عادات إيجابية وسلبية في الصعيد

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السبت 18/أبريل/2026 - 11:38 ص 4/18/2026 11:38:33 AM


ظل الصعيد كوال تاريخ مصر رمصدرا للاسرار الغامضة في حياه المصريين، وهو ما داعا كثير من المستشرقين الأجانب الى التوغل فيه خصوصا بعد حكم محمد علي، فلم يعد الصعيد غامضا بما كتبه هؤلاء الجانب عن جواني حياة المصريين في الصعيد. 
يقول البعض أن الصعيد ظل على الحالة التي كان عليها منذ عهود الفراعنة إلى ما يقرب من سبعينات القرن العشرين، فقد شاهدنا الشاددوف الذي ينقل المياه، وما والمحارث الذي تجره الأبقار، وشاهدنا النورج الي يقضم اعواد القمح الهشة ويحولها الى تبن، وشاهدنا الفلاح وهو يجلس مستريحا فوق كرس النورج ومعه فرقلة، ذات أحبار طويلة يضرب بها الأبقار المتكالسلة، وغيرذلك من الألات الفلاس من أهمها الفاس، والفواسة والشرشرة والمحش والمنجل ولوح تسوية الأرض في اعقاب الفيضانات ،وذلك قبل أن تطغى الآلات الحديث بزئيها ودخانه لتلوث جول الصعيد النقي. وشاهدنا طريقة صناة الطوب اللبن على الأرض، كما كان يمارسها الفلاح منذ آلاف السنين، على الزراعة. وشاهدنا الفلاحين هم يرتدون جلباب واحد صيفا وشتان وتحته صديري يضع فيه كل مدخراته، وأكلنا العصيدة المصنوع من الدقيق السمن ومحلاة بالعسل الأسود، واكلنا البتاو الذي ظل يخبرة المصريون منذ آلآف السنين ولم يختفي الا مؤخرا، وإن كان يطل على استحياء من بعض محلات السوبر ماركت بإعتباره سلعة رفاهية غالية، يقبل عليها الأغنياء، ومن يشتاقون الى البتاو.
بعد السعينات انفتح بترول الخليج محدثا ثورة اجتماعية هائلة شملت كل المنطقة، وذهب ابمناء الى الصعيد الى هذا العالم الجاف والحرارة العالية فإشتغلوا وصمدوا وعمروا كل مدن الخليج، بعد ان علمناهم بالمدرسين المصريين، ولكن الخليج لم يحفظ الود كثير وغرس في اذهاب المصريين أفكار عن التدين المعتصب لغير المسلمين فشاهدنا حواث تقع بين المسلمين والأقباط ما كان لا ان تحدث لو لم يسافر هؤلاء الى الخليج.
كما ساهمت تحويلات المصريين العاملين في الخارج في زيادة القدرة الشرائية، مما أدى إلى انتشار "ثقافة الاستهلاك" وتغير نمط المعيشة والمسكن. وساهمت الهجرة في زيادة استقلالية الأسر الصغيرة وانحسار الأسرة الممتدة، وتأثير ذلك على الأدوار التقليدية للنوع الاجتماعي
شهدت منطقة صعيد مصر تحولات اجتماعية جذرية وهيكلية بعد سبعينيات القرن العشرين، مدفوعة بشكل أساسي بسياسات الانفتاح الاقتصادي، موجات الهجرة الخارجية، وانتشار التعليم والتكنولوجيا. هذه التغيرات وتمت أعادة تشكيل بنية المجتمع التقليدي في الجنوب. 
فعلى سبيل المثال انحسار دور النفوذ الاجتماعي والاقتصادي المطلق لكبار الملاك والأعيان التقليديين لصالح جماعات وظيفية جديدة وليدة سياسات الانفتاح الاقتصادي. وتلاشت سطوة العلائلات القوية، وحلت محلها سطوة العائلات الفقيرة كثيرة العدد بعد ان تحسنت أحوالهم، بعد ظهور الكلاشينكوف وأصبحوا يحوزن أسلحة أتوماتيكية مؤثرة، 
وظهرت طبقة من التكنوقراط، المهندسين، والموظفين من أبناء الطبقة الوسطى والذين استفادوا من التوسع في التعليم المجاني، والوظائف الحكومية.
 ولا شك أن القراءة التقليدية للصعيد تتجاهل التغيرات التي شهدتها والبنية الاجتماعية، وفي العلاقات والأوضاع الاجتماعية وحتى هيكل السلطة المحلية لصالح جماعات وليدة سياسات الانفتاح والتحول الاقتصادي، بالمقارنة بين أوضاع الصعيد والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بعض المجتمعات الشبيهة في اوروربا وامريكا.
أعتقد أن هناك تناقضًا كبيرًا بين الصورة التي تقدمها هذه الأدبيات وحقيقة التركيبة الطبقية والفئوية المكونة للمجتمع الصعيدي. إن هناك جماعات في الصعيد لا يعرف عنها كثير من الباحثين ما يكفي، ولا يُسلّط عليها الضوء أو تبالي الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية بدراستها. حيث ينصب التركيز على دراسة المجتمع الصعيدي فقط عبر دراسة المدن والقرى الكبرى من جانب، والاهتمام بدراسة قضايا ومسائل أقرب للكليشيهات منها للمواضيع المهمة حقًا. فعلى سبيل المثال يتم التركيز على دراسات الحضر والريف، والتهميش، وحتى تأثير الثقافة، ولكن لم يدرس الكثير من الباحثين المجتمعات البدائية في الصعيد، أو المهمشين داخل الصعيد ذاته، مسألة الوعي والإدراك الشعبي.
إننا بحكم انتمائنا للصعيد نعلم تمامًا أن هناك أوضاعًا اجتماعية واقتصادية تشعرك بالفعل أحيانًا كثيرة بأننا مازلنا في القرون الوسطى، أو ما يمكن تسميته بالتحديث الكاذب، وأحيانًا أخرى في عصور وسطى حداثية، فالبشر قد يمتلكون أجهزة الكترونية ووسائل إنتاج ومعيشة وترفيه حديثة، ولكنهم في طريقة وأسلوب ومستوى معيشتهم وتفكيرهم وتصرفاتهم ينتمون للعصور الوسطى، وهو أمر يحتاج فيما أتصور لبعض التوضيح. 
بشكل عام، تحول الصعيد بعد السبعينات من مجتمع ريفي مغلق نسبيًا إلى مجتمع أكثر انفتاحًا واستهلاكًا، متأثرًا بعوامل هجرة أفراده وتكنولوجيات الاتصال الحديثة.
مبدئيًا، يجب الاتفاق على أن الصعيد ليس كتلة واحدة كحجر اصم من الصخور المنيعة، ولكنه كيان واحد جغرافيًا، ومتعدد اجتماعيًا واقتصاديًا وحتى ثقافيًا، فبعض القيم والأخلاق السائدة في مناطق غير موجودة بنفس الدرجة في مناطق أخرى، وهو ما يفسر لماذا كانت الأغلبية صامتة وسلبية تجاه بعض الثورات التي حدثت في مصر وغيرت من البنى الاجتماعية.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق