صرخة طفلة.. صمت يصنع جريمة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأربعاء 08/أبريل/2026 - 11:18 ص 4/8/2026 11:18:02 AM

هناك جرائم لا يمكن فهمها إذا نظرنا إليها بشكل منفصل. تبدو صادمة واستثنائية، وكأنها حدثت خارج سياق المنطق. ولكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا.. هى أنها تحدث داخل سياق واضح، يمكن رصده وتتبعه وفهمه، بل والتنبؤ بما سيترتب عليه أحيانًا. جريمة الاعتداء على طفلة ليست لحظة انفلات مفاجئ، بل نتيجة مسار طويل من المشكلات المتراكمة.
النقطة التى نادرًا ما نواجهها بصدق هى مشكلة مفهوم السلطة داخل الأسرة. حين يتحول الأب أو الكبير إلى "مرجعية مطلقة".. لا تراجع ولا تسأل، ويصبح كل ما يصدر عنه محاطًا بهالة تمنع الشك. هذه الهالة لا تنتج الاحترام، بل تنتج القهر والخوف. والفرق بينهما واضح، الاحترام يسمح بالنقاش والمراجعة، أما الخوف فيقضى على أى محاولة للفهم أو الاعتراض. فى هذا المناخ، لا يملك الأطفال أى أدوات للحماية، لأنهم ببساطة لا يملكوا الحق فى الاعتراض من الأصل.
ثم تأتى فكرة الطاعة بوصفها قاعدة غير قابلة للنقاش. الطاعة هنا لا تقدم كاختيار أخلاقى، بل كواجب مطلق، منفصل عن أى معيار إنسانى. يتربى الأطفال على قاعدة أن "الكبير دائمًا على حق"، وأن الاعتراض نوع من "قلة الأدب"، وأن الشك فى هذا "الكبير" جريمة. وهى طريقة، تسلب الأطفال الإحساس بالدفاع عن أنفسهم، وأن لهم حدودًا يجب على من حولهم احترامها. وحين يتم تخطى هذه الحدود، لا يعرفوا حتى كيف يصفوا ما حدث لهم.
أرى أن هناك عامل مهم، نتجاهله. وهو عدم وجود مفردات واضحة للتعبير عن أى أذى أو انتهاك يتعرض له الأطفال. ويختصر كل شيء فى كلمة واحدة هى "عيب"؟ هذه الكلمة البسيطة التى تقوم بوظيفة خطيرة.. تخلط فيها بين الخطأ والجريمة، وبين الضحية والمجرم، وبين الشعور الطبيعى والاستباحة. الأطفال غالبًا ما لا يملكوا لغة دقيقة، ويعجزوا عن القدرة على الإبلاغ. ويتحولوا إلى أسرى سجن الخوف والرعب.
ونصل إلى الدور المركب للأم أو القائم بالرعاية فى بعض الحالات، ولا يشترط أن يكون أى منهما شريكًا فى الجريمة، ولكنهما يظلا أسرى لنفس السياق السيكوباتى. الخوف من الفضيحة بسبب الاعتماد الاقتصادى أو القناعات المتوارثة، كلها عوامل قد تدفع الأم وغيرها إلى الإنكار، بل ومعاقبة الأطفال بدلًا من حمايتهم. وهنا تكون الكارثة المضاعفة لأنه حين يقابل الألم بالعقاب، يفقد الأطفال آخر ملاذ ممكن لهم.
بوضوح ومباشرة، لا يمكن أيضًا تجاهل الخطاب الدينى الناتج عن بعض الأفكار الدينية البالية والمشكوك فيها. المشكلة ليست فى الدين، بل فى تحويله إلى مجموعة من الأحكام الشكلية المنفصلة عن جوهرها الأخلاقى. وحين يختزل البعض التدين فى المظهر، وفى مراقبة سلوك الآخرين.. تهمش قيم المساواة والعدالة والرحمة. ويصبح الدين نفسه أداة للتخدير الأخلاقى كسبيل يتم استخدامه لتبرير الصمت، وليس لمواجهة القهر والظلم.
وأنبه هنا إلى أمر بالغ الخطورة، وهو تطبيع القسوة. حين يعيش الأطفال فى بيئة ترى العنف وسيلة تربية، والإذلال أداة ضبط سلوكى، يفقدوا تدريجيًا الحساسية تجاه الألم. وعندما يكبرا لا يروا فى صراخ الأطفال أمامهم.. إنذارًا، بل إزعاجًا. ولا فى بكائهم استغاثة، بل "دلعًا" يجب كسره. هذه القسوة المتراكمة تخلق أرضًا خصبة لأى انتهاكات أكبر مستقبلية.
كل ما ذكرته، لا يعمل بشكل منفصل، بل يتشابك لينتج بيئة مغلقة وصامتة وخطيرة وغير آمنة. بيئة يمكن أن تحدث فيها أبشع الجرائم بدون أن تكتشف مبكرًا، ليس لأن الأدلة عليها غير موجودة، بل لأن الإرادة فى رؤيتها غائبة وربما مغيبة.
السؤال الأهم هنا ليس: كيف حدثت الجريمة؟ بل.. كيف لم تكتشف قبل أن تصل إلى هذه النهاية المأساوية؟
المؤكد أنه كانت هناك إشارات. طفل أصبح منطويًا فجأة. وخوف غير مبرر من شخص بعينه. وتغيرات حادة فى السلوك أو النوم. هذه ليست تفاصيل عابرة، بل إنذارات مبكرة. وتجاهلها ليس حيادًا، بل مساهمة غير مباشرة فى استمرار الأذى واستقراره.
لا نحتاج هنا للتعاطف فقط بعد وقوع الكارثة، بل إعادة بناء منظومة حماية الأطفال من الأساس. نحتاج تربية تقوم على الحوار وليس الخوف. وتعليم يمنح الأطفال لغة يفهم بها جسده وحدوده. وخطاب دينى يعيد الاعتبار للرحمة والعدل، وليس للمظاهر. وقوانين تفعل بجدية، ولا تترك رهينة للمجاملات الاجتماعية.
الأمر ليس سهلًا، لأنه يتطلب مواجهة الذات قبل الآخرين. ويتطلب الاعتراف بأن الخطر ليس دائمًا بعيدًا، بل قد يكون قريبًا جدًا، ومألوفًا لدرجة أننا لا نراه.

نقطة ومن أول الصبر..
القضية ليست فى كشف الجريمة بعد وقوعها، بل فى منع الظروف التى مهدت لها وسمحت بها. الأطفال لا تحتاج إلى شفقة متأخرة، بل إلى حماية مبكرة. ولا ننسى أن المجتمع السليم ليس بعدد شعاراته، ولا بصرامة الشكل العام، بل بقدرته على أن يجعل أضعف مواطنيه يشعروا بالأمان.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق