"كرة القدم في الشمس والظل".. كتاب يستكشف بدايات تاريخ الساحرة المستديرة في العالم

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم يكن كاتب أوروجواي  إدواردو غاليانو صاحب كتاب “كرة القدم في الشمس والظل ينظر إلى كرة القدم باعتبارها مجرد لعبة شعبية، بل رأى فيها مرآة كاملة للعالم، تنعكس عليها تناقضات البشر وأحلامهم وخيباتهم. ففي كتابه الأشهر كرة القدم بين الشمس والظل قدّم نصًا استثنائيًا جمع بين التاريخ والأدب والفلسفة، وجعل من المستطيل الأخضر مساحة للتأمل في معنى السلطة والجمال والاستغلال.

غاليانو، صاحب الحس الإنساني العميق، كتب عن اللعبة كما يكتب شاعر عن الحياة، فهو يرى أن كرة القدم تحمل “ألف حكاية وحكاية”، فيها المجد والبؤس، الحب والقسوة، الحرية والخوف، وتكشف في الوقت ذاته كيف أصبحت الرياضة الحديثة خاضعة لهيمنة السوق.

كرة القدم رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب 

في مقدمة كتابه، يصف غاليانو تاريخ كرة القدم بأنه “رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب”، مؤكدًا أن الجمال تراجع كلما تحولت اللعبة إلى صناعة ضخمة، فحين دخل الربح إلى الملعب، جرى استبعاد كل ما لا يُقاس بالمال، حتى متعة اللعب ذاتها، بالنسبة له، أخطر ما أصاب الكرة ليس الاحتراف، بل فقدان البراءة الأولى التي جعلت الطفل يركل الكرة بدافع الفرح فقط.

ورغم نقده القاسي لعالم الاحتراف، لم يفقد غاليانو إيمانه بسحر اللعبة، كان يرى أن هناك دائمًا لاعبين يجعلون الوهم ممكنًا، ويعيدون للكرة معناها الأول، حين يتحول اللاعب إلى راقص يلامس الكرة كما لو كانت بالونًا في الهواء، أو قطة تعبث بكرة من الصوف.

يصف غاليانو حارس المرمى، الشخصية الأكثر وحدة ومأساوية في الملعب، فالحارس، في نظره، هو المذنب دائمًا حتى حين يكون بريئًا، لا يسجل الأهداف بل يقف لمنعها، ويتحمل العقاب حين يرتكب الآخرون الأخطاء، ويترك وحيدًا أمام منفذ ركلة الجزاء، في مواجهة مرمى شاسع وصمت ثقيل، ثم يُطالب بإنقاذ الجميع.

أما الحكم، فيرسمه غاليانو بصورة الطاغية الصغير الذي يدير المباراة بسلطة مطلقة، صفارته أشبه بريح القدر، وبطاقاته ألوان للإدانة: الأصفر للإنذار، والأحمر للنفي، هكذا تتحول المباراة في بعض لحظاتها إلى مسرح للسلطة لا يقل قسوة عن العالم الخارجي.

الصينيون والمصريون أول من عرفوا كرة القدم 

 يستعيد الكتاب تاريخ اللعبة البعيد، يروي غاليانو أن الصينيين كانوا من أوائل من عرفوا الكرة، وأن المصريين القدماء صنعوها من القش وقشور الحبوب الملفوفة بالأقمشة الملونة، بينما استخدم الإغريق والرومان مثانات الحيوانات المنفوخة، وفي أمريكا القديمة ظهرت كرات المطاط القافزة، قبل أن تعرف أوروبا الحديثة الكرة التي نعرفها اليوم.

كما يتوقف عند تطور صناعة الكرة الحديثة، من الجلد الثقيل المرهق في الأمطار إلى الكرة البيضاء الخفيفة المصنوعة من المواد الصناعية، والتي غيرت شكل اللعب وسرعته. لكنه، رغم كل هذا التطور، ظل يسأل السؤال الأهم: هل تقدمت اللعبة تقنيًا وتراجعت إنسانيًا؟

يشير غاليانو الى ان كرة الصينين كانت مصنوعة من ابجلد ومحشوة بالقنب، والمصريون صنعوها في زمن الفراعنه من القش او من قشور الحبوب، ولفوها باقمشة ملونة، وكان الاغريق والرومان يستخدمون مثانة جاموس منفوخة ومخيطة، أما اوربيون العصور وعصر النهضة فكانوا يتنازعون فيما بينهم بين كرة بيضوية مملوءة بشع أعرف الخيول.

وفي أمريكا كانت الكرة المشغولة من المطاط قادرة على أن تطفو متواثبة كما لم تكن أي كرة في أي مكان آخر، ويروي مؤرخو البلاط الملكي الإسباني أن هيرنان كورتيس قذف كرة مكسيكية وجعلها تطير عاليا جدا أما عيني الأمبراور كالوس الزائغتين.

أما عن الكرة المطاطية فيروى غاليانو أنها ولدت في أواسط القرن الماضي، بفضل عبقرية تشارلز غودييـر، وبفضل قرية توسوليني، وبالبوسني وبولو وهم ثلاثة ارجنتينين من كورديا، ولدت بعد زمن طويل من ذلك لعبة الكرة دون لمسها باليد، هم من اخترعوا الإطار الداخلي المزود بصمام، والذي نتفخ بحقنة بالهواء، ومنذ مونديال 1938 صار بالإمكان ضرب الكرة بالراس دون خوف من الأذى الذي كان يسببه الرباط المستخدم سابقا في ربط الكرة.

وحتى منتصف هذا القرن كان لون الكرة بنيا، ثم أصبحت بعد ذلك بيضاء، وفي أيامنا تظهر الكرة في نماذج متغيرة، ولكنها ذات شكل سوداء فوق خلفية بيضاء، وصار قطر خصرها 70 سنتيرا وهي مكسوة بمادة البوليريتن فوق طبقة من البوليتيلين، لا ينفذ إليها الماء وزنها أقل من نصف كيلو، وتنطلق بسرعة أكبرمن الكرة الجليدة القديمة التي كانت تصبح مستحيلة في الأيام الماطرة. 

 يبقى كتاب كرة القدم بين الشمس والظل  واحدًا من أعمق ما كُتب عن كرة القدم، لأنه لم ينشغل بالنتائج والبطولات فقط، بل سأل عن روح اللعبة ومعناها، لقد فهم أن الكرة ليست مجرد تسعين دقيقة، بل حكاية بشرية كاملة، فيها الشمس والظل، الانتصار والانكسار، السوق والحلم. ولذلك بقي صوته حاضرًا كلما تحولت المباريات إلى تجارة، وكلما ظهر لاعب يعيد إلينا دهشة اللعب الأولى. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق