللجوء إلى العنف مجددًا فى بعض دول الخليج والمنطقة خلال المرحلة المقبلة، فى محاولة للوصول إلى الحكم، ومن هنا، فإن اليقظة تبقى ضرورة قصوى لمواجهة هذا الاحتمال.
■ كيف تستطيع الجماعة التأثير على قطاعات الشباب رغم التحذيرات المستمرة؟
- تحاول باستخدام وسائل التواصل الحديثة الوصول إلى قطاعات الشباب، وباستخدام الأزمات السياسية والاقتصادية والإعلامية وما يتصل بقضايا حقوق الإنسان.
خلاف ذلك لا يستطيع أعضاء الإخوان أن يؤثروا بالمنطق، بالحوار، بالفكر؛ لأن فكرهم قاصر ومحدود ولا يقدم نموذجًا متكاملًا للفكر الإسلامى، هم يستثمرون الأزمة للوصول إلى قطاعات متعددة من المجتمع ومنها قطاع الشباب.
علينا نحن بالمقابل أن نواجه تلك الأزمة، وألا نخفى رءوسنا فى الرمال كالنعام، علينا أن نواجه الأزمات التى تحيط بالمجتمع ونواجهها بشكل حقيقى، وأن نوسع من مساحة الرأى العام وتأثيراته، وحرية الإعلام والفكر، تلك هى أدواتنا فى مواجهة هذه الجماعة.
نحن نواجه الخطر المتجدد والمستمر بإشاعة مناخ الحرية والثقافة والفكر والتجديد المستمر.
وأيضًا بإبراز المثالب الحقيقية لتلك الجماعات، وأنها جماعات وظيفية وليست جماعات إسلامية، أى جماعات تقوم بدور لتحقيق أهداف لدول وهيئات وأجهزة مخابرات غربية وإقليمية، وليست خالصة لوجه الله وللإسلام أو لتحقيق الحريات فى بلادنا العربية، وفى مصر على وجه الخصوص.
■ إلى أى مدى تعتمد جماعة الإخوان على الدعم الخارجى للبقاء؟
- تعتمد بشكل أساسى على الدعم الخارجى من أثرياء العرب المنتمين للجماعة وخاصة من الجاليات العربية فى أوروبا وأمريكا، وكذلك بعض الأثرياء فى تركيا، بالإضافة إلى دعم الدول التى توظف جماعة الإخوان وتمولها أيضًا.
ورصدنا فى أثناء حكم محمد مرسى أكثر من ٥٠ مليون دولار أخذتها الجماعة من أمريكا ومن غيرها من الدول، عندئذ علينا أن ننتبه، هؤلاء لا يأخذون الأموال من الجاليات أو من الدول أو من الأجهزة لعيون الشعب المصرى، يستهدفون تحقيق أهداف لا علاقة لها لا بالدين ولا بالوطن، لأن حتى هؤلاء ينظرون إلى الوطن- كما قال مهدى عاكف من قبل- باعتباره «حفنة تراب قذر».
فى حين هذا الوطن هو الذى بكى النبى عليه عندما غادر مكة، لأن مكة كانت أحب بلاد الله إلى قلبه، وبالتالى الوطن جزء من العقيدة كما نفهم كمسلمين.
أما دين الإخوان فينظر إلى الوطن باعتباره مجرد بقعة جغرافية فى مشروع أكبر يستهدفونه وهو الوصول إلى حكم أغلب البلاد الإسلامية لأهداف خاصة بهم سياسية واقتصادية وتتقاطع مع أجهزة المخابرات التى أشرنا إليها.
■ هل ما زالت الجماعة ورقة يستخدمها بعض الدول فى صراعات المنطقة؟
- طبعًا، ما زالت الجماعة تلعب دورًا، وتاريخيًا كانت تلعب أدوارًا لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
علينا أن نتذكر جيدًا أن واشنطن كانت تريد بعد يناير ٢٠١١ «شرق أوسط بلحية»، يعنى شرق أوسط له شكل إسلامى دون جوهر إسلامى حقيقى، ولتحقيق أهداف ومن بينها التطبيع الدائم- وليس الوقتى أو المرتبط بظروف- مع إسرائيل، ولتحقيق أهداف نفطية وبترولية عديدة، ومستخدمة تلك الخيمة الكبيرة وهى خيمة الإخوان، وزارعة فى أغلب البلاد العربية الفتن الطائفية والمذهبية.
ولولا ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ضد هذه الخيمة الإخوانية لسيطرت على أغلب البلاد العربية والإسلامية، ولعشنا زمن «الشرق الأوسط بلحية» الذى يحقق لأمريكا ولإسرائيل ما تريدانه من تمدد كبير.
الذى جرى فى ٣٠ يونيو هو أن هناك ثورة مليونية حقيقية ضد هذه الخيمة الإخوانية للشرق الأوسط الكبير الذى يخلق الفتن ويستثمرها ولا يعيش إلا فى إطار الفوضى.
ونلاحظ أن غالبية الدول العربية التى أصيبت كانت مستقرة فى أغلبها، لكن عندما أتى هذا الطوفان الكبير «التنظيمات الوظيفية» بعد ٢٠١١، فى مصر وليبيا وسوريا والعراق وتونس وغيرها، أتى فى فترات قلاقل، ولاحظنا استمرار كثير من القلاقل والأوضاع الاقتصادية المتوترة بسبب هذا الطوفان، أو كما كان يسميه البعض سخرية «الربيع العبرى» وليس الربيع العربى.
كيف تستخدم الجماعة سلاح الشائعات؟
- استخدام الشائعات هو أحد أبرز أساليب الإخوان منذ نشأتها عام ١٩٢٨ وحتى اليوم، والشائعات هنا هى علم كبير يقدم للمواطن أو للإنسان العادى باعتباره جزءًا من الحقيقة محاطًا بتلٍ كبير من الأكاذيب.
ويتم تسويق هذه الشائعات لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية، وعلى رأسها الوصول إلى حكم البلاد، سواء فى مصر أو غيرها.
ونحن نرد على ذلك بالحقيقة، وإشاعة ثقافة الاختلاف لأجل الوطن لا الاختلاف على الوطن، هذا أمر مطلوب فى المرحلة المقبلة لمحاصرة سلاح الشائعات الذى تستخدمه الجماعة.















0 تعليق