في كتاب «صوت الحضارة الخفي»، تفتح الكاتبتان هويدا صالح وصفاء عبد المنعم أفقًا مختلفًا لقراءة الأدب المصري القديم، حيث لا ينظر إليه بوصفه نصوصًا جامدة، بل باعتباره منظومة حية تتقاطع فيها الفنون مع الفلسفة والكون، ومن بين هذه الرؤى، تبرز الموسيقى كأحد أهم المفاتيح لفهم روح الحضارة المصرية، إذ لم تكن مجرد وسيلة للتعبير الجمالي، بل لغة رمزية عميقة تربط الإنسان بالسماء، والإيقاع بحركة الكون.
تنطلق الكاتبتان من فكرة جوهرية مفادها أن الموسيقى في مصر القديمة كانت تعبيرًا عن نظام كوني متكامل.
الموسيقى في مصر القديمة
من مصر إلى اليونان: تشكل الهارمونية الكونية:
إذا كانت الموسيقى في مصر القديمة قد ارتبطت بالطقس والدين والفلك، فإنها مثلت جسرًا حضاريًا مهد لانتقال مفهوم الانسجام الكوني إلى الفلسفة اليونانية، لقد لعبت مصر دورًا تأسيسيًا في تشكيل المخيلة الفلسفية الإغريقية، حيث أشار هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد إلى أن المصريين (أقدم الشعوب التي مارست الفنون، ومنها الموسيقى)، وأن اليونانيين تعلموا عنهم الكثير.
شهادات المؤرخين عن مصر كمنبع للفنون:
تتفق شهادات مؤرخين وفلاسفة على أن الإغريق تأثروا بالحضارة المصرية في علوم الدين والفلك والموسيقى، فسقراط في خطبه التعليمية أشار إلى أن مصر كانت ((المدرسة الكبرى للحكمة))، حيث قصدها فلاسفة كفيثاغورس وأفلاطون طلبًا للمعرفة، هذا الحضور المصري في الذاكرة الإغريقية يوضح أن الانتقال لم يكن عرضيًا، بل جزءً من حركة تبادل ثقافي مستمرة.
فيثاغورس ومفهوم «موسيقى الأفلاك»:
يعد فيثاغورس (القرن السادس ق.م)، نقطة التحول الفلسفية لفكرة الموسيقى الكونية، فقد وضع تصوره للكون باعتباره نظامًا عدديًا تحكمه النِسَب، وربط بين أطوال الأوتار الموسيقية والتوافقات الرياضية، وهو ما أدى إلى صياغة مفهوم ((الهارمونية الكونية) أو (موسيقى الأفلاك)).
إلا أن فيثاغورس نفسه، وفق شهادات متفرقة، قد زار مصر وتلقى علومه من كهنتها، حيث كان المصريون يربطون بين أصوات السلم الخماسي وحركة الكواكب، وهي الفكرة التي بلوزها فيثاغورس ضمن نسق فلسفي رياضي.
أفلاطون ومحاورة «طيماوس»:
انتقل المفهوم الفيثاغوري إلى أفلاطون، الذي صاغ في (طيماوس)" رؤية كونية ترى أن النفس الإنسانية والكون صيغًا على الإيقاع نفسه، فالانسجام الموسيقي ليس مجرد جمالية حسية، بل انعكاس لبنية الوجود ذاته، وقد ربط أفلاطون بين انسجام الدولة وانسجام النفس على نحو يوازي انسجام الألحان في السلم الموسيقي.
وبهذا تحولت الموسيقى من ممارسة طقسية رمزية كما في مصر القديمة الي نسق فلسفي شامل يفسر الوجود.















0 تعليق