كان لافتًا للانتباه، إعلان المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، الأربعاء الماضي، أن باكستان هى الوسيط الوحيد فى المفاوضات مع إيران، وسط شعور واشنطن بارتياح، إزاء فرص التوصل إلى اتفاق مع طهران.. فى الوقت الذى كشف فيه الصحفى المقرب من دوائر صنع القرار فى الولايات المتحدة، باراك رافيد- مالك ومحرر موقع أكسيوس، والضابط الإسرائيلى السابق- عن التحركات الدبلوماسية المكثفة لاحتواء التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وإشارته إلى أن باكستان كانت فى طليعة جهود الوساطة، بينما لعبت مصر دورًا محوريًا فى الكواليس لتقريب وجهات النظر بين الجانبين.. إذ قال رافيد، عبر منصة «إكس»، إن القاهرة كانت عنصرًا أساسيًا فى الدفع نحو التهدئة، إلى جانب دورها فى وقف إطلاق النار فى غزة، وأن تركيا شاركت أيضًا فى هذه الجهود.
جاء ذلك وسط ما تردد مؤخرًا عن طلب خليجى صريح، باستبعاد مصر من مفاوضات التهدئة، لاعتبارات تتعلق بتصاعد الدور المصري، الذى يعطى مصر نفوذًا أكبر وسيطرة أوسع فى المنطقة، ويجعلها لاعبًا أساسيًا ومحوريًا، وتأثير ذلك على مساحة الدور التى تلعبه دول الخليج.. لكن إيران تعتبر مصر مفاوضًا موثوقًا فيه «دولة لديها شرف فى التفاوض»، وأكد الأمريكيون نفس الكلام، خصوصًا بعد مفاوضات وقف النار فى غزة، حيث أثبتت مصر جدارتها فى التفاوض والتهدئة، وقالوا، إنها بارعة فى ذلك، وهى الوحيدة القادرة على التواصل مع الحرس الثوري.. لذلك، تم إبلاغ دول الخليج أن يكون الدور المصرى غير ظاهر، ولا تستضيف القاهرة المفاوضات، ويكون الدور الظاهر لباكستان، وليس لمصر أو تركيا، غير المرغوب فيهم من الخليجيين والإسرائيليين معًا.. لكن، هل يمكن إخفاء الحقيقة؟!.
بخلاف كلام باراك رافيد، مالك أحد أهم المواقع القادرة على اختراق البيت الأبيض والحصول على الأخبار الحصرية، والمُفضل لدى الرئيس دونالد ترامب، شكر رئيس الوزراء الباكستانى، شهباز شريف، الدور المصرى، وقال إنه لم يكن ممكنًا التوصل لاتفاق بدون مصر.. وأعلنت الصين شكرها للدور المصرى الذى ساهم فى إيقاف الحرب وإعلان الهدنة.. كذلك فعل مبعوث الرئيس الأمريكى الخاص إلى المنطقة، ستيف ويتكوف، الذى أشاد بالجهود المصرية للوصول إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بعد الحرب التى اندلعت فى الثامن والعشرين من فبراير الماضى.
وغير كل هؤلاء، صدر عن مركز كارنيجى لدراسات الشرق الأوسط، تقريرًا يشير إلى دور مصر الخفى فى وقف إطلاق النار مع بين واشنطن وطهران.. ويؤكد، أن جهود القاهرة تبعث برسالة إلى الولايات المتحدة والمنطقة مفادها، أن لها مكانًا على طاولة المفاوضات الدبلوماسية، رغم محاولات البعض جعلها على الهامش، كوسيط فى مفاوضات الشرق الأوسط طوال معظم العقد الماضي، لكن دورها الهادئ فى تسهيل وقف إطلاق النار الحالى بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تركيا وباكستان، أعاد البلاد إلى المكانة التى كانت تحتلها فى السابق، حيث كانت تدير الأزمات من خلال الدبلوماسية السرية، ولم يُسلَّط الضوء على دور مصر فى المساعدة على تأمين وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران فى المؤتمرات الصحفية، ولم يُصوَّر كإنجازٍ كبير.. بدا دورها تكتيكيًا واستراتيجيًا فى آنٍ واحد، من خلال تسهيل الاتصالات وتضييق الفجوة فى المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران.. وتشير بعض التحليلات إلى أن دور مصر أُبقى بعيدًا عن الأنظار عمدًا، لتجنب صراع دبلوماسى كبير مع إسرائيل، التى تعتبر حربها مع إيران ذات تداعيات وجودية.
تشير التقارير الدبلوماسية، إلى أن دور مصر فى وقف إطلاق النار تم عبر اتصالات استخباراتية، وهى آلية تستخدمها مصر منذ عقود.. فى هذه الحالة، يبدو أن مسئولين مصريين ساعدوا فى إنشاء قناة اتصال بين واشنطن وطهران، خصوصًا مع الحرس الثورى الإيرانى، صعب الوصول إليه فى هذه الفترة، فى وقت كانت فيه الرسائل المباشرة مُكلفة سياسيًا لكلا الجانبين.. وحسب التقارير، نقل الوسطاء المصريون مخاوف الولايات المتحدة بشأن تصعيد مُحتمل فى الخليج، كما نقلوا تحذيرات إيرانية بشأن احتمال الرد فى حال اتساع رقعة الصراع.. وقد ساهم هذا التبادل فى تقليل مخاطر سوء التقدير، وسمح لكلا الجانبين باختبار سبل الخروج المحتملة قبل تقديم أى التزامات علنية.
ويلعب جهاز المخابرات العامة المصري، الذى اضطلع بدور محورى فى وقف إطلاق النار فى غزة، دورًا بارزًا فى هذا النوع من الدبلوماسية غير الرسمية، حيث ينقل الرسائل، ويوضح الخطوط الحمراء، ويتفاوض على شروط خفض التصعيد دون إجبار أى طرف على المشاركة فى حوار علنى مباشر.. وفى التصعيد الأخير، يبدو أن جهاز المخابرات العامة قد شكّل قناة عملية للتواصل فى أوقات الأزمات، إذ قام بنقل رسائل عاجلة بشأن العتبات العسكرية، وتوضيح الإجراءات التى قد تؤدى إلى رد فعل، والإعلان عن القيود المقترحة على الضربات والضربات المضادة.. وحسب التقارير، نسّق الوسطاء المصريون أيضًا مع جهات إقليمية أخرى مشاركة فى جهود الوساطة، لضمان عدم تعارض الرسائل الصادرة عن تركيا أو باكستان مع تلك الصادرة عن القاهرة.. ورغم أن التفاصيل لا تزال طى الكتمان، إلا أن هذا النمط يشير إلى أن دور مصر لم يكن يتمحور حول «التوسط فى اتفاق»، بقدر ما كان يهدف إلى منع الأزمة من الخروج عن السيطرة، من خلال إبقاء قنوات التواصل مفتوحة فى ظل تجميد الجهود الدبلوماسية الرسمية.
تاريخيًا- يقول مركز كارنيجى اضطلعت مصر بدور محورى فى تهدئة الأزمات الإقليمية، تمثل فى ثلاثة أدوار رئيسية.. فقد عملت كقناة اتصال غير رسمية لنقل الرسائل، وعززت فكرة أن استقرار دول الخليج يمثل أولوية عربية مشتركة.. وفى الأزمات السابقة، استخدمت قنواتها الدبلوماسية والأمنية، لتشجيع ضبط النفس وخفض التصعيد بين القوى الإقليمية المتنافسة.. ولدى مصر تاريخ طويل فى الانخراط فى هذه الأدوار، يعود إلى اتفاقيات كامب ديفيد 1978، ومعاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية 1979.. ورغم أن مصر لم تكن وسيطًا فى تلك الاتفاقيات، إلا أن قرارها بالتوقيع عليها أعاد تشكيل المشهد الدبلوماسى الإقليمى، ومنح واشنطن فرصةً كبيرةً فى العالم العربى.. وتكرر النمط نفسه خلال حرب الخليج 1990- 1991، عندما دعمت مصر التحالف الذى تقوده الولايات المتحدة لتحرير الكويت «الشقيق» من احتلال العراق لكامل أراضيها، وساهمت فى بناء شرعية إقليمية لتلك الجهود.. وقد عزز هذا دور القاهرة كشريك يُعتمد عليه، قادر على صياغة التحالفات وتوفير الدعم السياسى فى أوقات الأزمات.
●●●
قد يقول البعض بأن الدافع وراء مشاركة مصر فى أحدث جولة لخفض التصعيد مع إيران، هو وضعها الاقتصادى الحساس.. فمصر تعانى من مشاكل اقتصادية شديدة، إذ تواجه تضخمًا، ونقصًا فى العملات الأجنبية، وعبء ديون هائلًا، مما يعنى أنها لا تستطيع تحمل أى اضطرابات فى خطوط الشحن أو ارتفاعات مفاجئة فى أسعار الطاقة.. وقد أدى التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط والشحن العالمية، ما زاد من حدة التضخم ورفع فاتورة وارداتها المرتفعة أصلًا.. وسرعان ما انعكس هذا الضغط على سوق الصرف، حيث انخفضت قيمة الجنيه المصرى مقابل الدولار الأمريكى، لتصل إلى خمسة وخمسين جنيهًا مصريًا للدولار الواحد، قبل أن يعاود الجنيه صعوده ببطء مرة ثانية.
وأثر التصعيد مع إيران على مصر بطرق أخرى.. فالتوترات الإقليمية تُهدد قطاع السياحة، وهو مصدر هام للعملة الأجنبية، فى حين أن احتمال قيام جماعة أنصار الله «الحوثى» فى اليمن بإغلاق مضيق باب المندب، وبالتالى البحر الأحمر، من شأنه أن يُقلل من عائدات قناة السويس.. وكانت هذه من بين العوامل الرئيسية التى شجعت مصر على لعب دور الوساطة، وهو ما عززته علاقاتها الأمنية مع واشنطن، التى تتميز بطابع مؤسسى عميق، وتستفيد من حقيقة أن أجهزة المخابرات المصرية حافظت على روابط قيّمة فى جميع أنحاء المنطقة على مدى فترة طويلة.
ومع ذلك، وبغض النظر عن دوافع القاهرة، فجهودها واضحة وجلية، ولا ينبغى المبالغة فى قدرتها على إحداث التغيير.. فمصر لا تستطيع إملاء قرارات طهران، ولا يمكنها التأثير على استراتيجية واشنطن الأوسع.. إلا أن نشاطها الدبلوماسى حمل رسالة سياسية.. فقد أمضت مصر سنوات تراقب تحول الدبلوماسية الإقليمية نحو دول الخليج وغيرها من الوسطاء.. ومن خلال لعب دور الوساطة هذه المرة، أشارت مصر إلى واشنطن والمنطقة، بأنها لا تزال تحتفظ بمكانتها على طاولة المفاوضات الإقليمية.
لقد انطوت جهود مصر الدبلوماسية جزئيًا على اتباع نهج دقيق.. فمن خلال مشاركتها فى جهود الوساطة، سعت مصر إلى تعزيز علاقاتها مع دول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات.. وفى الوقت نفسه، لا ترغب القاهرة فى الظهور بمظهر المتبع لقيادة دول الخليج. وقد تواجه مصر ضغوطًا خفية من شركائها الخليجيين، الذين قد يسعون إلى دفعها لاتخاذ مواقف أكثر حزمًا تجاه إيران إذا ما تصاعدت التوترات مجددًا.. ومن المرجح أن تتمثل استراتيجية القاهرة فى تجنب الانحياز العلنى مع الاستمرار فى ممارسة دبلوماسية الأزمات.
وفى نهاية المطاف، يرى مركز كارنيجى، أن دور مصر فى تيسير وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، عكس محاولةً مدروسةً لاستعادة مكانتها الدبلوماسية.. وأكد أن القاهرة لا تحتاج إلى الهيمنة السياسية على المنطقة لتستعيد أهميتها، بل يكفيها التواجد الفعال فى أوقات عدم الاستقرار.. ومن خلال تقديم خبرتها الدبلوماسية، تُظهر، أنه حتى وإن تراجع نفوذها الإقليمى فى السنوات الأخيرة، فإنه لم يختفِ.. وإنه يعود بقوة
●●●
وبشىء من البرجماتية، تتعرض مجلة «المجلة» السعودية، للدور المصرى فى الحرب على إيران، إذ تقول، إن ما تفعله مصر حيال الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليس ضربًا من الدبلوماسية النشطة التى تمارسها دولة تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمى، بل هو فى جوهره استجابة دفاعية لدولة تُراقب بقلق متصاعد، تأثير هذه الحرب على اقتصادها والموقف الجيوسياسى العام.. فمصر لم تختر هذا الدور، بل فُرض عليها بالضرورة.. وما يدفعها إلى الانخراط فى جهود الوساطة، ليس الطموح فى قيادة المشهد الإقليمى، بل حساب استراتيجى مفاده، أن تكلفة الاستمرار فى الحرب، باتت تفوق تكلفة التدخل لإنهائها.. وهذا التمييز الدقيق بين الوساطة كاختيار والوساطة كاضطرار، هو ما يُحدد سقف ما يمكن أن تحققه القاهرة.. ومن ثم، جاء النداء الأخير الذى وجّهه الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الرئيس دونالد ترامب، لوضع حد للحرب مع إيران، وهو ما يثير تساؤلات جديدة، حول ما إذا كان رهانه على الرئيس الأمريكى سينجح هذه المرة.
كان الرئيس السيسى قد راهن على ترامب العام الماضي، حين كانت إسرائيل تشن حربها الشرسة على غزة، فى وقت كان فيه الرئيس الأمريكى منسجمًا تمامًا مع رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، فيما يتعلق بالحرب على غزة.. وحين راهن الرئيس السيسى على ترامب فى ملف غزة، كان يُحسن قراءة الرجل جيدًا، فترامب فى تلك المرحلة، كان يبحث عن صورة «صانع السلام» التى تُرسّخ صورته فى الداخل الأمريكى، وتُعزز إرثه الدبلوماسى.. فأتاح السيسى له تلك الصورة، وجاء وقف إطلاق النار.. أما اليوم، فالمشهد أكثر تعقيدًا.. ترامب لا يبحث عن صورة السلام، بقدر ما يبحث عن صورة الانتصار فى حرب إيران.. فهو يريد تقويض البرنامج النووى الإيراني، وإنهاء دعم طهران لوكلائها الإقليميين، وربما السيطرة على نفطها، وفقًا لتقارير الصحافة الأمريكية.. وهذه أهداف لا تتحقق بوساطة دبلوماسية هادئة، بل تستلزم إما انتصارًا عسكريًا حاسمًا، وإما تسوية تبدو فى ظاهرها انتصارًا.. وهنا يكمن رهان السيسى هذه المرة، وهو أن يُقنع ترامب بأن مخرجًا دبلوماسيًا مُصاغًا بعناية، يمكن أن يُصوَّر على أنه انتصار لا تنازل، وهو رهان أدق وأصعب مما سبق من رهان غزة، نظرًا لأن الخصم مختلف.
تؤكد «المجلة»، أن مصر عملت منذ البداية بجد لوقف الحرب، مستخدمة نفوذها لدى صناع القرار المرتبطين بها.. ويجرى وزير الخارجية، د. بدر عبدالعاطى، اتصالات مستمرة مع نظرائه فى إيران والولايات المتحدة، وباكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا وقطر.. كما فتح مسئولو المخابرات المصرية قنوات اتصال، وللمرة الأولى تقريبًا بشكل علنى، مع الحرس الثورى الإيرانى، الذى يبدو أنه بات يتمتع بسلطة مُطلقة على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن الحرب، ومع حزب الله اللبناني.. تهدف هذه الاتصالات كلها، إلى بناء توافق حول صيغة لإنهاء الحرب، تحفظ ماء الوجه، وتكون مقبولة لدى دونالد ترامب والإيرانيين، وتحافظ على مصالح دول الخليج العربى التى تدفع ثمنًا باهظًا لحرب ليست طرفًا فيها.
تحاول مصر جاهدة إنهاء الحرب، وإن لم تكن طرفًا فيها، وذلك لسبب وجيه.. فالتداعيات الاقتصادية للحرب تدفع هذا البلد المكتظ بالسكان، والمثقل بالأعباء الاقتصادية، ببطء إلى حافة الإنهاك.. وبعد أن اضطرت الحكومة المصرية إلى دفع مبالغ أكبر مقابل إمدادات الطاقة من السوق الدولية، رفعت حتى الآن أسعار الوقود للمستهلكين المحليين بنسبة تقارب 30%، وقد تضطر إلى رفعها مرة أخرى إذا استمرت الحرب.. وأصبحت القاهرة، المعروفة بأنها مدينة لا تنام، مضطرة حاليًا إلى إطفاء أنوارها عند الساعة الحادية عشرة مساءً، لأن الحكومة عادت إلى إجراءات ترشيد الطاقة.. ويُزيد انخفاض قيمة الجنيه، الذى يعود جزئيا إلى الضغوط الناجمة عن هروب مليارات الدولارات من الأموال الساخنة، من تفاقم الأزمة.. ولكن عند قراءة المشهد بتعمق أكثر، يتبين أن مخاوف القاهرة الجيوسياسية من الحرب، تفوق بكثير دوافعها الداخلية للسعى إلى إنهائها.. فالهجمات الإيرانية على دول الخليج، تستنزف هذه الدول وتُضعف مصر، بالنظر إلى أن تلك الدول كانت من أشد الداعمين للقاهرة على مر السنين، لا سيما فى الفترات العصيبة.. وقد تدفع الحرب الممتدة الحوثيين، المدعومين من إيران فى اليمن، الذين أخروا دخولهم المعركة لأسابيع، إلى الانخراط فيها بعمق، عبر مهاجمة السفن التجارية فى البحر الأحمر، وإغلاق مضيق باب المندب.
ومن شأن الهجمات على السفن التجارية فى البحر الأحمر، أن تخيف خطوط الملاحة البحرية الدولية، وتدفعها إلى الابتعاد عن قناة السويس.. وقد يمثل نجاح إسرائيل فى ترسيخ وجود دائم فى جنوب لبنان، وصولًا إلى نهر الليطاني، خطوة أولى فى توسيع حدود الدولة المُعلنة من جانب واحد.. ومن المُرجح أن تعقب هذه الخطوة مساع لضم قطاع غزة، وكامل الضفة الغربية المحتلة، وأجزاء من جنوب سوريا، فى إطار رؤية تُوصف أحيانًا بـ«إسرائيل الكبرى» من قِبل اليمين الإسرائيلى المتطرف، وما يشكله هذا الوصف من خطر على الأمن القومى المصرى والإقليمى.. وقد يرى البعض أن هزيمة إيران لن تُسدل الستار على هذه الحرب، بل قد تفتح فصلًا أكثر تقلبًا فى المشهد الإقليمى.. فاختفاء النظام الإيرانى سيُعيد رسم خريطة النفوذ فى المنطقة، ويطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الفراغ الذى سيخلفه هذا الغياب، ومن يملكه، وكيف سيُوظَّف.
●●●
■■ وبعد..
فإن إعلان الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، واستعداده لمد هذا الوقف إذا دعت الحاجة، يعكس العديد من الدلالات المهمة، وفى مقدمتها الدور المصرى البارز فى تعزيز المسار الدبلوماسي، والجهود المصرية التى لم تتوقف منذ بداية الحرب، حيث عملت القاهرة على تقريب وجهات النظر بين الجانب الأمريكى والإيرانى عبر مسارات متعددة، كما قال خبير العلاقات الدولية والشئون الأمريكية، أحمد سيد أحمد.. أولها، التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، وقد تجسد ذلك فى الآلية الرباعية التى ضمت مصر وتركيا والسعودية وباكستان، وعملت على إنشاء مسار تفاوضى بين واشنطن وطهران لحل القضايا العالقة ووقف الحرب، واحتواء التصعيد الذى كان سيؤدى إلى أضرار كارثية، ليس فقط على أطراف الصراع، بل على المنطقة والعالم بأسره.. كذلك، الاتصالات المباشرة، التى قام الرئيس عبدالفتاح السيسى مع الرئيس ترامب، مؤكدًا قدرته على المساهمة فى وقف الحرب وصنع السلام، وهو ما كان له تأثير ملموس على مسار الأحداث.
وظَّفت مصر مكانتها السياسية والاقتصادية وثقلها الإقليمى وسياستها الخارجية الرشيدة، القائمة على الحياد الإيجابى وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، لتشكل قوة ضغط إقليمية ودولية مدعومة من القوى الكبرى، مثل الصين وروسيا، فى اتجاه الدفع نحو الحل الدبلوماسى ومنع انفجار الأمور وتصعيد الصراع.. وقد قدمت مصر مقترحات وأفكارًا ومبادرات لحل القضايا العالقة بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما انعكس فى تقدير الموقع الأمريكى أكسيوس للدور المصري، باعتباره أساسيًا فى منع الانفجار المحتمل، وتحويل التهديدات إلى مسار تفاوضى مستمر لمدة أسبوعين.. ومع انطلاق المفاوضات فى إسلام آباد، فإن الجهود المصرية مستمرة لتحديد العقبات وتعزيز فرص تحقيق سلام مستقر ودائم، من خلال إنهاء الحرب وحل القضايا العالقة وإزالة مسببات الصراع.
إن مصر تؤكد دائمًا، أن أمن الخليج العربى جزء من الأمن القومى المصري، وأن أى ترتيبات مستقبلية بين واشنطن وطهران، يجب أن تراعى مخاوف دول الخليج، ومنع أى اعتداء إيرانى على الدول العربية.. وقد كان التحرك المصرى بالتعاون مع تركيا وباكستان والسعودية حاسمًا، فى دعم المسار الدبلوماسى ووقف التصعيد الذى كان يحرض عليه الجانب الإسرائيلى.. لذا، فإن اتفاق وقف إطلاق النار، يعكس نجاح الدبلوماسية المصرية وجهودها المستمرة فى وقف نزيف الحرب المدمرة، ويؤكد أن مصر دائمًا هى عمود الاستقرار والاعتدال فى العلاقات الدولية، وقوة وازنة فى الإقليم، تمتلك المصداقية والعلاقات القوية مع كل الأطراف، بما يسهم فى تعزيز الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.













0 تعليق