يقدم الكاتب محمد السيد غنيم، في كتابه «أعيان دولة التلاوة» قراءة ثرية ومتكاملة للشيخ محمد سلامة، أحد أبرز أعلام التلاوة في مصر.
في سجل دولة تلاوة القرآن الكريم بمصر، تبرز أسماء كأنها النجوم الزاهرة، نقشت بحروف من نور في ذاكرة الأمة، ومن بين هؤلاء العمالقة، الشيخ محمد سلامة أحد أبرز أعمدة العصر الذهبي لتلاوة القرآن الكريم في مصر، وشخصية محورية تركت بصمة لا تُمحى في سجل دولة التلاوة، لقبه الدكتور علي جمعة بأنه « بطل القراء» وهو خير تعبير عن مكانته الفريدة وقوة تأثيره، فمن خلال تتبع رحلته تتكشف لنا قصة رجل شكل صوته ومبادئه جيلًا من القراء، وساعد في ترسيخ أسس مدرسة التلاوة المصرية الحديثة التي قامت على الوقار والقوة.
في مدينة مسطرد بمحافظة القليوبية، وُلد الشيخ محمد سلامة عام 1899، تشرب حب القرآن الكريم وتمكن من حفظه كاملًا في سن مبكرة، ثم التحق بالجامع الأزهر الشريف ليتعمَّق في علوم القرآن واللغة، مما أرسى لديه أساسًا روحيًّا وعلميًّا متينًا، وقد توَّج هذا المسار بتلمذته على يد واحد من كبار قراء عصره، وهو الشيخ محمد الصيفي، الذي لم يكن مجرد أستاذ له، بل رأى فيه امتدادًا لمسيرته، فكان يثق به لدرجة أنه كان يرسله للقراءة نيابةً عنه في المحافل المهمة مما منحه ثقلًا وخبرة مبكرة.
لم تكن مسيرة الشيخ محمد سلامة مع التلاوة منفصلة عن الأحداث الكبرى التي عصفت بمصر والمنطقة العربية في مطلع القرن العشرين، فقد شارك في ثورة 1919 في ريعان شبابه ضد الاحتلال البريطاني، وكان يتحدث عن هذا الدور بفخر واعتزاز كبيرين، ثم سافر الشيخ سلامة إلى فلسطين ومكث بها لسنوات طويلة قبل أن يعود إلى مصر في ثلاثينيات القرن العشرين، وكانت فلسطين في ذلك الوقت «قبلة لقراء القرآن الكريم»، هذه التجربة في عصر ما قبل الإذاعة، كانت حاسمة في ترسيخ شهرته بين جمهور السميعة في أنحاء العالم العربي، ومنحته مكانة مرموقة مستقلة عن الساحة المصرية قبل بزوغ نجم وسائل الإعلام الجماهيرية.
مع افتتاح الإذاعة المصرية عام 1934، وجد الشيخ محمد سلامة نفسه في مواجهة موقف مبدئي شكَّل مفارقة كبيرة في مسيرته، ففي الوقت الذي سارع فيه أقرانه من القراء الكبار إلى تسجيل تلاواتهم وتحقيق شهرة وثروة واسعة، اتخذ الشيخ موقفًا صارمًا انطلاقًا من قناعة دينية راسخة، فقد رفض بشكل قاطع عرض المسئولين بتسجيل تلاواته، لاعتقاده آنذاك بحرمة الأمر وعدم جواز إذاعة القرآن على الراديو، ولم يكن هذا الموقف مقتصرًا على الإذاعة المصرية، بل امتد ليرفض عرضًا مماثلًا من إذاعة فلسطين، وظل على موقفه حتى عام 1948.
لم يكن قراره بالانضمام للإذاعة مجرد تغيير شخصي في قناعته، بل كان انعكاسًا لتحول فقهي وثقافي أوسع في المجتمع المصري والأزهري حول دور التكنولوجيا الحديثة في نشر الدين، فبعد صدور فتاوى تجيز الأمر بهدف إيصال القرآن الكريم إلى كل الناس، تراجع الشيخ سلامة عن فكرته، وبدأ منذ ذلك العام مسيرة حافلة من التسجيلات الإذاعية استمرت حتى وفاته، فاتحًا الباب أمام صوته ليصل إلى الملايين.
شارك الشيخ محمد سلامة في مؤتمر قراء القرآن الكريم عام 1937، والذي كان من أهم نتائجه تأسيس «رابطة القراء»، وجعل من منزله منارة علم، حيث تتلمذ على يديه الشيخ كامل يوسف البهتيمي والشيخ محمد صديق المنشاوي الذي تأثر بأسلوبه في التلاوة، وقد عاش كلاهما ودرس في منزله لفترة، فنهلا من علمه وأسلوبه، وقد تجلَّت مدرسته الفريدة في خصائص أدائية متكاملة عكست شخصيته الصارمة؛ فصوته يشبه صافرة القطار في قوته، وكان يرى أن تلاوة القرآن ليست مجرد صوت جميل قد يحول التلاوة إلى طرب يصرف عن جلال المعنى.
وعاش الشيخ محمد سلامة حياته في خدمة القرآن الكريم، وترك بصمة لا يمكن محوها سجل اسمه ضمن عمالقة دولة التلاوة وكان صوته تعبيرًا عن شخصيته، قويًّا، وقورًا، حتى توفي الشيخ سلامة في عام 1982، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، تاركًا خلفه تراثًا ضخمًا من التسجيلات القرآنية.














0 تعليق