"كنوز في الظلام " تحقيق دولي يكشف اسرار المتاحف العالمية لا يراها الزوار

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في اللحظة التي تُغلق فيها أبواب متحف اللوفر والمتحف البريطاني أمام الزوار، لا ينتهي اليوم كما يظن الملايين… بل يبدأ فصل آخر من الحكاية، عالم خفي لا تراه الأعين، تُحرسه الأبواب الفولاذية ويُدار فيه صمت مطبق داخل أقبية معتمة، حيث تُحتجز ذاكرة الإنسانية بعيدًا عن الضوء.

هذا التحقيق، المستند إلى تقارير دولية نشرتها صحف كبرى مثل The New York Times وThe Guardian، يكشف الوجه الآخر للمؤسسات الثقافية العالمية، حيث لا يُعرض سوى جزء ضئيل من الحقيقة… بينما الباقي يختفي خلف الستار.

صدمة الأرقام: 92% من التاريخ خارج العرض

تكشف البيانات أن ما يراه الزائر ليس سوى “قمة جبل الجليد”. ففي متحف اللوفر، لا يُعرض سوى 8% من المقتنيات، بينما تُحتجز 92% في مخازن مؤمنة ضد الفيضانات والتغيرات المناخية.

أما مؤسسة Smithsonian Institution الأمريكية، فتحتفظ بما يقارب 155 مليون قطعة، يُعرض منها أقل من 1% فقط، ما يعني أن 99% من التراث هناك يعيش في الظل.

وفي المتحف البريطاني، الذي يضم أكثر من 8 ملايين قطعة، يصل التكديس إلى مستويات توصف بـ”الاختناق الثقافي”، حيث تعجز قاعات العرض عن استيعاب هذا الإرث الضخم .

لماذا تُخفى الكنوز؟ بين العلم والفلسفة

تتعدد الأسباب خلف هذا “المنفى القسري” للآثار.

لوجستيًا، لم تعد القاعات التاريخية قادرة على استيعاب الاكتشافات المتزايدة.

تقنيًا، هناك قطع شديدة الهشاشة مثل المخطوطات والمنسوجات لا تتحمل الضوء أو الرطوبة.

لكن الأكثر إثارة للجدل هو العامل الفلسفي؛ حيث يحدد الخبراء ما “يستحق العرض” وما يُحجب، في عملية انتقائية تثير تساؤلات حول من يملك حق سرد التاريخ.

حرب صامتة: العفن يلتهم التاريخ

بعيدًا عن الأضواء، تدور معركة بيولوجية شرسة.

فتشير دراسات في Smithsonian Institution إلى ظهور فطريات متطرفة قادرة على التكيف مع البيئات الجافة، ما يجعل المخازن نفسها بيئة خصبة للتحلل.

وفي متحف روسكيلد بالدنمارك، تحولت منشآت حديثة إلى بؤر تلوث بيولوجي، أثرت على العاملين وأدت لتلف قطع نادرة.

وترتبط هذه الظواهر، وفق دراسات علمية، بتلف أعمال فنية تاريخية، من بينها لوحات مرتبطة بإرث ليوناردو دا فينشي.

كنوز سامة: حين يصبح التاريخ خطرًا

وفي متاحف مثل متحف ملبورن، تواجه فرق الترميم آثارًا مشبعة بمواد سامة مثل الزرنيخ والزئبق، نتيجة أساليب حفظ قديمة.

التعامل مع هذه القطع يتطلب تجهيزات وقائية معقدة، ما يحول المخازن إلى بيئات شبيهة بالمختبرات الخطرة.

اختراقات صادمة: وسرقات من الداخل

لم تعد المخاطر مقتصرة على العوامل الطبيعية.

ففي عام 2023، هزت فضيحة داخل المتحف البريطاني الأوساط الثقافية، بعد اكتشاف سرقة نحو 2000 قطعة أثرية على مدار عقود.

والأخطر من السموم الكيميائية هو الخيانة من الداخل، حيث فجرت قضية المتحف البريطاني في عام 2023 فضيحة هزت الثقة العالمية؛ حيث تبين أن خبيراً رفيع المستوى في قسم اليونان وروما قام بسلسلة سرقات ممنهجة، وأتلف وسرق نحو 2000 قطعة من المجوهرات والأحجار الكريمة
القضية، التي تناولتها تقارير Smithsonian Magazine، كشفت هشاشة أنظمة الرقابة داخل أكبر المؤسسات العالمية.

كنوز محتجزة سياسيًا

بعض القطع لا تُعرض لأسباب تتجاوز العلم، لتصل إلى السياسة.

قطع مثل برونزيات بنين ومنحوتات البارثينون، إلى جانب ألواح دينية إثيوبية، تبقى حبيسة المخازن وسط نزاعات دولية حول الملكية والاسترداد.

الرقمنة: الحل أم الوهم؟

ظهرت الرقمنة كحل واعد، خاصة بعد حريق المتحف الوطني البرازيلي عام 2018، حيث أُعيد إحياء قطع مفقودة افتراضيًا.

لكن خبراء يحذرون من أن التخزين الرقمي نفسه عرضة للتقادم، ويحتاج إلى بنية تحتية هائلة، ما يطرح سؤالًا فلسفيًا:

هل يمكن لشاشة أن تعوّض رهبة الوقوف أمام أثر حقيقي؟

 معركة استعادة الذاكرة

ما تكشفه تقارير The New York Times وThe Guardian يتجاوز مجرد أرقام أو حقائق علمية… إنه صراع عالمي على من يملك التاريخ ومن يروي قصته.

المتاحف، التي يُفترض أن تكون حارسة للذاكرة الإنسانية، تواجه اليوم اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا:

هل تكتفي بحفظ القطع في الظلام، أم تعيدها إلى الضوء سواء عبر العرض، أو الإتاحة الرقمية، أو حتى الإرجاع إلى موطنها الأصلي؟

في النهاية، يبقى ما نراه داخل القاعات مجرد “قمة جبل الجليد”… بينما تستمر المعركة الحقيقية في الأعماق، حيث قد يختفي التاريخ بصمت قبل أن يكتبه أحد من جديد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق