لا شك أنه مع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير من العام 2026م، وتداعياتها السلبية ليس فقط على دول المنطقة والشرق الأوسط، بل على العالم كله، قد تجلت أسئلة جوهرية وهامة ومصيرية حول قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة تحمي سيادتها ومصالحها وتحقق أهدافها الوطنية، خاصة إذا كان محور التأثير يتعلق بدول نامية تبني مستقبلها، وتقيم دعائم التنمية الحقيقية لمواطنيها، ذلك أنه لم يعد مقبولا أن تسلك تلك الدول مسارات للتنمية والبناء، ثم تصير مقيدة بقرارات ما يٌسمى بالقوى العظمى في العالم.
إن ذلك يؤسس لفكرة أن هذه الدول ومن ثم من وراءها شعوبها، لن تقوم لها قائمة في حقبة من الحقب، وأنه يبدو أن القوى الاستعمارية القديمة وأقصد هنا بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا وغيرها، قد تبدلت بقوى تَدعي أنها الأمة المشروعة في العالم، حيث تحمل مزيجًا من الإيمان الاستثنائي بأنها دولة فريدة ومٌقدر لها قيادة العالم، وأقصد هنا بالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية والتي قامت قي 4 يوليو عام 1776 م، بحسب إعلان استقلالها رسميا، وذلك على جثة الاستعمار البريطاني.
إن الباحث في السياسة الأمريكية المعاصرة، لا يمكنه أن يبتعد كثيرا عن فكرة السياسات الاستعمارية القديمة مع تبدل الآليات والأدوات ووسائل الضغط على الحكومات والشعوب، فقد استبدلت القوة العسكرية المحتلة للأوطان، بالسياسات الدولية بشقها السياسي والاقتصادي والتجاري والعلمي والصناعي والاجتماعي، وغير ذلك مما يطول شرحه، فأصبحت اليوم دول العالم النامي والفقير والتي كانت مستعمرة بالأمس، مقيدة بقيود أخرى ليست بالعسكرية في المقام الأول، بل قيود صنعت التبعية وفرضت السيطرة، وقلصت التطور، وحدت من وصول التقدم العلمي، وربطت الاقتصاد بعملتها، ثم عبثت في هوية الأجيال وانتماءاتها من خلال الغزو الثقافي، وأخطره في شبكات الإعلام المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتسرب كل شيء وأي شيء في لمح البصر من تحت عقب الباب إلى العقول بدافع التواصل بين الحضارات، وأن العالم أصبح قرية صغيرة، تتحرك فيها المعلومة بسرعة أكبر من سرعة الضوء، حتى صارت الأجيال في الدول النامية تحمل بطاقات الهوية الوطنية لبلادها، لكنها في الحقيقة تنتمي للنموذج الأمريكي أو الغربي بصفة عامة.
وهذا اللون الاستعماري الجديد يضعف – بلا شك – كل قيادة وطنية، ويجعلها دائما محل المقارنة بإنجازات المجتمعات الغربية المتقدمة، دون الأخذ في الاعتبار أن تخلف الدول النامية مبعثه الاستعمار القديم الذي يتحمل جريمة تأخر تلك الدول واستغلال مواردها من الطاقة والمعادن والمحاصيل الزراعية وغيرها، بل امتد الأمر لاستغلال السكان والمهارات والقوى العاملة التي ساهمت بغير رضاها في التنمية الاقتصادية للإمبراطوريات والدول الاستعمارية القديمة.
ثم وضع هذا النفوذ الاستعماري الجديد، شبكة من القيود على حكومات الدول النامية باسم الليبرالية الكلاسيكية، مثل ما أصطلح على تسميته بحقوق الإنسان، والحرية الفردية، والديمقراطية، وحقوق الملكية، إلى جانب الرأس مالية السوقية، ثم رَوج هذا النفوذ كل ذلك وأكثر عبر شبكته الإعلامية النافذة، حتى يتمكن الإحباط من المواطنين بالدول النامية والفقيرة، حين يرون عبر شاشات الهواتف النقالة النافذة أو يسمعون عبر الأثير أو يتفاعلون عبر شبكة الإنترنت اللحظية، جنة الغرب، فينقِمون على جهنم الشرق.
وقد استخدم الاستعمار الحديث أدوات جديدة، واستعمل كل نفوذه الإعلامي ليبثها في عقول الناس، وقد نجح بالفعل في أن ينشـر ثقافة ضحالة الفكر والتحليل والتقييم في مختلف الأمور، وهو بذلك يحكم سيطرته على العقل الجمعي للمواطنين، وهو إما يستخدمهم عبر التأثير الإعلامي في تأييد حكامهم المواليين للاستعمار الجديد، أو يستخدمهم ضد الحكام الذين يحاولون أن يحدثوا تغييرا إيجابيا في حياة شعوبهم يراه الاستعمار الحديث خطرا عليه.
والمعروف أن ميزان تقييم الأمور، يتحكم فيه مصطلح المعيار، ومصطلح المؤشر، والفكرة العريضة دائما هي ما يسمى في مصطلحات الفكر بالمعيار... كأن نقول مثلا... إن الحاكم فشل في إدارة البلاد، أو أنه نجح في إدارتها، وهذان العبارتان تمثلان أفكارا عامة... يقال عنها إنها المعيار... أي مسمى معيار التقييم، وكي يتم وزن هذا المعيار بدقه، فلا بد من وجود مؤشرات تحكم قياس وتقييم هذا المعيار، وتلك المؤشرات يجب أن تتمتع بخاصية القياس والتحديد المتقن والأكيد، حتى أننا إذا أردنا أن نحكم على مدى نجاح الحاكم في إدارته أو إخفاقه، فلابد من وضع قياسات محددة لا تقبل التأويل.
وكي نقيم معيار نجاح الحاكم مثلا في إدارة الدولة، علينا أن نعود إلى المؤشرات الدقيقة... مثل المؤشرات الاقتصادية، ومؤشرات البطالة، ومؤشرات الرعاية الصحية، والعدالة الاجتماعية، وحركة بيع الأسهم في البورصة، والمؤشرات التي تنتجها استطلاعات الرأي العام، وهذا على سبيل المثال لا الحصـر، فإذا استدلت هذه المؤشرات بلغة الأرقام التي لا تكذب، وكانت في مضمونها إيجابية، فلا شك في أن الحاكم يكون قد قطع أشواطا في مسألة نجاحه في إدارة الدولة... والعكس صحيح بالقطع!
لكن الاستعمار الجديد عودنا على استقاء المعلومة في صورة المعيار فقط، باعتبار أن آلياته الإخبارية وآلته الإعلامية هي المصدر الذي خُدِعنا دائما في مصداقيته، ونحن نجد أن الكثير من التقارير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان تتهم نظام الحكم في دولة ما باعتقال المعارضين... ويأتي هذا الخبر في صورة معيار تحت عنوان ( الاعتقال المتزايد)، ثم لا تذكر تلك التقارير المؤشرات الدالة على عدد المعتقلين وأسمائهم وأماكن اعتقالهم وظروف الاعتقال، أو أنها تتكلم عن حالة السخط العام من تدني الأحوال المعيشية، دون أن تقيس تلك الأحوال بمؤشرات جودة الحياة المعترف بها عالميا، وهل زادت إيجابية تلك المؤشرات أم تدنت؟!.
تلك هي الحالة الفكرية التي أوقعنا فيها الاستعمار الجديد وأعوانه، معتمدين عل أن المواطن يستقي معلومته سمعيا عن طريق المعلومات الشائعة.
ومن هنا، تكمن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران وارتداداتها الإقليمية الأخيرة، في أنها شكلت نموذجًا حيًا لهذه المعضلة، حيث ظهرت قيود حقيقية على حرية القرار لبعض الدول، وكشفت مواقف عدة دول عن حدود قدرتها على المناورة واتخاذ المواقف المستقلة في أزمات معقدة تتطلب موازنة دقيقة بين المصالح الداخلية والخارجية، وكل ذلك تحت تأثير الصورة الملفقة للإعلام الأمريكي والغربي والإسرائيلي الذي يبث دعاية معارضة عكسية تظهر قادة هذه الدول وكأنهم مستضعفين، وأن المارد الأمريكي ورفاقه هو المتحكم في قرار هؤلاء القادة ومصائر شعوبهم.
وهذا السياق يفرض بالضرورة إعادة النظر في مفهوم السيادة الوطنية، ليصبح أكثر شمولًا، متجاوزًا التعريف التقليدي الذي يربطها فقط بالاعتراف القانوني أو الاستقلال السياسي المعلن، فالسيادة التقليدية لم تعد كافية لفهم واقع القدرة الوطنية، فالدول التي تبدو مستقلة على الورق غالبًا ما تواجه قيودًا متعددة الأبعاد تحد من فاعلية قرارها، سواء عبر الاعتماد الاقتصادي أو العسكري، أو عبر الضغوط الإقليمية والتحالفات الدولية، أو من خلال التبعية المعرفية والتقنية التي تحد من إمكاناتها على صياغة سياساتها بشكل مستقل.
هذا الواقع المشين الذي تمارسه القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يطعن البشرية في مقتل، يؤكد أن السيادة لم تعد مجرد حالة قانونية أو سياسية، بل مرتبطة بالقدرة على تحويل الموارد الداخلية إلى أدوات فعالة للقرار الوطني، بحيث تصبح الدولة قادرة على حماية مصالحها وإعادة صياغة موقعها داخل النظام الدولي بطريقة واعية وفاعلة.
لقد كشف تاريخ التجارب العالمية أن الاستقلال السياسي وحده لا يكفي لتحقيق فاعلية الدولة، وقد نجد كمثال أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية استطاعت اليابان تحويل ضعفها العسكري والاقتصادي إلى قدرة علمية وتقنية واستراتيجية عالية، ما مكنها من استعادة موقعها الدولي بشكل مستقل نسبيًا رغم القيود الخارجية المفروضة عليها. وكذلك التجربة الصينية المعاصرة تؤكد أن الاستقلال السياسي يجب أن يقترن بتطوير المعرفة والاقتصاد والبنية المؤسسية لضمان قدرة الدولة على اتخاذ القرار بشكل مستقل ومسؤول، إلا أن كلاهما مازال – على اختلاف مواقفه من القطب الأمريكي – يخضع لتأثير الهيمنة الأمريكية بشكل أو بآخر، مباشر أو غير مباشر، وفي الحالة الصينية، ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتقييد قوة الاستقلال الصيني حتى لا يتحول من استقلال نسبي إلى استقلال يهدد وجود الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.
وفي سياق عربي، تكشف دراسة تحليلية لدور بعض دول الخليج في الأزمات الأخيرة (أغسطس 2025 – دراسة المركز العربي للأبحاث والدراسات الدولية) أن قيود التبعية السياسية والاقتصادية تحد من حرية القرار، حتى للدول الغنية بالموارد، وهو ما يعكس الحاجة الماسة لإطار أعمق لفهم استقلال الدولة وقدرتها على الفعل.
أعتقد، ومن رؤية متواضعة، أنه في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ الاستقلال الحضاري، وهو قدرة الدولة على بناء مقومات القوة الداخلية عبر المعرفة، والاقتصاد، والمؤسسات، والوعي الاستراتيجي، بما يمكنها من اتخاذ القرارات بشكل مستقل دون أن تكون أسيرة للضغوط الخارجية أو التبعية الإقليمية.
وهذا الاستقلال الحضاري ليس مجرد مفهوم نظري، بل ضرورة لفهم سلوك الدول وفاعليتها في نظام دولي شديد التعقيد، حيث لا يحترم العالم إلا الدول القادرة على حماية مصالحها وصياغة قراراتها وفق قواعدها الداخلية.
وعند تحليل الأحداث الراهنة في الشرق الأوسط، نكتشف أن القدرة على اتخاذ القرار المستقل مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بمتانة الأطر المؤسسية والاقتصادية والمعرفية للدولة، وأن الاستقلال السياسي وحده لا يكفي لتحقيق فاعلية الدولة في مواجهة الأزمات، خاصة إذا وصلت الأزمة إلى مستوى الصراع العسكري، حتى أننا نجد أن بعض الدول العربية، على الرغم من امتلاكها موارد ضخمة، ما تزال محدودة التأثير إقليميًا بسبب ضعف المؤسسات الداخلية أو التبعية السياسية للقطب الأمريكي، وبالمقابل، أظهرت دول أخرى، حتى وإن كانت صغيرة نسبيًا، أنها قادرة على ممارسة سياسات مستقلة وفاعلة إذا توافرت لديها المعرفة، الكفاءة المؤسسية، والقدرة على الابتكار.
هذا الوضع الشبيه بالاستعمار القديم، يدفعنا لسؤال هام عن حدود السيادة الوطنية للدول النامية والفقيرة، او حتى الدول الغنية في الشرق الأوسط في النظام الدولي المعاصر، وحين نجيب عن هذا السؤال، نرى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران تمثل جرس إنذار أراه الأخير لدول الشرق الأوسط واخص منها بالذكر الدول العربية والخليجية منها، كي تسعى لإعادة تشكيل قدراتها الداخلية، وربطها بالوعي الحضاري والاستراتيجي، وهو ما يعزز المدخل الضروري لتفسير سلوك الدول وإرساء أساس متين لدراسة الاستقلال الحضاري كإطار تحليلي قادر على فهم الظواهر المعاصرة ومواجهتها بقوة.
إن الاستقلال الحضاري هو ما منح اليابان والصين نوعا من الاستقلال النسبي، الذي أراه في الحالة الصينية يسير نحو الاستقلال الكامل، وهذا المفهوم قد يقدم رؤية جديدة لفهم العلاقات الدولية، إذ لم تعد القوة العسكرية أو الاقتصادية وحدها هي الضامن الوحيد للسيادة، بل أصبح امتلاك المعرفة، والقدرة على الابتكار، والكفاءة المؤسسية، والوعي الاستراتيجي، المحددات الرئيسة لاستقلال القرار الوطني.
وتبني هذا المنهج لا ينفي أهمية السيادة التقليدية، لكنه يوسعها لتشمل أبعادًا حضارية واستراتيجية تحتاج إليها دول العالم العربي على وجه الخصوص في ظل محاولات السيطرة الأمريكية على مقدراتها، وفي ضوء المحاولات المتكررة بما يسمى الشرق الأوسط الجديد، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية من جديد.
إن السعي وراء وضع استراتيجية للاستقلال الحضاري يسمح للدولة بأن تكون أكثر قدرة على التكيف مع التحديات المعاصرة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، سوف يجعل من هذا الاستقلال درعا ضد التبعية والهيمنة، وأداة لفهم سبل التصدي للنفوذ الاستعماري الجديد، بل يجعلها تشارك في تشكيل النظام الدولي بما يخدم مصالحها ويعزز مكانتها بين الدول الأخرى، ويؤسس لإمكانية بناء أمة متلاحمة ودول مستقلة في قراراتها وسياساتها الداخلية والخارجية.
















0 تعليق