في مشهد طقسي مهيب، تعيش الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في العاشرة من مساء اليوم وحتى صباح السبت واحدة من أبرز لحظات التحول الروحي خلال «ليلة أبو غلمسيس» أو ليلة سبت النور.
ويتم رفع الستائر السوداء التي سادت أرجاء الكنائس منذ مساء احد الشعانين وحتى الجمعة العظيمة، واستبدالها بستائر بيضاء، في دلالة رمزية عميقة تعكس الانتقال من الحزن إلى الفرح، ومن آلام الصليب إلى مجد القيامة.
ليلة أبو غلمسيس.. أصل التسمية والدلالة
تُعرف هذه الليلة في التراث القبطي باسم «أبو غلمسيس»، وهي كلمة قبطية تشير إلى «الرؤى» أو «الإعلانات»، في إشارة إلى قراءات سفر الرؤيا التي تتخلل صلوات هذه الليلة. وتمثل هذه المناسبة محطة فاصلة بين زمن الحزن الذي عاشته الكنيسة في الجمعة العظيمة، وبداية الاستعداد للاحتفال بقيامة السيد المسيح.
الستائر السوداء.. حضور الحزن حتى اللحظة الأخيرة
ظلت الكنائس منذ مساء احد الشعانين وحتى يوم الجمعة العظيمة متشحة بالستائر السوداء، التي تغطي الهياكل وأيقونات الكنيسة، تعبيرًا عن الحداد على صلب المسيح. واستمرت هذه الأجواء حتى بداية صلوات ليلة أبو غلمسيس، حيث تسود نغمات البصخة الحزينة والقراءات التي تستعرض أحداث الآلام.
ويمثل اللون الأسود في هذا السياق حالة الحزن العميق والمشاركة الوجدانية من المؤمنين في ذكرى الصلب، وهو ما يجعل لحظة تغييره ذات وقع خاص في وجدان الأقباط.
لحظة التحول.. رفع الأسود وارتداء الأبيض
خلال صلوات ليلة أبو غلمسيس، ومع الاقتراب من إعلان القيامة، تبدأ الكنيسة في رفع الستائر السوداء واستبدالها بالستائر البيضاء، في مشهد رمزي يعكس التحول الجذري من الحزن إلى الفرح.
ويُعد اللون الأبيض رمزًا للنقاء والنور والانتصار، حيث تعبّر هذه الخطوة عن القيامة المجيدة، وبداية زمن جديد من الفرح بعد فترة طويلة من الصوم والصلوات.
دلالات لاهوتية وروحية عميقة
يحمل هذا الطقس معاني روحية كبيرة، إذ يُجسد جوهر الإيمان المسيحي القائم على أن الألم يقود إلى المجد، وأن الموت ليس النهاية بل بداية لحياة جديدة. كما يُترجم التحول البصري داخل الكنيسة رسالة إيمانية تؤكد أن النور ينتصر على الظلمة.
الاستعداد لإعلان القيامة
مع اكتمال تغيير الستائر إلى اللون الأبيض، تتزين الكنائس بالأنوار، وتبدأ الاستعدادات لإقامة قداس عيد القيامة، الذي يُعد ذروة الاحتفال في الكنيسة القبطية، حيث يُعلن «المسيح قام» وسط أجواء مبهجة يشارك فيها آلاف الأقباط.
يأتي سبت النور، أو ما يُعرف بـ«سبت الفرح»، كأحد أبرز أيام أسبوع الآلام في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث يقف بين حزن الجمعة العظيمة وفرح عيد القيامة، حاملًا معاني عميقة من الرجاء والانتصار على الموت، في انتظار إعلان قيامة السيد المسيح.
لماذا سُمّي بسبت النور؟
يرتبط الاسم بحدث «النور المقدس» الذي يُقال إنه يخرج من قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة بالقدس، في تقليد قديم يعود إلى القرون الأولى للمسيحية. ويُعد هذا الحدث رمزًا للنور الإلهي الذي أضاء العالم بعد ظلمة الصلب، ويجذب أنظار المسيحيين من مختلف أنحاء العالم.
طقوس الكنيسة في سبت النور
تبدأ الكنائس صلواتها منذ الصباح الباكر، حيث تُقام صلوات إلى جانب قراءات نبوية تُعرف بـ«سفر الرؤيا» أو «سفر الرؤى»، والتي تحمل إشارات إلى الخلاص والانتصار.
كما تشهد الصلوات طابعًا انتقاليًا، إذ تبدأ الكنيسة تدريجيًا في التحول من الألحان الحزينة إلى نغمات أكثر بهجة، تمهيدًا لليلة العيد.
قداس عيد القيامة.. إعلان القيامة
في مساء السبت، تبدأ الكنيسة إقامة قداس عيد القيامة، الذي يُعد ذروة الاحتفال، حيث يُعلن الكاهن «المسيح قام»، وسط أجواء مبهجة، وتُضاء الكنائس بالكامل، وتُقرع الأجراس، في مشهد يعكس الفرح العام بين الأقباط.
ويُعد هذا القداس تتويجًا لأسبوع الآلام، الذي شهد صلوات وصومًا انقطاعيًا، ليأتي العيد حاملًا بشرى الحياة الجديدة.

















0 تعليق