تتصاعد سحب الدخان الكثيفة لتغطي سماء القرى الحدودية في منطقة جنوب لبنان حيث يواجه السكان واقعاً مريراً يتجاوز حدود المواجهة العسكرية التقليدية نحو تدمير شامل للهوية الجغرافية والاجتماعية للمنطقة.
ورغم إعلانات التهدئة الهشة، تستمر آليات الهدم في تسوية أحياء كاملة بالأرض، مما يعكس إصراراً على تغيير معالم الأرض ومنع الحياة في شريط حدودي يمتد لعدة كيلومترات، وسط ترقب دولي مشوب بالقلق من انفجار الأوضاع مجدداً بشكل غير مسبوق.
حسب تقرير لصحيفة هآرتس الإسرائيلية، فإن القوات العسكرية تنفذ عمليات هدم واسعة النطاق لمبان مدنية ومنشآت حيوية في القرى التي تسيطر عليها، دون تمييز بين الأهداف العسكرية والمنازل السكنية.
وأكدت المصادر العسكرية أن هذه العمليات تتم بشكل منهجي ومدروس، حيث يتم التعاقد مع مقاولين خارجيين يتقاضون أجورهم بناءً على عدد الوحدات التي يتم تدميرها، مما يحول عملية التدمير إلى نشاط تقني مدفوع الأجر يهدف لإبقاء المنطقة غير قابلة للسكن.
يستعيد المشهد في القرى اللبنانية صور الدمار التي شهدها قطاع غزة، حيث أعلن قادة عسكريون بوضوح أن النموذج المتبع في رفح وبيت حانون يتم استنساخه اليوم في البلدات اللبنانية الحدودية لضمان عدم عودة السكان.
وتتحدث التقارير عن تدمير بلدات كاملة وسحق بنيتها التحتية، بما في ذلك المدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه، في محاولة لفرض واقع جغرافي جديد يجعل من فكرة العودة إلى الديار مجرد حلم بعيد المنال للمهجرين والنازحين.
في ظل هذه الأجواء المشحونة، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرات صارمة لسكان القرى الحدودية بضرورة الابتعاد عن منطقة نهر الليطاني والوديان المحيطة به، مؤكداً أن أي اقتراب سيعتبر تهديداً مباشراً سيتم التعامل معه بالقوة. وتأتي هذه الخطوات لتكرس سياسة "الأرض المحروقة" التي تنتهجها القوات في الميدان، حيث يتم تفجير المربعات السكنية بشكل متسلسل، مما يخلق منطقة عازلة تخلو من أي مظهر من مظاهر الحياة المدنية أو النشاط الاقتصادي المعتاد.
مأساة النزوح وسياسة الأرض المحروقة
يعيش النازحون من منطقة جنوب لبنان حالة من التيه المستمر، حيث بلغت أعداد المهجرين أرقاماً قياسية تجاوزت مئات الآلاف الذين تركوا خلفهم كل ما يملكون هرباً من القصف العنيف وعمليات التمشيط المستمرة.
وتفتقر مراكز الإيواء في المناطق الشمالية إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية، مما يزيد من معاناة العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها في قرى كانت تنبض بالحياة قبل أسابيع قليلة، والآن أصبحت مجرد أكوام من الركام والحجارة.
تتحدث الشهادات الميدانية عن قصف فوسفوري مكثف وعمليات تمشيط بالأسلحة الثقيلة تهدف إلى جعل البقاء في المناطق الحدودية أمراً مستحيلاً حتى بالنسبة لأولئك الذين رفضوا النزوح في البداية.
وتتزايد المخاوف الإنسانية مع كل غارة جديدة تستهدف ما تبقى من بنية تحتية، حيث تنهار المنظومة الصحية والخدمية تدريجياً، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية جسيمة تجاه المدنيين الذين يجدون أنفسهم عالقين في دوامة من العنف والدمار.
تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في لبنان إلى أن حصيلة الضحايا والجرحى في تصاعد مستمر منذ مطلع شهر مارس الماضي، وسط تدهور متسارع في الوضع الإنساني العام.
ومع استمرار الغارات الجوية والعمليات البرية، يواجه آلاف الأطفال والنساء خطر الجوع والمرض في ظل نقص حاد في الأدوية والمواد الغذائية، وهو ما يفرض حاجة ماسة لتدخل إنساني عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح المدنيين الأبرياء.
مخطط الخط الأصفر واستنساخ تجربة غزة
برز في الأفق العسكري مصطلح "الخط الأصفر" الذي تسعى إسرائيل لفرضه كواقع ميداني جديد في لبنان، وهو تكتيك سبق استخدامه في قطاع غزة لتحديد مناطق تخضع لسيطرة عسكرية مطلقة ومحرمة على المدنيين.
ويهدف هذا الخط إلى عزل نحو خمس وخمسين قرية لبنانية عن محيطها الطبيعي، ومنع سكانها من العودة إليها تحت ذريعة الاحتياجات الأمنية، مما يؤسس لاحتلال طويل الأمد يغير الخارطة الديموغرافية والجغرافية للجنوب اللبناني بشكل قد يصبح دائماً.
أكد مسؤولون عسكريون أن تطبيق نموذج الخط الأصفر يعني بقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها لفترات زمنية غير محددة، مع إجراء عمليات تفتيش وتطهير مستمرة لكل ما يقع ضمن هذه المنطقة العازلة المقترحة. وتخطط تل أبيب للإبقاء على سيطرتها الأمنية حتى نهر الليطاني، مما يعني حرمان مئات الآلاف من اللبنانيين من ديارهم وأراضيهم الزراعية، وهو ما يراه قانونيون انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف المعنية بحماية المدنيين زمن الحرب.
يرى مراقبون أن هذا المخطط يمثل تهديداً مباشراً للسيادة اللبنانية، حيث يسعى الاحتلال لفرض سياسة الأمر الواقع عبر القوة العسكرية المفرطة وتدمير القرى الحدودية بالكامل لضمان عدم وجود أي تهديد مستقبلي. وتتزايد الضغوط من قبل نواب اليمين المتطرف في إسرائيل لتوسيع هذه الخطط لتشمل مناطق أبعد، مما يشير إلى نية مبيتة لتوسيع رقعة السيطرة الميدانية وجعل المنطقة الحدودية ساحة عمليات مفتوحة لا تخضع لأي قواعد اشتباك تقليدية أو تفاهمات سياسية.
دبلوماسية متعثرة تحت وطأة القصف المستمر
في خضم هذا التصعيد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام، داعياً الأطراف المعنية لإجراء محادثات جادة في البيت الأبيض لمحاولة التوصل إلى اتفاق سلام دائم. ورغم هذا الإعلان، إلا أن الواقع على الأرض في منطقة جنوب لبنان لا يزال يعكس مشهداً مغايراً، حيث تستمر الخروقات الإسرائيلية والغارات الجوية، مما يلقي بظلال من الشك حول مدى التزام الأطراف بهذه التهدئة المؤقتة وقدرتها على الصمود.
أبدى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام موقفاً حازماً تجاه التطورات الميدانية، مشدداً على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يظل حصراً بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، مع رفضه القاطع لزج البلاد في صراعات إقليمية. وتواجه الحكومة اللبنانية تحديات جسيمة في فرض سيادتها وحصر السلاح بيد الجيش، خاصة في ظل استمرار الاعتداءات التي تضعف من مصداقية الدولة وتعرقل الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الصراع الدامي الذي استنزف قدرات البلاد المنهكة أصلاً.
تترقب الدوائر السياسية نتائج اللقاءات المرتقبة في واشنطن، حيث يأمل الوسطاء أن تسفر الضغوط الدولية عن تمديد الهدنة والبدء في مفاوضات حقيقية تعالج الجذور العميقة للأزمة وتضمن أمن المدنيين على جانبي الحدود. ومع ذلك، فإن المطالب الإسرائيلية المتطرفة والتمسك بالبقاء العسكري في الجنوب يصعب من مهمة الدبلوماسيين، ويجعل من فكرة التوصل إلى حل عادل وشامل أمراً محفوفاً بالمخاطر والعقبات التي قد تفجر الموقف في أي لحظة.
هدم ممنهج وتدمير شامل للبنية التحتية
لم تقتصر عمليات التدمير في منطقة جنوب لبنان على المنازل السكنية فحسب، بل طالت الجسور الحيوية التي تربط القرى ببعضها البعض، خاصة الجسور المقامة فوق نهر الليطاني التي تم استهدافها بشكل مركز. وبرر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس هذه الخطوة بزعمه أنها تهدف لقطع خطوط الإمداد ومنع نقل المقاتلين والأسلحة، لكن النتيجة المباشرة كانت شلل الحركة المدنية وعزل القرى عن مراكز التموين والخدمات الطبية الضرورية لإنقاذ الجرحى.
تستخدم القوات الإسرائيلية معدات هندسية ميكانيكية ثقيلة ووسائل هدم متطورة لتنفيذ خطتها في تطهير الأراضي اللبنانية من المباني، في عمل منهجي يستهدف كل ما يمكن أن يشكل مأوى أو نقطة ارتكاز مدنية. وتكشف صور الأقمار الاصطناعية عن حجم الخراب الذي لحق بقرى مثل يارون ومحيبيب وعيتا الشعب، حيث تحولت هذه المناطق إلى ساحات خالية من المعالم، مما يؤكد أن الهدف يتجاوز الأغراض العسكرية نحو تدمير شامل للمجتمع المحلي اللبناني.
يؤكد العسكريون الذين تحدثوا لوسائل الإعلام أن الجيش لا يميز بين المباني المستخدمة لأغراض عسكرية وتلك المدنية الصرفة، حيث يتم التعامل مع القرى الحدودية كمربعات أمنية يجب مسحها بالكامل لضمان تفوق ميداني مطلق. وتستمر عمليات النسف والتمشيط لتطال الأحياء التاريخية والأسواق الشعبية، مما يمثل خسارة ثقافية وتراثية لا تعوض، وتعمق من جراح الشعب اللبناني الذي يرى تاريخه وحاضره يُسحق تحت آلات الحرب التي لا ترحم بشراً ولا حجراً.
واقع إنساني مرير وسط صمت دولي
مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، يعيش سكان منطقة جنوب لبنان ظروفاً مأساوية تتفاقم يوماً بعد يوم مع غياب أبسط مقومات الحياة الإنسانية والخدمات البلدية في المناطق التي لا تزال تحت القصف. وتكافح فرق الدفاع المدني والإغاثة للوصول إلى العالقين تحت الأنقاض وسط استمرار الغارات، مما يجعل من عمليات الإنقاذ مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تودي بحياة المسعفين أنفسهم في ظل عدم احترام الحصانة الدولية للطواقم الطبية والإغاثية.
تعكس الأرقام المعلنة حجم الكارثة، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا لتتجاوز الألف قتيل وآلاف الجرحى، في ظل نظام صحي متهالك يعاني من نقص حاد في المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات. وتزداد معاناة العائلات النازحة التي تفترش الطرقات والحدائق العامة في المدن الكبرى، مما ينذر بكارثة اجتماعية وصحية كبرى إذا لم يتم التحرك بشكل جدي لتوفير مراكز إيواء آمنة وتقديم المساعدات العاجلة الكفيلة بضمان كرامة الإنسان وصون حياته.
يبقى الأمل معلقاً على إمكانية تحويل الهدنة المؤقتة إلى وقف دائم لإطلاق النار، ينهي دوامة القتل والتدمير ويسمح للنازحين بالعودة إلى ما تبقى من قراهم في منطقة جنوب لبنان لإعادة بنائها. ولكن، ومع استمرار السياسات التصعيدية والتمسك بمنطق القوة والمناطق العازلة، يظل المستقبل مجهولاً، وتبقى المنطقة الحدودية جرحاً نازفاً يهدد استقرار الإقليم بأكمله، بانتظار حل سياسي يعيد الحقوق لأصحابها ويوقف آلة الهدم التي لا تتوقف عن الدوران.

















0 تعليق