دخلت الساحة في لبنان فصلاً جديداً من الترقب المشوب بالحذر مع إعلان مصادر مطلعة عن توقف عمليات حزب الله القتالية ضد القوات الإسرائيلية في الساعات الأولى من صباح الأربعاء.
ويأتي هذا التطور الميداني المفاجئ في سياق اتفاق تهدئة مؤقت أعلنته الولايات المتحدة وإيران لتهدئة الصراع الإقليمي المشتعل، مما أثار تساؤلات عميقة حول مصير جبهة لبنان التي تترنح تحت وطأة التصعيد العسكري المستمر منذ شهور طويلة من القصف المتبادل.
حسب تقرير لوكالة رويترز للأنباء نقلاً عن ثلاثة مصادر لبنانية مقربة من الدائرة القيادية، فإن الجماعة التزمت بوقف إطلاق النار عبر الحدود الشمالية لإسرائيل التزاماً ضمنياً بالتوافقات الدولية الأخيرة.
وأوضحت هذه المصادر أن الصمت العسكري الذي خيّم على مواقع الجماعة كان استجابة مباشرة للهدنة المعلنة بين واشنطن وطهران، رغم غياب أي تعهدات رسمية معلنة تضمن حماية الأراضي اللبنانية من الغارات الجوية الإسرائيلية التي لم تتوقف أبداً.
وتشير التقارير الواردة من الميدان إلى أن المقاتلين الميدانيين تلقوا تعليمات بالهدوء المؤقت بانتظار تبلور الموقف السياسي الشامل الذي سيحكم المرحلة المقبلة من الصراع المفتوح.
ويسود صمت مطبق في القرى الحدودية التي اعتادت دوي الانفجارات، حيث يراقب الجميع بحذر شديد ردود الفعل الدولية والمحلية على هذا التحول النوعي في مسار المواجهة التي كادت أن تخرج عن السيطرة وتتحول إلى حرب إقليمية واسعة النطاق تشمل أطرافاً متعددة.
كواليس الاتفاق الأمريكي الإيراني بوساطة باكستانية
في العاصمة الأمريكية واشنطن، أكد مسؤولون رفيعو المستوى في البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترمب قرر تعليق الهجمات على الأهداف الإيرانية لمدة أسبوعين كاملين.
ويهدف هذا القرار الجريء إلى إتاحة الفرصة للدبلوماسية لتعمل عملها بعيداً عن ضجيج الطائرات وصوت المدافع، في محاولة لفتح قنوات اتصال مباشرة قد تفضي إلى حلول مستدامة للأزمات المتلاحقة التي عصفت بالشرق الأوسط خلال الفترة الماضية بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث.
وكشفت التصريحات الرسمية أن رئيس وزراء باكستان شهباز شريف لعب دوراً محورياً وحاسماً في الوساطة بين الخصمين اللدودين للوصول إلى هذا التفاهم المؤقت والصعب. وقد أعلن شريف عبر منصة إكس أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه لا يقتصر فقط على الجبهة الإيرانية، بل يشمل بالضرورة وقف الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان، وهو ما خلق حالة من التضارب في التفسيرات السياسية بين الأطراف المشاركة في هذه المفاوضات المعقدة.
هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة التي قادتها إسلام آباد تعكس رغبة دولية في احتواء الصراع ومنع تمدده إلى مسارات لا يمكن الرجوع عنها في المنطقة برمتها. وتسعى باكستان من خلال هذه الوساطة إلى تعزيز مكانتها كلاعب إقليمي قادر على تقريب وجهات النظر بين القوى الكبرى والقوى الإقليمية المتصارعة، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاستقرار المفقود وسط تلاطم المصالح الجيوسياسية المتضاربة والتهديدات العسكرية المستمرة التي لا تهدأ.
الموقف الإسرائيلي المتصلب وتحدي استثناء لبنان
من جانبه، سارع مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إصدار بيان رسمي يوضح فيه موقف تل أبيب من هذه التطورات المتسارعة التي قلبت الموازين السياسية.
وأكد نتنياهو أن إسرائيل تؤيد القرار الأمريكي القاضي بتعليق العمليات العسكرية ضد إيران، لكنه شدد بوضوح تام على أن هذا الالتزام لا ينسحب على الساحة اللبنانية، مما يعني استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد مواقع الجماعة وأهدافها الحيوية في مختلف المناطق اللبنانية المستهدفة.
واشترطت الحكومة الإسرائيلية لدعم هذه الخطوة الأمريكية أن تقوم طهران بفتح المضائق البحرية فوراً أمام حركة الملاحة الدولية دون أي عوائق أو تهديدات أمنية تذكر.
كما طالبت بوقف كامل وشامل لكافة الهجمات التي تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاءهما في المنطقة، مشيرة إلى أنها لن تقبل بأي اتفاق لا يضمن أمن مواطنيها بشكل كامل وينهي التهديدات الصاروخية التي تنطلق من الأراضي اللبنانية أو غيرها من الساحات المشتعلة إقليمياً.
ويرى المراقبون أن إصرار نتنياهو على استثناء لبنان من الهدنة يهدف إلى مواصلة الضغط العسكري على حزب الله لتحقيق مكاسب ميدانية قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات النهائية. وتعكس هذه السياسة رغبة إسرائيلية في فصل المسارات العسكرية بين طهران وبيروت، وهو ما يرفضه الجانب اللبناني الذي يرى في هذا الفصل محاولة للاستفراد بالساحة اللبنانية وتدمير بنيتها التحتية وقدراتها الدفاعية في ظل غطاء دولي للهدنة مع إيران.
المأساة الإنسانية المتفاقمة ونزوح الملايين في جنوب لبنان
لم تتوقف الآلة العسكرية الإسرائيلية عن الدوران، حيث شنت الطائرات الحربية سلسلة من الغارات العنيفة على مناطق متفرقة في جنوب لبنان خلال الساعات الأولى من صباح اليوم. وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن القصف استهدف بلدات وقرى مأهولة بالسكان، مما أدى إلى تدمير واسع في الممتلكات وزيادة حدة الذعر بين المدنيين الذين يعيشون ظروفاً قاسية تحت وطأة النيران المستمرة والتهديدات الدائمة التي تلاحقهم في كل مكان.
وأصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء جديدة وصارمة لسكان مدينة صور الساحلية، محذراً من هجوم بري وجوي وشيك سيستهدف المدينة التي تعد مركزاً حيوياً في الجنوب. وطالبت هذه التحذيرات المواطنين بمغادرة منازلهم فوراً والتوجه نحو مناطق يزعم الجيش أنها آمنة، مما تسبب في موجة نزوح جديدة تضاف إلى السجلات المأساوية للشعب اللبناني الذي يعاني من ويلات الحرب والتهجير القسري المتكرر نتيجة العمليات العسكرية المكثفة.
في المقابل، وجه الجيش اللبناني نداءات عاجلة للمواطنين والنازحين يحثهم فيها على التريث وعدم التسرع في العودة إلى منازلهم وقراهم في المناطق الجنوبية المنكوبة. وأكدت القيادة العسكرية اللبنانية أن خطر الغارات الجوية والضربات الصاروخية الإسرائيلية لا يزال قائماً وبقوة، وأن التواجد في تلك المناطق يشكل خطراً حقيقياً على الحياة، في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة عدوانه رغم الحديث الدولي عن تهدئة مرتقبة بين القوى الكبرى.
ترقب البيان الرسمي ومحددات الرد المستقبلي
تنتظر الدوائر السياسية والإعلامية بلهفة كبيرة صدور البيان الرسمي من قيادة حزب الله لتحديد الموقف النهائي من التطورات المتلاحقة واستثناء لبنان من اتفاق الهدنة. وقالت المصادر إن الجماعة تدرس بعناية فائقة تفاصيل الموقف الإسرائيلي المتعنت والوعود الأمريكية والباكستانية، بهدف صياغة رد يتناسب مع حجم التحديات الميدانية والسياسية المفروضة، وبما يضمن الحفاظ على معادلات الردع التي ترسخت عبر سنوات طويلة من الصراع المرير مع الاحتلال الإسرائيلي.
ومن المتوقع أن يتضمن البيان المرتقب رداً واضحاً على تصريحات نتنياهو التي اعتبرت لبنان ساحة مستباحة خارج إطار التفاهمات الدولية المتعلقة بوقف إطلاق النار المؤقت. ويدرك قادة الجماعة أن أي قرار يتم اتخاذه في هذه اللحظات الحرجة سيكون له تداعيات كبرى على مستقبل المواجهة وعلى الوضع الداخلي اللبناني الذي يئن تحت وطأة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن الحرب المستمرة والدمار الواسع الذي طال معظم المرافق الحيوية.
إن صمت الجماعة الحالي لا يعني بالضرورة القبول بالأمر الواقع، بل هو هدوء يسبق العاصفة السياسية أو العسكرية التي قد تنفجر في أي لحظة إذا استمرت إسرائيل في غاراتها. ويراقب مقاتلو حزب الله التحركات الميدانية الإسرائيلية على طول الخط الأزرق وفي عمق الجنوب، مستعدين لكافة الاحتمالات بما في ذلك العودة إلى التصعيد الشامل إذا ما تبين أن الهدنة الأمريكية الإيرانية هي مجرد فخ سياسي يهدف إلى تحييد طهران للاستفراد ببيروت.
المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد وآمال التهدئة
أعلنت طهران رسمياً أن جولة المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة ستبدأ يوم الجمعة المقبل الموافق العاشر من أبريل في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. وتهدف هذه المحادثات إلى وضع إطار عملي لتنفيذ الهدنة ومدتها أسبوعان، ومناقشة القضايا الشائكة التي أدت إلى انفجار الصراع، وفي مقدمتها الملف النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية والنشاطات الإقليمية التي تثير قلق واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية أخرى في المنطقة المحيطة بإيران والشرق الأوسط.
وتعلق الآمال الدولية على هذه المفاوضات لتكون بداية النهاية لحرب مدمرة أسفرت حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 1500 شخص في لبنان وحده ونزوح أكثر من مليون ومائتي ألف مواطن. وقد بدأت هذه الحرب عندما أطلق حزب الله قذائفه وصواريخه تجاه المواقع الإسرائيلية تعبيراً عن التضامن الكامل مع طهران، وذلك بعد يومين فقط من انطلاق الهجوم العسكري المشترك الذي شنته القوات الأمريكية والإسرائيلية على العمق الإيراني.
وتسعى واشنطن من خلال طاولة إسلام آباد إلى الحصول على ضمانات حقيقية بأن طهران لن تشكل تهديداً نووياً أو صاروخياً مستقبلياً يطال المصالح الغربية أو أمن إسرائيل وجيرانها. وقد أبلغت الإدارة الأمريكية الجانب الإسرائيلي بأنها ملتزمة تماماً بتحقيق الأهداف المشتركة خلال هذه المفاوضات، وأن وقف إطلاق النار هو مجرد تكتيك ضروري لخفض التصعيد وفتح المجال أمام حلول دبلوماسية قد تنهي حالة العداء المستحكمة منذ عقود في هذه المنطقة.
مخاوف الانزلاق نحو مواجهة شاملة في المنطقة
رغم التفاؤل الحذر الذي يلف أجواء الهدنة الأمريكية الإيرانية، إلا أن الوضع في لبنان يظل قنبلة موقوتة تهدد بنسف كافة التفاهمات السياسية في أي لحظة. فالاستمرار في استهداف المدنيين والمدن اللبنانية مثل صور وغيرها قد يدفع الجماعة إلى التخلي عن صمتها والعودة إلى قصف العمق الإسرائيلي بقوة أكبر، مما سيجبر القوات الأمريكية على التدخل مجدداً لدعم حليفتها، وهو ما يعني انهيار اتفاق الأسبوعين قبل أن يبدأ فعلياً على الأرض.
إن حصيلة الضحايا الكبيرة والدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية اللبنانية يجعل من الصعب على أي طرف محلي قبول هدنة تستثني الأراضي اللبنانية من الحماية. وتواجه الحكومة اللبنانية ضغوطاً هائلة للتحرك دولياً لضمان شمول لبنان في أي اتفاق قادم، خاصة وأن النزوح المليوني قد خلق أزمة إنسانية لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهلها لفترة طويلة دون أن تتحول إلى كارثة عابرة للحدود تمس استقرار دول الجوار والمنطقة ككل.
يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، فإما أن تنجح مفاوضات إسلام آباد في توسيع مظلة التهدئة لتشمل لبنان وتلزم إسرائيل بوقف غاراتها، وإما أن تنزلق المنطقة نحو جولة جديدة من العنف تكون أكثر فتكاً وتدميراً. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة، يظل المواطن اللبناني هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن الصراعات الكبرى بين القوى الإقليمية والدولية، معلقاً بين وعود هدنة هشة وواقع قصف لا يرحم ليلاً ولا نهاراً.














0 تعليق