خارج حسابات الهدنة.. مفاوضات باكستان وتحدي الجبهات المشتعلة في لبنان وإسرائيل

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

​دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الترقب والحذر بعد الإعلان عن التوصل إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران نتيجة جهود دبلوماسية مكثفة عرفت باسم مفاوضات باكستان التي قادتها إسلام آباد لتقريب وجهات النظر المتباعدة بشدة بين الطرفين في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق هدد باندلاع نزاع إقليمي شامل لا يمكن التنبؤ بنتائجه الكارثية على استقرار الشرق الأوسط والعالم أجمع في المرحلة الراهنة.

​ووفقاً لما ورد في تقرير مفصل لصحيفة اندبندنت عربية، فإن هذه الهدنة جاءت بعد حرب استمرت لأكثر من شهر، حيث تقدمت طهران بمقترح يتألف من عشرة بنود عبر الوسيط الباكستاني، وهو المقترح الذي نال قبولاً أولياً في البيت الأبيض، واعتبره الرئيس الأميركي دونالد ترمب أساساً عملياً للانطلاق نحو مفاوضات أعمق، رغم تهديداته السابقة العنيفة التي لوح فيها بمحو معالم الحضارة الفارسية من الوجود.

​وصف الرئيس ترمب هذا الاتفاق الأولي بأنه يمثل نصراً كاملاً وشاملاً للسياسة الخارجية الأميركية، لكنه فضل الصمت تجاه التساؤلات المتعلقة بتنفيذ تهديداته السابقة بتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية في حال تراجعت طهران عن التزاماتها، مكتفياً بعبارة سنرى التي تترك الباب مفتوحاً أمام كافة الاحتمالات، بينما ذهب نائبه جيه دي فانس لوصف ما جرى بأنه مجرد هدنة هشة للغاية.

​أثارت الفوارق الجوهرية بين النسختين الفارسية والإنجليزية للمقترح الإيراني موجة من الشكوك لدى الدوائر السياسية في واشنطن، حيث تضمنت النسخة الموجهة للداخل الإيراني بنداً صريحاً ينص على اعتراف دولي بحق طهران في تخصيب اليورانيوم، بينما غاب هذا البند تماماً عن النسخة الإنجليزية التي وزعها الدبلوماسيون الإيرانيون على وسائل الإعلام العالمية، مما دفع فانس لاتهام الجانب الإيراني بالكذب بشأن الحقائق المتفق عليها.

​وتتضمن الرؤية الإيرانية ضمن مفاوضات باكستان شروطاً كانت واشنطن قد رفضتها قاطعاً في وقت سابق، وعلى رأسها إصرار طهران على ممارسة سيادة كاملة على مضيق هرمز، بما يشمل فرض رسوم عبور على السفن التجارية، وتخصيص تلك المبالغ كتعويضات عن الأضرار الهائلة التي لحقت بالبنية التحتية الإيرانية جراء العمليات العسكرية الأخيرة، وهو ما يمثل نقطة خلاف جوهرية قد تعصف بكافة الجهود الدبلوماسية.

​صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن المرور الآمن عبر المضيق سيكون مكفولاً للجميع، لكنه شدد على ضرورة أن يظل تحت الإدارة العسكرية الإيرانية المباشرة، ولم يتضح حتى الآن ما إذا كان هذا الموقف يمثل مرونة إيرانية أم محاولة لفرض واقع جديد على حركة التجارة العالمية، خاصة وأن السيطرة الإيرانية الكاملة على هذا الممر المائي الحيوي تثير قلقاً دولياً واسعاً.

عشر نقاط إيرانية في مواجهة المطالب الأميركية

​تشمل المطالب الإيرانية العشرة التزامات أميركية صارمة بضمان عدم الاعتداء مستقبلاً، ورفع كافة العقوبات الأولية والثانوية المفروضة على الكيانات والأفراد، بالإضافة إلى إنهاء جميع القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تستهدف البرنامج النووي، مع ضرورة دفع تعويضات مالية ضخمة عن خسائر الحرب وانسحاب القوات الأميركية القتالية من المنطقة بشكل كامل ونهائي وشامل.

​وتصر طهران أيضاً على أن تشمل الهدنة وقف إطلاق النار على كافة الجبهات المشتعلة، بما في ذلك الصراع المحتدم بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وهو شرط تراه إيران ضرورياً لضمان استدامة أي اتفاق، بينما يرى مراقبون أن هذه المطالب المتشددة قد لا تجد طريقاً للتنفيذ في ظل موازين القوى الحالية والرغبة الأميركية في تحجيم النفوذ الإيراني الإقليمي بشكل جذري ودائم.

​في المقابل، لم يتخلَّ الجانب الأميركي عن مقترحه الخاص المكون من خمس عشرة نقطة، والذي كان قد طُرح في مارس الماضي وقوبل برفض إيراني قاطع، حيث وصفته طهران حينها بأنه مفرط وغير واقعي، ومع ذلك أكد عراقجي أن بلاده تدرس هذا المقترح الأميركي حالياً بالتوازي مع قبول واشنطن للإطار العام للمقترح الإيراني كقاعدة أساسية لبدء جولات التفاوض المقبلة.

​تتمحور المطالب الأميركية حول ضرورة إزالة السبب الرئيس للنزاع، وهو منع طهران من امتلاك أسلحة نووية، عبر تفكيك كامل للبرنامج النووي وتسليم مخزون اليورانيوم المخصب للوكالة الدولية، بالإضافة إلى تقييد برنامج الصواريخ الباليستية ووقف تمويل الأذرع العسكرية في المنطقة مثل حزب الله والحوثيين وحماس، وضمان فتح مضيق هرمز دون أي شروط مسبقة أو قيود عسكرية أو مالية.

​تبرز الفجوة الواسعة بين الطرفين في جوهر الأهداف، فبينما تسعى واشنطن عبر مفاوضات باكستان إلى إعادة تشكيل السلوك الإيراني وتقييد قدراتها العسكرية والنووية، تركز طهران على إنهاء الحرب ورفع العقوبات الاقتصادية الخانقة مع تثبيت دورها كقوة إقليمية مهيمنة، وهذا التباين الصارخ يضع الهدنة المقررة لمدة أسبوعين أمام اختبار حقيقي وصعب قد ينتهي بالعودة إلى مربع المواجهة العسكرية المباشرة.

​يرى الخبراء والمراقبون الدوليون أنه من المستبعد جداً أن توافق الإدارة الأميركية على قائمة المطالب الإيرانية بصيغتها الحالية، لأنها تتضمن شروطاً قصوى تتناقض بشكل جوهري مع المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، ومع ذلك فإن مجرد قبول هذه النقاط كأساس للمحادثات يعكس رغبة الطرفين في تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة ومدمرة لا يربح فيها أحد.

تصريحات ترمب وضبابية الموقف الميداني

​نقلت تقارير صحافية عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن النقاط التي تروج لها إيران لا تتطابق تماماً مع ما يشير إليه الرئيس ترمب في تصريحاته، مما يعزز فرضية وجود سوء فهم أو تعمد في تضليل الرأي العام حول ماهية الالتزامات المتبادلة، خاصة وأن المقترح الأميركي لم ينشر بشكل رسمي للعلن حتى الآن، رغم تسريب بعض بنوده المتعلقة بالتجارة البحرية والصواريخ.

​بذل الوسطاء الدوليون جهوداً مضنية في جولات سابقة للضغط من أجل تقييد مدى الصواريخ الإيرانية ووقف أنشطة التخصيب، ويبدو أن ترمب يراهن على تحقيق هذه الأهداف الآن، حيث أشار عبر منصاته في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن الكثير من النقاط الخمس عشرة قد جرى الاتفاق عليها بالفعل، مؤكداً إصراره المطلق على منع طهران من امتلاك أي قدرات لتخصيب اليورانيوم.

​أضاف ترمب في منشور مثير للجدل أن الولايات المتحدة ستعمل وثيقاً مع إيران التي شهدت ما وصفه بتغيير نظام مثمر للغاية، موضحاً أن التعاون سيشمل استخراج وإزالة كل الغبار النووي المدفون في أعماق الأرض، ومشيراً إلى أن المواقع النووية الحساسة تخضع لمراقبة دقيقة بالأقمار الاصطناعية، مع استمرار المحادثات حول تخفيف العقوبات والرسوم الجمركية في حال الالتزام الكامل بالشروط.

​تأتي هذه التصريحات المتفائلة من جانب ترمب في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية عليه لإنهاء النزاع، إلا أن حديثه عن تغيير النظام أثار تساؤلات حول طبيعة التحولات السياسية التي يقصدها، وهل هي تفاهمات سرية أم مجرد مناورة سياسية لفرض شروط قاسية على طاولة مفاوضات باكستان التي تعد الفرصة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من أتون الحرب المستعرة منذ أسابيع.

​ورغم الأجواء التفاؤلية التي حاولت بعض وسائل الإعلام الإيرانية والباكستانية إشاعتها حول شمول الهدنة لكافة الجبهات، إلا أن الواقع الميداني لا يزال معقداً، حيث سارعت الحكومة الإسرائيلية لنفي أي علاقة لها باتفاق وقف إطلاق النار فيما يخص الجبهة اللبنانية، مؤكدة أن عملياتها العسكرية وضرباتها الجوية ضد مواقع حزب الله مستمرة ولن تتوقف بناءً على تفاهمات واشنطن وطهران.

​أكد الرئيس الأميركي في لقاء تلفزيوني لاحق صحة الموقف الإسرائيلي، مشيراً إلى أن التهدئة الحالية تخص المسار المباشر بين الولايات المتحدة وإيران فقط، مما يضع حزب الله والحكومة اللبنانية في موقف صعب، ويزيد من تعقيدات المشهد الإقليمي، حيث ترفض إيران فصل المسارات بينما تصر واشنطن وتل أبيب على استمرار الضغط العسكري في لبنان لضمان أمن الحدود الشمالية.

مستقبل المفاوضات في ظل الشروط المتبادلة

​يبقى التساؤل الأهم حول مدى قدرة الوسطاء في مفاوضات باكستان على جسر الهوة بين مطالب إيران بالاعتراف ببرنامجها النووي ودورها الإقليمي، وبين الإصرار الأميركي على التفكيك الكامل والرقابة الصارمة، خاصة وأن الهدنة الحالية لا تتجاوز مدتها أربعة عشر يوماً، وهي فترة زمنية قصيرة جداً لحسم ملفات شائكة ومعقدة تراكمت عبر عقود من العداء والصراع المكتوم والعلني.

​إن إصرار إيران على الحصول على تعويضات مالية ورفع كامل للعقوبات قبل البدء في خطوات عملية لتفكيك برنامجها يمثل معضلة قانونية وسياسية للإدارة الأميركية، التي تواجه معارضة شديدة من الكونغرس ومن حلفائها الإقليميين الذين يخشون من أن يؤدي أي اتفاق غير حصين إلى تقوية شوكة النظام الإيراني ومنحه موارد مالية ضخمة تمكنه من استعادة نفوذه الذي تضرر بفعل الحرب.

​على الجانب الآخر، فإن مطالب واشنطن بتقييد الصواريخ الباليستية ووقف دعم الأذرع الإقليمية تمس جوهر العقيدة الأمنية الإيرانية التي تعتبر هذه الأدوات وسائل دفاعية وهجومية حيوية لضمان بقائها، وبالتالي فإن التنازل عنها دون ضمانات أمنية كبرى وموثوقة يبدو أمراً شبه مستحيل في المنظور السياسي الإيراني الحالي، مما يجعل احتمالات الفشل تفوق احتمالات النجاح في هذه المرحلة.

​ومع اقتراب نهاية الأسبوع الأول من الهدنة، تتجه الأنظار نحو العواصم المعنية لمعرفة ما إذا كانت هناك جولات جديدة من المباحثات السرية ستعقد لتعديل المقترحات المطروحة، أم أن التصعيد الكلامي والميداني سيعود ليتصدر المشهد، خاصة وأن أي خرق بسيط للهدنة على أي جبهة قد يؤدي إلى انهيار كامل لاتفاق مفاوضات باكستان وعودة المدافع للحديث مجدداً.

​إن المشهد السياسي الحالي يشير إلى أن الطرفين يحاولان كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض عبر المناورات الدبلوماسية، لكن الضغوط الاقتصادية على إيران والضغوط السياسية على ترمب قد تدفعهما في نهاية المطاف نحو حل وسط مر، ينهي حالة الحرب المفتوحة دون أن يحسم الخلافات الجوهرية، مما يجعل الاستقرار في المنطقة رهناً بتوازنات دقيقة وقلقة للغاية في المستقبل القريب.

​ختاماً، تظل مفاوضات باكستان نقطة تحول جوهرية في مسار الصراع الأميركي الإيراني، فإما أن تكون جسراً نحو سلام دائم وشامل يغير وجه الشرق الأوسط، أو تكون مجرد استراحة محارب قصيرة تتبعها عواصف أكثر تدميراً، وفي كلتا الحالتين فإن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الملايين الذين يراقبون بحذر مآلات هذا الصراع الممتد والمعقد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق