أكد اللواء محمد زكى الألفى، أحد أبطال سلاح المشاة فى حرب أكتوبر المجيدة، أن لحظة رفع العلم المصرى على سيناء فى ٢٥ أبريل ١٩٨٢ تمثل «درة التاج» فى مسيرته العسكرية، ووفاء بعهد شهداء حرب أكتوبر المجيدة، بعد اكتمال ملحمة التحرير التى امتدت ١٦ عامًا، وأثبتت امتلاك الدولة المصرية أدوات متعددة لإدارة الصراع.
وقال اللواء الألفى، فى حديثه لـ«الدستور» فى الذكرى الـ٤٤ لتحرير سيناء، إن استرداد كامل أرض سيناء كان لحظة تاريخية لا توصف، وتتويجًا لرحلة طويلة من الكفاح، مشيرًا إلى أن سيناء تشهد الآن «العبور الثانى»، بعد ربطها جغرافيًا بأرض الوطن عن طريق ٦ أنفاق، مع مد الطرق وتدشين المجمعات الزراعية والمدن الجديدة وتطوير البنية التحتية بـ«أرض الفيروز».
■ بداية.. كيف تنظر إلى الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء التى نحتفل بها هذه الأيام؟
- هذه المناسبة لم تكن يومًا مجرد ذكرى عابرة فى تقويم التاريخ، بل هى «عقيدة وطن»، وستظل هذه المناسبة دائمًا وأبدًا فخرًا لنا جميعًا، فهى مناسبة وطنية خالدة، تحمل فى طياتها معانى الفخر والعزة لكل مصرى، وهى ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل شهادة حية على قدرة الشعب المصرى وجيشه على استعادة الأرض والكرامة.
وهذه المناسبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بذكرى نصر أكتوبر العظيم، حين قدّم رجال القوات المسلحة أرواحهم ودماءهم فداءً للوطن، وتمكنوا من تحقيق إنجاز عسكرى غير مسبوق أعاد الثقة للأمتين المصرية والعربية، فهذا اليوم يذكّر الأجيال الجديدة بأن الإرادة الصلبة، حين تقترن بالتخطيط والإيمان، قادرة على تغيير موازين القوى وصناعة النصر.
■ كيف تلقيتم خبر استرداد سيناء بالكامل فى ذلك الوقت؟
- لحظة استرداد سيناء بمثابة لحظة تاريخية لا توصف، امتزج فيها الشعور بالفخر الوطنى بالإحساس العميق بأن رحلة طويلة من الكفاح قد وصلت إلى نهايتها الطبيعية، خاصة أننى كنت أحد المشاركين فى حرب أكتوبر كمقاتل ضمن الموجة الأولى لاقتحام قناة السويس.
واسترداد سيناء لم يكن حدثًا لحظيًا، بل كان نتيجة مسار طويل ومعقد، جمع بين العمل العسكرى الذى بدأ فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، ثم تم استكماله عبر المسارات الدبلوماسية والتحكيمية، حتى اكتمال الانسحاب الإسرائيلى واستعادة الأرض بالكامل، بما فى ذلك مدينة طابا عام ١٩٨٩.
هذه المرحلة كانت دليلًا على أن الدولة المصرية تمتلك أدوات متعددة لإدارة الصراع، وأنها قادرة على تحقيق أهدافها، ليس فقط فى ميدان القتال، بل أيضًا عبر الدبلوماسية والقانون الدولى.
■ ما الذى يعبر عنه هذا الجدول الزمنى الطويل لعملية تحرير سيناء؟
- هذا الجدول الزمنى هو «درس فى الصبر الاستراتيجى»، لأنها كانت ملحمة امتدت لـ١٦ عامًا من النضال المستمر بكل أشكاله، فقد استردت مصر سيناء فى ٢٥ أبريل ١٩٨٢، وفقًا لمعاهدة السلام، لكن السيادة لم تكتمل إلا باستكمال التحرير القانونى لمدينة طابا فى ١٥ مارس ١٩٨٩ عبر التحكيم الدولى.
هذا التدرج يعكس عبقرية الدولة المصرية؛ فقد استخدمنا كل الطرق والوسائل، وأولها الوسيلة العسكرية لكسر غرور العدو وفرض واقع جديد على الأرض، والوسيلة الدبلوماسية للتفاوض من موقع القوة وليس الضعف، والوسيلة القانونية وهى التحكيم، لاستعادة آخر بقعة من التراب الوطنى.
■ ماذا تتذكر عن لحظة رفع العلم المصرى على كامل أرض سيناء؟
- تلك اللحظة هى «درة تاج» حياتى العسكرية، فقد كنت فى منطقة المليز فى قلب سيناء، وهى منطقة استراتيجية مهمة جدًا، وفى تلك المرحلة التى شهدت الفصل بين القوات وتراجع المحتل كان شعورنا لا يوصف، وكان هناك «فخر عظيم» وثقة مطلقة فى القيادة السياسية التى أدارت الملف بذكاء، وفى الشعب المصرى الذى وقف صامدًا خلف أبنائه.
وعندما رُفع العلم المصرى، شعرنا بأننا وفينا بالعهد، وتذكرت زملائى الذين استشهدوا بجانبى فى عام ١٩٧٣، وتذكرت الدماء التى روت هذه الأرض، فالعلم لم يكن مجرد قطعة قماش تُرفع بل كان إعلانًا بانتصار الحق والكرامة.
هذا المشهد كان له مردود، ليس علينا كعسكريين فقط، بل على كبرياء الشعب المصرى والمنطقة العربية بأكملها، فقد استعدنا الثقة فى قدرتنا على التغيير.
■ ما أبرز العوامل التى أسهمت فى نجاح استعادة سيناء، سواء من الناحية العسكرية أو الدبلوماسية؟
- النجاح فى استعادة سيناء كان نتيجة منظومة متكاملة من العوامل العسكرية والسياسية والاستراتيجية، وليس عاملًا واحدًا، ومن أهم هذه العوامل، شخصية المصرى بصفة عامة وجذورها التاريخية التى تؤكد الإصرار والصمود والتحدى، وإعادة بناء القوات المسلحة بعد حرب ١٩٦٧ فى فترة زمنية قياسية نسبيًا، والتخطيط العلمى الدقيق للعمليات العسكرية، خاصة فى حرب أكتوبر وعبور قناة السويس، والروح القتالية العالية والإيمان العميق لدى الجندى المصرى بعدالة قضيته، ووحدة الجبهة الداخلية المصرية والتفاف الشعب حول قواته المسلحة، بالإضافة إلى استثمار الأدوات الدبلوماسية والتحكيم الدولى لاستكمال استعادة الأرض.
وعبور خط بارليف كان نقطة تحول كبرى، إذ أثبتت المعركة أن ما كان يُعتبر مستحيلًا يمكن كسره بالإرادة والتخطيط، وهو ما أسقط فعليًا فكرة «الجيش الذى لا يُقهر».
■ تحدثت عن التخطيط العلمى السليم كركيزة للنصر.. فكيف استطاعت القوات المسلحة المصرية إعادة بناء صفوفها فى ٦ سنوات فقط؟
- هذا هو الإعجاز الحقيقى، ففى تاريخ الدول تعتبر ٦ سنوات مدة ضئيلة جدًا لإعادة بناء الجيش وتحويله إلى قوة هجومية كاسحة، والسر يكمن فى إعادة بناء وعى وهيكلة القوات المسلحة فى ظروف بالغة الحرج.
بعد عام ١٩٦٧ لم نستسلم للعجز، بل بدأنا تخطيطًا علميًا دقيقًا شمل الفرد والمعدات والروح المعنوية، وواجهنا تحديات كان يراها العالم «مستحيلة»؛ فالخبراء العسكريون فى ذلك الوقت أكدوا أن خط بارليف هو أصعب مانع مائى ودفاعى فى التاريخ الحديث، بل ذهبت بعض التقديرات إلى أن اقتحامه يتطلب قنبلة ذرية أو أسلحة نووية لتدميره، لكن، وبفضل «عناد» الشخصية المصرية، وإيمان المقاتل بعقيدته، استطعنا ابتكار حلول مصرية خالصة، مثل استخدام ضغط المياه لتجريف الساتر الترابى.
وقد كسرنا فى هذه الحرب القواعد العسكرية التقليدية، والأهم أننا كسرنا «الوهم» الذى حاولوا بثه فى وعى المواطن بأن جيش العدو لا يُقهر.
■ انتقلت سيناء من ساحة حرب إلى ساحة للتنمية.. فكيف ترى النهضة العمرانية التى تشهدها أرض الفيروز الآن؟
- ما يحدث الآن هو «العبور الثانى»، فنحن نتحدث عن نهضة شاملة تشهدها سيناء الآن من خلال: الربط الجغرافى، فلم تعد سيناء معزولة خلف القناة، بل أصبحت لدينا الآن ٦ أنفاق عملاقة تحت القناة، بالإضافة إلى الكبارى العلوية والمعديات، ما جعل الانتقال من وإلى سيناء يتم فى دقائق.
وأيضًا لدينا المدن الذكية، فقد أنشأنا مدنًا كاملة على طراز عالمى مثل: بورسعيد الجديدة، والإسماعيلية الجديدة، والسويس الجديدة فى شرق القناة، وكذلك البنية التحتية، فأصبح عندنا امتداد من الطرق العملاقة، ومحطات تحلية المياه، وحفر الآبار لخلق مجتمعات زراعية وبدوية جديدة ومستقرة، وكما قلت هذا هو «العبور الثانى» لسيناء.
بعد سنوات من القتال والتضحيات.. كيف نظرت إلى عملية اكتمال التحرير بشكل شخصى؟
- تحرير سيناء كان بالنسبة لىّ ولزملائى المقاتلين أكثر من مجرد نصر عسكرى، صد كان تتويجًا لمسيرة طويلة من التدريب والقتال والصبر بعد مرحلة دقيقة أعقبت ١٩٦٧، فكل فرد شارك فى المعركة كان يحمل بداخله حلم استعادة الأرض ورفع العلم المصرى على كامل التراب الوطنى، وهو ما جعل لحظة التحرير لحظة إنسانية بقدر ما هى عسكرية. وكان الإحساس هو أن الجهد لم يذهب سدى، وأن التضحيات أثمرت فى النهاية، وعبرت عن أحد أعظم مشاعر الفخر التى يمكن أن يعيشها أى مقاتل.















0 تعليق