قال الراهب ثاؤفيلس الأورشليمى، سكرتير بطريركية الأقباط الأرثوذكس بالقدس، إن طقوس وصلوات «أسبوع الآلام» و«عيد القيامة» هذا العام تأتى وسط أجواء استثنائية من الحزن والألم، بسبب الأحداث الراهنة والتشديد على الطوائف المسيحية والقيود الأمنية المفروضة على التحركات، والتى تقيد وصولهم لكنيسة القيامة، مع إلغاء المواكب والاحتفالات الدينية.
وأوضح «الأورشليمى»، لـ«الدستور»، أن الأراضى المقدسة تشهد هذا العام غيابًا شبه كامل للحجاج والسياح، بسبب الأوضاع الأمنية وتقليص الأعداد المسموح لها بدخول كنيسة القيامة إلى ما لا يزيد على ١٠ أفراد، ما يستدعى التنسيق بين الكنائس لتنظيم مواعيد الصلوات وأماكنها، مشيرًا إلى أن أبناء القدس يعانون من عدم المساواة الدينية، مع تلقيهم دعمًا دوليًا محدودًا، الأمر الذى يدفع كثيرين منهم إلى الهجرة خارج الأراضى المقدسة، سواء بسبب القيود الأمنية أو التشديدات أو سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
■ بداية.. كيف استعدت البطريركية الأرثوذكسية للاحتفال بـ«أسبوع الآلام» و«عيد القيامة» هذا العام؟
- تستعد البطريركية سنويًا لـ«أسبوع الآلام» من خلال تنسيق شامل على مختلف المستويات، إذ يتم التعاون مع الجهات الأمنية، خاصة الشرطة، إلى جانب التنسيق مع الكنائس الأخرى لتنظيم مواعيد الصلوات وأماكنها، وفق نظام «الستاتيكو» (قانون الوضع القائم للطوائف) المعمول به داخل كنيسة القيامة، الذى يحدد بدقة حقوق كل طائفة ومواعيد عباداتها.
وعلى المستوى الروحى، تهتم الكنيسة الأرثوذكسية بإعداد أبنائها لهذه الفترة المقدسة، إلى جانب تجهيز الكنائس من حيث المظهر والطقوس، حيث تشهد الكنائس تغييرات ملحوظة خلال «أسبوع الآلام»، مثل استخدام الأقمشة السوداء التى ترمز للحزن، قبل أن تتحول إلى اللون الأبيض احتفالًا بـ«عيد القيامة»، كما هو متبع فى الكنيسة القبطية حول العالم.
ومع ذلك، يختلف الأمر قليلًا فى القدس، نظرًا لوجود طقوس إضافية داخل كنيسة القيامة، ما يتطلب ترتيبات وتجهيزات خاصة، بما فى ذلك ملابس طقسية مميزة.
وتتضمن الاستعدادات التنسيق مع الشرطة لتنظيم دخول وخروج المشاركين فى الصلوات وتأمين الكنيسة، مع الالتزام بذات الطقوس المعروفة فى مصر، بداية من عشية «أحد الشعانين»، مرورًا بـ«البصخة المقدسة»، و«خميس العهد»، و«الجمعة العظيمة»، وصولًا إلى «عيد القيامة».
ومن بين الطقوس المميزة احتفال «سبت لعازر»، إذ يحق للكنيسة القبطية، وفقًا لنظام «الستاتيكو»، إقامة قداس داخل قبر السيدة العذراء، بموكب رسمى يضم الأساقفة والكهنة والشمامسة، بالإضافة إلى «القواصة»، الذين يمهدون الطريق للموكب بالعصى، إلا أن هذه المواكب الرسمية مُنعت هذا العام بسبب الظروف الأمنية، وحظر التجمعات الكبيرة.
وتنفرد الكنيسة القبطية أيضًا بإقامة دورة «الجمعة العظيمة» مساءً داخل كنيسة القيامة، والتى تمتد من السادسة إلى الثامنة مساءً، إذ يتم التنقل بين «محطات الآلام» داخل الكنيسة، مع قراءة فصول من الإنجيل وإلقاء عظات، ويشارك فيها الشعب القبطى بشكل كامل دون مشاركة طوائف أخرى.
■ كيف أثرت الأوضاع الأمنية على الحج هذا العام؟
- يشهد هذا العام غيابًا شبه كامل للحجاج بسبب الأوضاع الأمنية، إذ لم يتمكن الأقباط من خارج الأراضى المقدسة من الحضور، كما يواجه المسيحيون المقيمون صعوبات كبيرة فى الوصول إلى الكنيسة بسبب القيود المفروضة على الأعداد، التى قد لا تتجاوز عشرة أفراد فى بعض الأحيان، وسط استمرار المفاوضات بشأنها.
كما أنه لا يوجد حجاج مصريون هذا العام بسبب الأوضاع الأمنية، وبعد أن امتنعت الحكومة المصرية عن السماح بسفر المواطنين حفاظًا على سلامتهم.
كما فُرضت قيود على أعداد الحضور داخل كنيسة القيامة، ما أدى إلى تقليص الأعداد بشكل كبير، حتى بالنسبة للمسيحيين المقيمين فى الأراضى المقدسة، الذين لم يتمكن كثير منهم من الدخول كما هو معتاد.
وبالتالى، يلجأ الشعب القبطى إلى الصلاة داخل البطريركية، بعد الحصول على التصاريح اللازمة، مع غياب شبه كامل للمصريين والأقباط القادمين من الخارج.
وقد تأثرت السياحة الدينية بشكل كامل تقريبًا، حيث يمكن وصف الوضع بأنه «صفر سياحة»، مع عدم تمكن حتى السكان المحليين من الوصول إلى أماكن العبادة بسهولة.
■ ما أبرز التحديات التى تواجه تنظيم الصلوات بالقدس؟
- تتمثل أبرز التحديات فى القيود الأمنية المشددة، التى وصلت فى بعض الفترات إلى منع كامل للصلوات، كما حدث فى المسجد الأقصى، لكن بعد تدخلات دولية، خاصة من بابا الفاتيكان، تم الضغط للسماح بإقامة الصلوات، كما تم تفعيل ضغط سياسى على رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، للسماح للمسيحيين بأداء شعائرهم، وهو ما أدى إلى صدور تعليمات بالسماح بدخول المسيحيين إلى كنيسة القيامة، ولكن بأعداد محدودة للغاية، وفقًا للتعليمات الحالية.
وتجرى حاليًا مفاوضات لتحديد العدد النهائى للمسموح لهم بالدخول، ومن المتوقع ألا يزيد على ١٠ أشخاص فى الوقت نفسه.
■ كيف ترون أوضاع الحريات الدينية بالقدس فى الوقت الحالى؟
- يُعد البابا تواضروس الثانى من الشخصيات المؤثرة داخل الأراضى المقدسة، لما يتمتع به من حضور واحترام ومواقف واضحة، وهو ما أسهم فى تحسن نسبى فى الأوضاع، كما يلعب بابا الفاتيكان دورًا مهمًا ومؤثرًا، خاصة على المستويين السياسى والدولى، إذ أسهمت تحركاته فى الضغط من أجل السماح بإقامة الصلوات، لأنه يُنظر إليه كشخصية قادرة على التأثير فى المشهد الدولى، وربما المساهمة فى تهدئة النزاعات فى المنطقة.
ورغم ذلك، يظل منع الصلوات أو تقييدها أمرًا غير مقبول، لأنه قد يؤدى إلى تداعيات مستقبلية تمس حرية العبادة.
وهناك ملاحظات واضحة بشأن عدم المساواة، إذ تبدو بعض الأماكن الدينية الأخرى مفتوحة وبأعداد كبيرة، فى حين تُفرض قيود على دخول المسيحيين، ويُنظر إلى ذلك باعتباره انتهاكًا للحريات الدينية، خاصة فى ظل معاناة المسيحيين، التى دفعت بعضهم إلى الهجرة، فى ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، على عكس ما يُروج له بشأن تحسن أوضاعهم.
■ هل تتلقون دعمًا من الكنائس العالمية؟
- الدعم الدولى محدود، ويُعد الفاتيكان الطرف الأبرز فى هذا السياق، بينما يغيب تحرك واسع من باقى الكنائس العالمية، رغم صعوبة الأوضاع التى يعيشها المسيحيون فى الأراضى المقدسة.
كما أن الأوضاع الأمنية غير المستقرة، بما فى ذلك أصوات القصف المستمرة، تجعل البيئة غير آمنة للحياة أو العمل.
■ هل تؤثر تيارات مثل «المسيحية الصهيونية» على العلاقات بين الكنائس؟
- لا يوجد تأثير يُذكر لهذه التيارات على العلاقات بين الكنائس فى القدس، حيث تحافظ الكنائس على استقلالها، وترفض العديد منها هذه التوجهات.
ومن ناحيتها، تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية التزامها بالتعليم الصحيح المستند إلى الكتاب المقدس والتقليد الكنسى القبطى وأقوال الآباء، بعيدًا عن أى توظيف سياسى، ولا تعتمد أى توجهات سياسية فى تعليمها، وتشدد على أن العلاقات بين الكنائس المختلفة فى القدس لا تتأثر بما يُعرف بـ«المسيحية الصهيونية»، حيث تتفق معظم الكنائس على رفض الممارسات التى تمس حقوق المؤمنين.
■ ما دور الكنيسة القبطية فى ظل هذه الظروف؟
- دور الكنيسة روحى بالأساس، إذ تسعى إلى تهدئة النفوس وتقديم الدعم الرعوى للمؤمنين، دون الانخراط فى العمل السياسى.
ومع ذلك، فإن «عيد القيامة» هذا العام يأتى فى أجواء يغلب عليها الحزن بسبب استمرار الصراعات.
■ كيف رأيتم منع إسرائيل احتفال البطريركية اللاتينية بـ«أحد الشعانين»؟
- فيما يخص واقعة منع البطريركية اللاتينية من الاحتفال بـ«أحد الشعانين»، فقد جاء ذلك فى إطار القيود التى فرضتها السلطات، والتى شملت جميع البطريركيات، إذ تم السماح بأعداد محدودة للغاية داخل كنيسة القيامة، ما أدى إلى تقليص المشاركة بشكل كبير.
وقد كانت هناك قيود فرضتها الشرطة، التى أرسلت خطابات رسمية إلى جميع البطريركيات تُفيد بعدم السماح بتجمعات كبيرة، مع فرض قيود مشددة على الصلوات.
وبناءً على ذلك، تم الالتزام بإقامة الصلوات بأعداد محدودة جدًا داخل كنيسة القيامة.
■ كيف تتم إجراءات التفتيش فى يوم «سبت النور»؟
- تتم إجراءات التفتيش فى كنيسة القيامة وفق ترتيبات دقيقة لضمان انسيابية دخول الزائرين والحفاظ على سلامة المكان، عند السماح بالدخول، ويكون ذلك على نطاق محدود جدًا، بحيث لا تتجاوز الأعداد بعض الأشخاص فقط فى الوقت نفسه، مقارنةً بالمئات أو الآلاف المعتاد دخولهم.
والهدف من ذلك هو تنظيم الحركة داخل الكنيسة بشكل يضمن سيرها بسلاسة دون ازدحام.
■ ما الرسالة التى توجهونها فى «أسبوع الآلام»؟
- الرسالة الأساسية هى أن احترام الآخر هو فى جوهره احترام للنفس، فالله منح الإنسان حرية الاختيار ولم يُجبر أحدًا، وبالتالى لا يحق لأى طرف فرض معتقداته أو ممارساته على الآخرين، لأن الحرية هى عطية إلهية لا يجوز انتزاعها.


















0 تعليق