الثلاثاء 14/أبريل/2026 - 01:43 م 4/14/2026 1:43:43 PM
لا يكمن الخوف الحقيقي اليوم في وسائل الإعلام التقليدية التي نعرفها، من الجرائد الورقية أو المواقع الإخبارية؛ سواء تعددت أنواعها أو أختلفت توجهات القائمين عليها فكل تلك المنصات والمؤسسات على اختلافها وتنوعها، تظل محكومة بضوابط مهنية وروابط وطنية واضحة، وهي تدرك تمامًا الخط الفاصل بين ما ينشر وما يحظر، ومايحتاج إلى أراء لخبراء ومتخصصين، كما تخضع لرقابة ومراجعة الجهات المعنية بالدولة التي تضمن عدم المساس بالأمن القومي أو قيم المجتمع.
لكن الخطر الداهم الذي يهدد استقرارنا وأمننا المجتمعي يتمثل في تلك الصفحات الاحترافية على منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت منصات إخبارية، هذه الصفحات التي لا يحركها ضمير مهني أو أخلاقي، بل هدفها الأول والأخير هو جمع المال فقط، وبالنسبة للقائمين عليها لا فرق عندهم بين الحقيقة والخيال؛ فالمهم هو استمالة عاطفة المتصفح، وإجباره على البقاء في الصفحة لأطول فترة ممكنة، وحصد أكبر قدر من الإعجابات والمشاركات.
إنهم يعلمون جيدًا مايتصدر التريند ومايثير الغرائز ومايجعل المواطن يظل متواجد في صفحاتهم، يضربون على الحديد وهو ساخن فور وقوع أي حادثة، وبدلًا من نقل الخبر بصدق، يبدأون رحلة البحث عن الإثارة، صورة من هنا، وجملة مجتزأة من هناك، وقصص لا أساس لها من الصحة لا يعنيهم التحقق، بل يعنيهم "الترند" وفي سبيل ذلك، ينتهكون الخصوصيات، وينهشون في الأعراض، ويشوهون سمعة الآخرين دون رادع، محولين الفضاء الإلكتروني إلى ساحة للتشهير.
والكارثة الأكبر هي تحول الجميع إلى صحفيين وإعلاميين بمجرد امتلاك هاتف وكاميرا، ونتساءل هنا من أعطى هؤلاء الحق في ممارسة دور النيابة العامة؟ نراهم يستبقون التحقيقات الرسمية، يستجوبون أهل الضحية، ويحاورون الجاني، ويحللون الجريمة في "بث مباشر" يشاهده الآلاف، ضاربين عرض الحائط بهيبة القانون وحقوق المتقاضين وقيم المجتمع إن التحقيق والمساءلة حق أصيل وحصري للنيابة العامة، محامي الشعب والحارس الأمين على حقوقه.
إننا اليوم بحاجة إلى وقفة حاسمة، يجب تفعيل القوانين الرادعة ووضع ضوابط صارمة لتلك الصفحات التي تعيش وتتربح وتنمو على الأزمات، يجب أن يدرك الجميع أن الفضاء الإلكتروني ليس غابة مستباحة لهدم القيم من أجل المال، بل هو فضاء مسؤول يخضع للمساءلة، وأن الحساب والعقاب سيكون مصير كل من تسول له نفسه العبث بأمن هذا المجتمع وقيمه.


















0 تعليق