قد يدفع ارتباك اللحظة للتخبط.. للتشوش.. لخلط الشك باليقين، ولكننا فى وسط هذا لا ينبغى أن نفقد البوصلة ونترك أنفسنا للتيه وفساد التفسير، والتفكير.. ولا ينبغى أيضًا أن يدفعنا الخوف والغضب للكذب أو التدليس وقلب الحقائق ثم التطاول وخلق الفتنة.
ما يمر به الأشقاء فى الخليج هو أصعب ما تمر به الشعوب، الحرب وأجواؤها المرعبة، أجواء يملؤها الخوف والشعور بالخطر وضبابية المستقبل، لكن هل يتخيل عاقل أن الشعب المصرى الذى ذاق مرارة الحروب وقسوتها هو شعب شامت ولا يشعر بهم؟!
المصريون شعب أصيل، الجدعنة والشهامة فى جيناته، القوة واللين فى صفاته، المصرى لا يغدر أبدًا ويقدر الخير واليد الممدودة له وقت الأزمات والشدائد، حتى لو خيره سابق.. ما حدث ببساطة أن المصريين بطيبتهم المعهودة، وبمبادئهم التى لا تتجزأ، يعرفون عدوهم ولا ينسون أذيته ولا يتغاضون عن طمعه فى أرضهم، حتى لو هناك ألف معاهدة سلام، لا أحد يرى فى إسرائيل غير العدو المحتل المغتصب، الصهيونى الخبيث الذى لا يغمض عينه عن مصر، بل يعتبرها الجائزة الكبرى وهدفه الأبدى، وبالتالى لم ولن ومن المستحيلات أن يقف معه فى صف واحد، بل يرى المصريون أن كل من يصيب العدو الإسرائيلى فى مقتل فهو بطل.. سواء كان فلسطينيًا أو إيرانيًا أو هنديًا، وعندما حدث ذلك وفرح المصريون فى إسرائيل غضب الأشقاء لأنهم يتلقون فى نفس الحرب ضربات من إيران، التى تضرب إسرائيل والقواعد الأمريكية فى المنطقة، فذهب الظن أن الشعب المصرى يشمت فيهم.. كما أن هناك من الأشقاء من يتطاول على مصر لأنها لم تدخل الحرب وتدافع عنهم.
وهنا الرد أن الدولة المصرية لم تتأخر أو تتقاعس عن الدفاع عن الخليج والأردن والعراق، ولكن الأمر أن هذه الدول التى تتلقى الضربات لم تعلن الحرب على إيران فهى تصد الهجمات فقط، والأمر الثانى أن المعروف لدى العالم أجمع ودول الخليج ذاتها أن إيران تضرب القواعد الأمريكية وتستهدف الوجود الأمريكى فى الخليج ولم تحارب دول الخليج أو تقصدها هى، وبالتالى إذا دخلت مصر الحرب فإنها هنا ستحارب فى نفس الخندق مع إسرائيل وأمريكا وستكون الحرب بينها وبين إيران.
يبدو أنه من هنا حدث اللبس وسوء الفهم والتقدير، لأن الشعب المصرى المعروف بإنسانيته ونبله، الذى يفتح قلوبه وبيوته لأى شعب يلجأ إليه، ومصر التى لم تخذل أحدًا.. لا يمكن بأى شكل من الأشكال ألا يكون متضامنًا مع أهلنا فى الخليج الذى يربطنا معهم الدم والتاريخ والجغرافيا، وتجمعنا بهم اللغة والأديان.
ربما هناك قلة تظل قليلة مهما كثر عددها، ولكنها لا تمثل ١٢٠ مليون مصرى قد ضلت طريقها، سواء عن عمد أو من غير عمد، وهو أمر غير مقبول أيًا كانت مبرراته، أمن الخليج من أمن مصر، والأمن القومى لا يمكن التفريط فيه تحت أى مسمى، كما أن تحليل البيانات على منصات السوشيال ميديا أثبت أن بعض الحسابات هى فى الأصل إخوانية وإسرائيلية، تشعل الخلاف وتعمق التطاول وتبادل الإهانات.
المشكلة هى الانجرار لهذا التطاول المتبادل والمناخ المسموم، والذى يخلق الفتنة التى- وعلى مدار التاريخ- أحرقت أوطانًا ودمرت أممًا وإمبراطوريات، والفتنة هى الأرض الخصبة لأعدائنا لتحقيق أهدافهم.
على العقلاء وأد الفتنة وتغليب لغة المحبة والاحترام بين شعوب قوية ولكن إضعافها هدف، وإذا لم تضعف من الحروب ستُهزم من الفتنة، الفتنة أشد من الحرب.













0 تعليق