يأتي مقترح تعديل قانون جرائم تقنية المعلومات، وتحديداً نص المادة (26 مكرر أ)، ليضع حداً فاصلاً لواحدة من أبشع الجرائم التي استحدثتها التكنولوجيا الحديثة، وهي "الابتزاز الجنسي الإلكتروني للطفل". هذا النص التشريعي لا يواجه فقط المجرم التقليدي، بل يتصدى لثورة تقنية أصبحت تهدد البنيان الأخلاقي للمجتمع، وهي تقنيات التزييف العميق وتوليد المحتوى عبر الذكاء الاصطناعي.
1. فلسفة العقوبة والردع العام
نصت المادة المقترحة على عقوبة "السجن المشدد" لمدة لا تقل عن خمس سنوات، وغرامة مالية باهظة قد تصل إلى مليون جنيه. هذا التغليظ العقابي يعكس إدراك المشرع أن الابتزاز ليس مجرد جريمة عابرة، بل هو اغتيال معنوي للطفل وتدمير لمستقبله، فالمبتز الذي يستخدم شبكة المعلومات للضغط على ضحية قاصر يرتكب جرماً مركباً يجمع بين التهديد، والاعتداء على الحياء، وإساءة استخدام التكنولوجيا.
2. سد الثغرات القانونية (الذكاء الاصطناعي)
النقطة الأكثر جوهرية في هذا النص هي شموله للصور والمعلومات "المولدة بالذكاء الاصطناعي". في السابق، كان بإمكان الجاني الإفلات من العقاب بحجة أن الصور المستخدمة في الابتزاز ليست حقيقية أو أنها "مجرد تركيب"، لكن التعديل الجديد سد هذه الثغرة تماماً، فقد نص صراحة على أن الجريمة تقوم سواء كان المحتوى حقيقياً، أو معدلاً، أو حتى مولداً بالكامل بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، طالما تم استخدامه لابتزاز الطفل، هذا النص يجعل القانون المصري في طليعة القوانين العالمية التي تواجه مخاطر الـ (Deepfake).
3. الحماية الاستباقية والظروف المشددة
يرتبط هذا النص بنظام "الحماية الشاملة" الذي تبناه المشروع؛ حيث أن المبتز لا يواجه فقط عقوبة السجن، بل يخضع أيضاً لنصوص المادة (34) التي تضاعف العقوبة إذا كان هذا المبتز ممن لهم سلطة على الطفل أو من المقربين إليه، كما أن اقتران هذا النص بالمادة (7) يتيح لجهات التحقيق "الحجب الطارئ" لأي محتوى ابتزازي فوراً، مما يحقق حماية فورية للطفل ويمنع تداول الصور قبل أن تتحول إلى كارثة مجتمعية لا يمكن السيطرة عليها.
4. الأثر الاجتماعي المتوقع
إن إقرار مثل هذا النص سيعمل كحائط صد منيع يحمي الأسر المصرية من التهديدات الرقمية، فهو يبعث برسالة طمأنة للآباء بأن القانون قادر على ملاحقة المعتدين حتى في العالم الافتراضي، كما يمثل إنذاراً شديد اللهجة لكل من تسول له نفسه استغلال براءة الأطفال أو العبث بصورهم باستخدام التقنيات الحديثة، مؤكداً أن يد العدالة ستطالهم مهما بلغت درجة "الذكاء" في وسائلهم الإجرامية.

















0 تعليق