في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها أزمات البحر الأحمر مع توترات الخليج، يبرز السودان كأحد أهم مفاتيح التوازن الجيوسياسية في المنطقة.
وفي ظل ما يُعرف بـ "حرب الكرامة"، التي تخوضها القوات المسلحة السودانية ضد المتمردين، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الصراع، وأبعاده الإقليمية، وحدود التدخلات الخارجية.
في هذا السياق، أجرى محرر "الدستور" حوارًا مع مصلح نصار، مستشار رئيس الوزراء السوداني، الذي قدم قراءة عميقة لتطورات الأوضاع في السودان كاشفا عن محاولات تحويلها إلى منصة صراع إقليمي، مؤكدًا أن تماسك الجيش والشعب أفشل هذه السيناريوهات.
بدايةً.. شهر أبريل يحمل دلالات مهمة في تاريخ السودان، حدثنا عنها
بالفعل، أبريل له ذكريات عديدة بالنسبة لجمهورية السودان، لكنه اليوم يأتي متوازيًا مع توترات غير مسبوقة في منطقة البحر الأحمر والشرق الأوسط والخليج، بل وحتى الشرق الأقصى.
وهذه التوترات ألقت بظلالها على ما نُسميه "حرب الكرامة" في السودان، والتي تقترب من نهايتها مع تحقيق القوات المسلحة لمزيد من الانتصارات.
هل يمكن القول إن ما حدث في السودان كسر مخططًا إقليميًا أكبر؟
بالتأكيد.. ففي عام 2016 كشفت عن قراءة حول الصراع في الشرق الأوسط قد يبدأ من سواحل البحر الأحمر، إلا أن حرب 15 أبريل 2023 كانت فاصلة، وكَسرت هذا المخطط.
كان من الممكن أن تُستخدم السودان كمنصة لاستهداف دول الخليج، لكن قوة وعزيمة وإصرار الشعب السوداني وقواته المسلحة أحبطت ذلك.
ما طبيعة هذه المخططات التي تشير إليها؟
كانت هناك خطط لإنشاء مشاريع ضخمة وقواعد عسكرية في شمال السودان، تمتد من أبو حمد إلى أبو عمامة، بالقرب من الحدود المصرية. هذه المنطقة كانت مرشحة لتكون قاعدة عسكرية كبرى، وربما نقطة انطلاق لتهديدات ضد دول مثل إيران. لكن هذا المخطط تم إفشاله بفضل تماسك الجيش والتفاف الشعب.
هل كان الهدف تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي؟
نعم، هذا كان أحد السيناريوهات المحتملة إذا تم ابتلاع الدولة السودانية. لكن بوجود القوات المسلحة السودانية، التي نرفع لها القبعة، لن يكون السودان مصدر تهديد لأي دولة. هذه القوات أنقذت السودان من مخططات دولية كبيرة، وما يحدث هو في جوهره حرب وكلاء.
كيف تصفون طبيعة هذه الحرب؟
هي حرب وكلاء بامتياز. هناك قوى إقليمية تشرف وتدير من خلف الستار، وتستخدم أدوات داخلية لتحقيق أهدافها. لكن السودان لن يُؤتى، ولدينا جيران مثل مصر وإريتريا، ولن يضعف السودان بإذن الله.
ماذا عن دور ميليشيا الدعم السريع في هذا المشهد؟
هذه الميليشيا بدأت كجزء من منظومة الدولة في عام 2013، لكنها مع تمرد أبريل 2023 بدأت في استقطاب مرتزقة. في البداية كان هناك استقطاب من أوروبا، مثل الكولومبيين وغيرهم، ثم تحول الأمر إلى أفريقيا، ما يعكس تحولًا في نمط الدعم الخارجي.
ما تفسيركم لهذا الدعم الخارجي؟
السودان بلد غني بالموارد، وبالتالي هو محل أطماع. هناك دول تقف خلف هذه الميليشيا بهدف إضعاف السودان، وربما إنهاء دور بعض المكونات العربية في القرن الأفريقي. كما أن شبكات الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر فتحت قنوات اتصال خطيرة.
من هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب؟
بلا شك، الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر. لكن في الوقت ذاته، هناك أطراف دولية تستفيد من استمرار الحرب. ورغم ذلك، نحن نؤمن أن الشعوب عندما تلتف حول قيادتها، فإن النصر يكون حتميًا.
كيف تقيمون موقف المجتمع الدولي، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات؟
للأسف، هناك تناقضات واضحة. المجتمع الدولي يتحدث عن العدالة، لكنه يطبقها بشكل انتقائي. العقوبات المفروضة ليست جادة، بل فقدت مصداقيتها، لأن بعض المعاقبين يتحركون بحرية في دول كبرى.
هل تطالبون بمراجعة هذه السياسات؟
نعم، نطالب المجتمع الدولي بمراجعة نفسه. هناك شعوب خرجت تطالب بتصنيف هذه الميليشيا كمنظمة إرهابية، لكن لا توجد استجابة حقيقية. نحن نرى أن هذه العقوبات أصبحت مجرد أدوات إعلامية.
هل تعتقد أن العقوبات تُستخدم كوسيلة للتهدئة فقط؟
بالتأكيد، هي في كثير من الأحيان "تهدئة إعلامية". كيف يُعقل أن يُفرض على شخص عقوبة، ثم نجده بعد أيام في نيويورك؟ هذا يضعف مصداقية المنظومة الدولية بالكامل.
ماذا عن الحرب الإعلامية؟
بعد الفشل العسكري، لجأت الأطراف المعادية إلى إنشاء أكثر من 5 آلاف منصة إعلامية لتأجيج الصراع القبلي داخل السودان. هذه محاولة خطيرة، ونحذر منها. على المواطنين أن يكونوا أكثر وعيًا.
هناك حديث عن تورط عدد كبير من الدول في الحرب.. ما تعليقكم؟
نعم، هناك ما بين 16 إلى 17 دولة شاركت بشكل غير مباشر. وحرصنا على عدم التصعيد، لكن بعد ظهور الأدلة، أصبح من الضروري الحديث. بعض دول الجوار مثل إثيوبيا وتشاد وأوغندا وجنوب السودان ذُكرت بالاسم، وننتظر منها توضيحًا رسميًا.













0 تعليق