قانون الأحوال الشخصية الجديد، المزمع تقديمه إلى البرلمان، يعد ثورة تشريعية لإعادة صياغة عقد الأسرة فى مصر، للقضاء على آلاف المشاكل الأسرية التى تسود بين جدران المحاكم الأسرية. ولم تعد القوانين الحالية، التى يعود بعضها إلى عقود طويلة، قادرة على استيعاب التعقيدات المعاصرة، ومن هذا المنطلق يأتى مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد كواحد من أهم وأخطر المشروعات القومية التى أعدتها الحكومة المصرية بتوجيهات رئاسية مباشرة، تمهيدًا لعرضه على البرلمان.
لا يهدف هذا القانون فقط إلى فض الاشتباكات القانونية، بل يسعى إلى إرساء فلسفة جديدة تقوم على مصلحة الطفل واستقرار الكيان الأسرى.
ويستجيب القانون الجديد لضرورة مُلحّة نابعة من تراكم القضايا التى تمتد لسنوات فى المحاكم، مما ينهك الأطراف ماديًا ونفسيًا. ويركز المشروع على الانتقال من قانون النزاع إلى قانون الحماية، حيث تمت صياغة مواده، التى تتجاوز ٣٥٠ مادة، لتشمل كل تفاصيل الحياة الزوجية، بدءًا من الخطبة وفترة ما قبل الزواج، وصولًا إلى تنظيم الانفصال وحقوق ما بعد الطلاق.
ولعل أبرز وأكثر المواد إثارة للجدل والارتياح فى آنٍ واحد هى تلك المتعلقة بترتيب الحضانة. فى القانون القديم كان الأب يأتى فى مرتبة متأخرة جدًا، السادسة عشرة، وهو ما كان يُنظر إليه كظلم اجتماعى ونفسى للطفل ووالده. أما فى المشروع الجديد فنجد الأب فى المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم فى حق الحضانة، يليهما أم الأم ثم أم الأب. هذا التعديل يهدف إلى الحفاظ على الرابطة الأبوية وضمان وجود رقابة حقيقية من الأب على تنشئة أطفاله.
وينص القانون على سقوط الحضانة عن الحاضن رجلًا كان أو امرأة فى حال الزواج، مع ترك سلطة تقديرية للقاضى فى بعض الحالات الاستثنائية التى تقتضيها مصلحة الصغير. ولطالما عانت المنظومة القديمة من نظام الرؤية التقليدى فى مراكز الشباب، والذى كان يعتبر مهينًا وغير كافٍ لبناء علاقة سوية.
واستحدث القانون نظام الاستضافة أو الاستزارة الممتدة، حيث يحق للطرف غير الحاضن استضافة الطفل فى منزله لمدة محددة شهريًا تصل إلى ١٠ ساعات ولمدة أسبوعين سنويًا فى العطلات المدرسية. ووضع المشرع عقوبات رادعة لضمان عودة الطفل للحاضن، تشمل الحبس والغرامة والحرمان من الاستضافة فى حال المخالفة، لتبديد مخاوف الطرف الحاضن من خطف الأطفال. ولأول مرة يتيح القانون الرؤية عبر وسائل التواصل الحديثة للآباء المسافرين أو الذين تحول ظروفهم دون الحضور الفعلى.
وتعد قضية الطلاق الشفهى من أعقد القضايا الشرعية والقانونية التى تصدى لها المشروع الجديد بشجاعة. فقد ألزم القانون الزوج بتوثيق الطلاق الشفهى خلال ١٥ يومًا من وقوعه. وتم إقرار عقوبات جنائية، حبس وغرامة، على الزوج الذى يتعمد إخفاء الطلاق عن زوجته أو لا يقوم بتوثيقه رسميًا، لضمان عدم ضياع حقوق الزوجة المالية والشرعية خلال فترة الطلاق المعلّق.
وتضمن المشروع إيجاد صندوق دعم الأسرة المصرية لمواجهة الأزمات المالية التى تعقب الانفصال، خاصة للأمهات اللواتى يجدن أنفسهن بلا عائل فجأة. وجاء مقترح الصندوق من خلال رسوم بسيطة تُفرض عند عقد الزواج بالإضافة إلى مساهمات الدولة. ويضمن الصندوق صرف نفقة مؤقتة للأطفال والزوجة فور وقوع الطلاق، حتى يتم الفصل فى دعاوى النفقة، لضمان عدم تشريد الأطفال أو تأثر مستواهم المعيشى.
وفى أمر الوصاية على المال نجد الأم أولًا فى تحول جذرى آخر، حيث جعل القانون الجديد الأم فى المرتبة الأولى بعد الأب فى الوصاية على مال القصّر، متجاوزًا الجد للأب. هذا التعديل ينهى معاناة آلاف الأرامل اللواتى كن يضطررن لانتظار موافقة الجد أو اللجوء للمحاكم الحسبية لتدبير مصاريف تعليم وعلاج أطفالهن من أموالهم الخاصة.
وهناك الكثير من المواد المهمة بمشروع القانون لمعالجة كل التشوهات والقصور فى القوانين السابقة. إن قانون الأحوال الشخصية الجديد ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو محاولة جادة لترميم الشرخ الاجتماعى الذى أصاب الأسرة المصرية. والتحدى الأكبر الذى يواجه البرلمان عند مناقشة هذا المشروع هو إيجاد التوازن الدقيق بين الحقوق والواجبات، وبين نصوص الشريعة ومتطلبات العصر.











0 تعليق